الرئيسية / إضاءات / وهران نموذجاً: ما يمكن أن تجلبه فلاحة الدوام إلى المدينة

وهران نموذجاً: ما يمكن أن تجلبه فلاحة الدوام إلى المدينة

خاص ثقافات:

سعيد هادف

من أجل ثقافة صديقة للبيئة

فلاحة الداوم  (permaculture)

من هو الملهم الذي كان وراء هذا الموديل الخاص بالفلاحة الطبيعية؟ إنه الفلاح الياباني ماسانوبو فوكوكا (1913-2008) هذا المنهج  خضع للشرح النظري في السبعينيات. كان مصطلح  (permaculture) يعني في الأصل «الفلاحة المداومة»، ولكن اتسع لاحقًا ليشمل «ثقافة الدوام» أو «ثقافة المداومة» أو«الثقافة المستدامة» لأن المظاهر الاجتماعية كانت جزءًا لا يتجزأ من نسق مستدام حقًا.

ثقافة المداومة  (permaculture)هي طريقة نسقية وشاملة تهدف إلى تصميم الأنساق (مثل الموائل البشرية والأنساق الفلاحية)، ولكن هذا يمكن تطبيقه على أي نسق من خلال الاستلهام من الأيكولوجيا الطبيعية. إنها ليست منهجا ثابتا ولكنها «طريقة عمل» تأخذ في الاعتبار التنوع البيولوجي لكل نسق أيكولوجي. إنها تهدف إلى إنتاج فلاحي مستدام، والذي يتميز بالكفاءة في استخدام الطاقة ويحترم الكائنات الحية وعلاقاتها المتبادلة، مع منح الطبيعة “البكر” أكبر مساحة ممكنة.

الأيكولوجيا العميقة منذ منتصف القرن الماضي، حذرت من مغبات التعاطي الجاهل مع محيطنا البيئي والاجتماعي، وراكمت على مدى سبعة عقود جهودا نظرية وميدانية من أجل تصحيح التمثلات الخاطئة، وتزويد السياسة والاقتصاد بمفاهيم ونظريات تفضي إلى ممارسات صديقة للبيئة. إن الأمر يتعلق ببناء ثقافة مشبعة بالعلم والقيم الإنسانية النبيلة قيم الخير والحق والجمال.

كيف تعاملت الثقافة المغاربية مع محيطها الأيكولوجي؟ وكيف تجلت عبرها الأنشطة الفلاحية؟ هذا ما يجب أن تكتشفوه في أنفسكم، وفي محيطكم الاجتماعي وفي تعاملكم مع الأرض والنباتات وأساليب الفلاحة. وهذا ما يحاول فيصل عنصر، أن يجسده في ورشاته التكوينية وكتاباته ومداخلاته.

فيصل عنصر، الإعلامي والباحث المختص في الثقافة/الفلاحة المستدامة (permaculture)، المقيم بين باريس ووهران، يعمل بمثابرة على نشر ثقافة صديقة للبيئة وداعمة للتنمية. يدعو عبر ورشاته التكوينية إلى الاهتمام المنهجي بتدبير المدينة. وفي سياق الوضع المترتب عن جائحة كورونا، قال: “يبدو أن الكوكب يريد الانتقام. لقد بدأ العد التنازلي بالفعل: استنفاد الموارد الطبيعية والحروب الخفية من أجل السيطرة، واختلال المناخ ، واختفاء 60 ٪ من الحيوانات البرية في غضون 44 عامًا، وانهيار التنوع البيولوجي للحيوانات والنباتات في العالم ، وسوء التغذية، والمجاعات، وتفاقم أزمة اللاجئين بسبب المناخ وتشريد السكان، وعودة ظهور أمراض القرون الوسطى ، وانفجار السرطانات والأمراض المزمنة ، المرتبطة بالأغذية السريعة، وتلوث الهواء والتربة والمحيطات … وقائمة المصائب التي تصيب البشرية لا تزال طويلة.

الأرض تنتقم

بموقع (mediterranee-plurielle.com)، حول تساؤله: هل نحن مذعورون؟ وهل هو مجرد هلوسة بعض دعاة حماية البيئة، الذين يحذرون مثل كاساندرا من مستقبل أكثر رعبا؟ يقول فيصل عنصر: “بالطبع لا. هذه حقائق واقعية، وملاحظة علمية واضحة، ناتجة عن إخفاقاتنا الخاصة كأنواع بشرية اختارت نمطًا لا نهائيًا من الاستهلاك، في عالم محدود: لم تعد الأرض قادرة على المتابعة، لقد وصلت إلى عتبة التسامح وحذرتنا بطريقتها الخاصة.

وإذا يتساءل: هل وصلنا إلى نقطة اللاعودة؟ وفقًا للعلماء، يرى أنه إذا لم نغير سلوكنا بسرعة، فمن المحتمل جدًا أن تتعرض الأرض قريبًا للانقراض الجماعي السادس للأنواع، بما في ذلك البشر. لذا، هل يجب أن نستسلم لأنفسنا؟ بالطبع لا، حيث مازال هناك أمل. حتى لو تم إجراء التشخيص الحيوي للكوكب، فمازال من الممكن استدراك الأمر، والحد من الضرر. وبخصوص الحديث عن الضرر، فإن أكثر قطاعات النشاط البشري تلويثًا هي الزراعة الكيميائية والصناعات الغذائية. والواقع أن ما يسمى بالزراعة “الحديثة” مسؤولة عن 24٪ من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في العالم، ويرجع ذلك أساسًا إلى تربية الماشية والاستخدام المفرط للأسمدة الكيماوية وطريقة الحرث. وهذا الرقم لا يأخذ في الحسبان كل التلوث المنبعث في سلسلة الإنتاج وعواقبه المباشرة وغير المباشرة على صحة النبات والمستهلكين، أي التلوث المرتبط بتصنيع الأسمدة المذكورة، لتشغيل مصانع المعالجة والنقل ومعالجة مياه الصرف وصناعة الصحة النباتية والصناعات الدوائية، إلخ. تم بيعها في الأصل على أنها “ثورة خضراء”، والتي ادعت أنها تغذي البشرية، الزراعة الصناعية، التي مازالت في النصف الشمالي من الكرة الأرضية تعيش اليوم بفضل دعم الدولة فقط، هي في الواقع مجرد وسيلة تسمح للوبيات المال بالتغول على ظهور دافعي الضرائب. ولسبب ملوِّث ومهلك للطاقة، أثبتت منذ أكثر من 50 عامًا، منذ إنشاء السياسة الزراعية المشتركة (PAC) في أوروبا على سبيل المثال، أنها غير قادرة على حل مشكلة المجاعة في العالم. يعاني 800 مليون شخص من سوء التغذية على هذا الكوكب، أي واحد من كل عشرة أشخاص لا يأكلون ما يكفي. مع أن الصناعة الزراعية العالمية تنتج اليوم 330 معادلا من الحبوب لكل شخص في العام. ومع ذلك، لا يتطلب الأمر سوى 200 معادل من الحبوب لكل شخص سنويًا لتلبية احتياجات أكثر من 7.5 مليار نسمة يعيشون في هذا الكوكب.

السؤال هو، أين يذهب كل هذا الإنتاج الزائد؟ تحت ضغط من صندوق النقد الدولي والأسواق، تضطر العديد من بلدان العالم الثالث والناشئ إلى محو غابات بأكملها (مثل البرازيل) لممارسة الزراعة الأحادية، ليس لإطعام الناس، ولكن لتلبية متطلبات الصناعة البترولية والفلاحية الغذائية، وخاصة في إنتاج اللحوم والوقود الحيوي.

هذا النموذج الزراعي غير المستدام شديد الجشع في مجال الطاقة الأحفورية. كما أنه واحد من ناقلات البؤس الاجتماعي الراهن في العالم. تشير الدراسات الجادة إلى التبذير الناتج عن هذه السياسة الباحثة عن الربح بأي ثمن. لقد ثبت علمياً الآن أنه يجب في المتوسط 7.3 سعرات حرارية أحفورية لإنتاج سعرة حرارية نباتية، ويجب 5 سعرات حرارية نباتية للحصول على سعرة حرارية من لحم البقر. بالإضافة إلى ذلك، الفلاح الذي ينشر 100 كيلوغرام من النيتروجين الاصطناعي (azote de synthèse) على هكتار واحد من الأرض ينتج كمية كبيرة من غازات الدفيئة (gaz à effet de serre) مثل السيارة التي قطعت 10000 كيلومتر. إذا لم يتم اتخاذ تدابير جذرية، وسرنا على هذه الوتيرة، فستكون البشرية في غضون 50 عامًا، قد استنفدت جميع مواردها الطبيعية، وفي نفس الوقت أضرت بشكل لا رجعة فيه بمحيطها الحيوي.

وبالتالي، سيكون من المفيد تغيير السياسة الزراعية وتشجيع الزراعة الصغيرة وزراعة الكفاف التقليدية، الأكثر احترامًا للبيئة، والتي تهدف، في الواقع، إلى إطعام البشرية. هنا، يأتي ما بين 20 و 80٪ من الإنتاج الغذائي العالمي اليوم من المزارع العائلية الصغيرة، خاصة في العالم الثالث والبلدان النامية (إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، إلخ.). بالإضافة إلى ذلك، فإن نقص الوسائل (غياب البنية التحتية للطرق، والخدمات اللوجستية، وصناعة الأغذية، وما إلى ذلك) في هذه البلدان يساعد في الحفاظ على هذا النوع من الزراعة في المناطق الحضرية وأطرافها، حيث يجبر المزارعين على أن يعرضوا للسكان المحليين المنتجات الطازجة والموسمية والمحلية.

ماذا عن الجزائر؟ هل هناك فرصة للنهوض؟

تبلغ المساحة الزراعية الكلية للجزائر 42.4 مليون هكتار أو 18٪ من مساحة البلاد. فقط 20٪ من هذه المساحة مزروعة. يوفر هذا القطاع مصدر رزق مباشر أو غير مباشر لـ 21٪ من الساكنة التي يقدر عددها حوالي 42 مليون نسمة ، 70٪ منهم من الشباب تحت سن 35. وفقًا لمكتب الإحصاءات الوطني، اقترب معدل البطالة من 11.1 ٪ في عام 2018، دون احتساب الآلاف من الباحثين عن عمل الذين يعانون من الركود في الاقتصاد غير الرسمي.

تحتل الجزائر المرتبة 17 في العالم لمصدري النفط و 9 للغاز الطبيعي. تمثل هذه الصناعة 30٪ من الناتج المحلي الإجمالي (PIB) للبلاد و 97٪ من صادراتها وحوالي 70٪ من عائداتها الجبائية. كما أنها المصدر الرئيسي لتدفقات العملات الأجنبية. على الرغم من هذه الإمكانات الطبيعية والبشرية والمالية، يقول، مازالت البلاد تعتمد على الأسواق العالمية للغذاء.

في عام 2017، تجاوزت واردات المواد الغذائية 11 مليار دولار. يتم استيراد ملايين القناطير من القمح كل عام من فرنسا أو كندا أو روسيا. إن الجزائر مجبرة على دفع ثمن باهظ مقابل شراء الطعام. مع استمرار أسعار الضروريات الأساسية، تؤثر فاتورة الغذاء بشكل كبير على الإنفاق الحكومي، الذي تعتمد إيراداته على سعر الهيدروكربونات. ونتيجة لذلك، يقول، يرتبط بقاء البلد ارتباطًا مباشرًا بمارتينغال (martingale)1، مركنتيلي للغاية، في الأسواق العالمية. ومع ذلك، يرى فيصل عنصر، أن تلك السياسات التي انتهجتها الريجيمات الجزائرية انطوت على شيئين: أحدهما سيئ  والثاني جيد: بما أن صناع القرار رهنوا الاقتصاد الجزائري تقريباً في صادرات المواد الهيدروكربونية، بطريقة ما، قد حموا البلاد من مغبة الإفراط في استغلال الليبراليين للموارد الطبيعية. بعبارة أخرى، يضيف، إن ما تسبب في تأخر تنميتنا يمكن أن نجعل منه فرصة للنهوض في المستقبل. إن جزءا كبيرا من أرضنا الصالحة للزراعة بقي بكرا وغير مستغل.

مخاطر الفلاحة الصناعية: ماذا عن مستقبل الجزائر؟

الجزائر بلد أيكولوجي بشكل جزافي. لكن حتى متى؟ إن الانحراف الزراعي والكارثة البيئية المعلنة، التي تحدث في جنوب الجزائر، في وادي سوف على وجه الخصوص، مقلقة للغاية. في الواقع، بعد اتباع منطق مركنتيلي محض، تم تشجيع الزراعة شديدة التلوث في هذه المنطقة من البلاد. يتم إنتاج الطماطم والبطيخ هناك بكميات صناعية، وذلك باستخدام وإساءة استخدام الأسمدة الاصطناعية والمبيدات الحشرية وضخ المياه المتحجرة، غير قابلة للتجدد، المياه الجوفية. هذا لا يمكن أن ينجح، إنها زراعة محكوم عليها بالفشل على المدى الطويل لأنها لا تتكيف مع بيئتها. إذا اختار القدماء نسق الفقارة (Fouggarras)2، فليس بسبب نقص المعرفة أو الجهل، بل لأنهم عرفوا كيف يحافظون على وسطهم الطبيعي؛ لقد مارسوا، أبا عن جد، زراعة الكفاف، زراعة معقول ومسؤولة، لا تستنفد جميع الموارد المتاحة.

من واجب السلطات العامة والمجتمع المدني الآن التفكير في مستقبل جزائر ما بعد الهيدروكربونية، ومتابعة ما بحدث في العالم، واستخلاص الدروس اللازمة واختيار المسار الصحيح مسار كل ما هو عقلاني، مستدام وعادل.

إن برنامجا شاسعا؛ وتحديا كبيرا ينتظر الأجيال الحالية والمستقبلية، يقول الباحث، التحدي الذي ستكون نقطة انطلاقه بلا شك اعتماد براديغما جديدة، حيث ستحتل فيه البيئة مكانًا مركزيا.

إنها مجرد مساهمة، يقول فيصل،  لا تحمل مفاتيح جاهزة، ولا تدعي تحليلا تفصيليا حول هذا المشروع الاجتماعي. إن مرماي هو أن أثير الانتباه وأشق طريقا للتفكير: حول مسألة كيف يمكننا إجراء تحول إيكولوجي في الجزائر، ولاسيما في المدن الجزائرية؟ بتعبير أدق، يتعلق الأمر بكيفية تقديم الزراعة الحضرية المستدامة (Permaculture Urbaine)، والتعريف ببعض مبادئها ومقاربتها الكلية، الهادفة إلى إنشاء أنساق بشرية مرنة ودائمة، ولها قابلية الإنجاز في مدينة مثل وهران، مثلا، حتى تخضر السطوح وتينع بدل أن تبقى غبراء توجع العين. (يتبع العدد القادم).

الفلاحة المستدامة الحضرية: مقاربة شاملة

 في السبعينيات اخترع المهندسان الزراعيان الأستراليان ، بيل موليسون وديفيد هولمغرين ، مصطلح “الزراعة المستديمة” الحديثة ، والمفهوم مركب من كلمتين إنكليزيتين: “الدوام” و “الفلاحة” ” والمعنى هو الفلاحة الدائمة أو الثقافة الدائمة. وقد لخص أصحاب المبادرة بهذا المنهج مقاربتهم، تاريخيا ونسقيا في ذات الوقت، في كتاب من مجلدين بعنوان “الزراعة المستدامة” بكل بساطة، واضعين تصورهم للموائل البشرية والأنساق الزراعية

يتعلق الأمر بدراسة شاملة، ثمرة لقاء سعيد بين الأمبريقية  والعلم، تشرح نسق التكيف مع بوسطهم الطبيعي ومعيشة الشعوب الأولى في أستراليا وتسمانيا. كما تروم هذه الدراسة أن تكون موديلًا كونيًا للإيكولوجيا الزراعية يكون في متناول المواطن العادي والمحترف على حد سواء ، كيفما كانت الوسائل المتاحة والقدرات المختلفة ؛ من الأراضي الخصبة في أوروبا إلى المساحات القاحلة في أستراليا. الزراعة المستديمة هي تقليد مستنير للأنساق الأيكولوجية الطبيعية ، وهي فن الملاحظة والتجريب. من خلال هذه الدراسة ، طور بيل موليسون وديفيد هولمغرين فكرة براديغما جديدة للعيش المشترك. للعيش بذكاء مع الطبيعة واحترامها. للقيام بذلك ، تدعو الزراعة المعمرة أولاً إلى أخلاقيات وتقترح فلسفة حياة تتمفصل مع ثلاثة مبادئ توجيهية

الانتباه إلى الطبيعة؛

  • الانتباه إلى البشر؛

  • التقاسم المنصف للموارد.

من خلال أخلاقياتها وتقنياتها التي تتطور باستمرار، تدافع الزراعة المستدامة عن منهج نَسَقِي شامل، تهدف إلى تصميم الأنساق (على سبيل المثال الموائل البشرية والتقنيات الزراعية ، ولكن يمكن تطبيق ذلك على أي نسق) ، عبر استلهام (التقليد الحيوي “biomimétisme”) من الطبيعة  واستلهام (الأمبريقيا) من التقاليد. الزراعة المستدامة الحضرية هي فرع من الزراعة المُعمّرة العامة ، تمامًا مثل الزراعة المستدامة الاجتماعية أو الزراعة المستدامة البشرية. وهي منذورة لدراسة وتصور (ديزاين) الأنساق الأيكولوجية المستدامة، منصفة إنسانيًا وذات مردودية اقتصاديًا، استجابة للإشكالات الحضرية الحقيقية، المرتبطة بالتلوث، والديمغرافيا (الازدحام في المدن)، وندرة الموارد الطبيعية، البطالة ، إلخ.

الزراعة المستدامة من خلال أخلاقياتها وتقنياتها المتطورة باستمرار، يكون، إذن، من الأهمية ملاحظة بيئتها والتفاعل معها، من أجل إعداد نموذج وظيفي ومرن، حيث يحتل كل عنصر عدة وظائف وحيث كل وظيفة تكون مضمونة بواسطة عدة عناصر. فيما يلي بعض المبادئ الأساسية التي تسمح لنا بفهم منطق الثقافة المستدامة ومقاربتها لإشكالية  الفلاحة/الثقافة الحضرية (la (agri) culture urbaine).

تحسين الفضاء والوقت

يمكن للبستاني الحضري الهاوي استخدام المزايا المتعددة التي يمكن أن تقدمها له المدينة: الهياكل القائمة ، التي تحمي من الرياح والتي يمكن أن تكون بمثابة كتلة حرارية وتخلق مناخًا محليًا مواتيًا لتطوير النباتات، والاستغناء عن المبيدات الحشرية المسببة للتلوث، وفرة الموارد، سواء النفايات العضوية للسماد أو الموارد البشرية والكفاءات، وإمكانية تجميع اقتناء المعدات، مما يؤدي إلى انخفاض التكاليف ، إلخ. على أي، هناك عاملان محددان: فضاء الثقافة وضيق الوقت.

هذا معناه ، تقدم الزراعة المستدامة الحضرية عددًا من الحلول التقنية وطريقة للتنظيم للتغلب على هذه الإكراهات. لتحسين المساحة وربح الوقت، يجب علينا أولاً تغيير مفهومنا للحديقة: يجب التفكير فيها بالأمتار المكعبة ، بالأبعاد الثلاثية، وليس بالأمتار المربعة. باستخدام الرهانات أو الجدران أو أي بنية عمودية أخرى، يمكنك جعل نباتات الطماطم والاسكواش والفاصوليا وغيرها تتسلق.

هذا يترك مساحة للثقافات الأخرى في المستوى السفلي. وهذا ما يسمى ثقافة الطوابق. بالإضافة إلى ذلك، وبفضل التكثيف والترابط والثلاثي المتداخل (على سبيل المثال زراعة الجزر والفجل والكراث أو الذرة والفاصوليا والقرع) وتفضيل النباتات المعمرة الصالحة للأكل والخضروات المعمرة وأشجار الفاكهة، بحيث يتم شغل كل شبر من تربتنا بشكل دائم: أي أن تغطية كاملة للتربة ، والذي سيخفف من جهد إزالة الأعشاب الضارة، سيقلل بشكل كبير من السقي (توفير الوقت) مع زيادة الإنتاج بشكل ملحوظ.

باستخدام هذه المناهج البارعة نجحت عائلة أمريكية ، (Dervaes) ، في إنتاج 2.7 طن من الطعام سنويًا ، وتحويل حديقة مساحتها 370 مترًا مربعًا في منزلها تقع في ضواحي كاليفورنيا ، مزرعة حضرية صغيرة حقيقية وفعالة للغاية. أو مثال الفرنسي جوزيف شافري ، مؤلف كتاب بعنوان “حديقتي الصغيرة في الزراعة الدائمة” ، الذي كان قادرًا على ضمان اكتفائه الذاتي من الفاكهة والخضروات من خلال حصاد ما لا يقل عن 300 كيلوغرام من الخضار سنويًا في حديقته الصغيرة.

تدوير الأشياء المهملة وتثمينها

يجب أن تدرس بعناية أي نفايات تغادر منزلك، فمن الممكن أنها تتوفر على حياة ثانية. إذا كانت عضوية، فستعود إلى الأرض من خلال التسميد. بالنسبة لمدينة مثل وهران، التي يبلغ عدد سكانها 1345000 نسمة، فإن حجم النفايات العضوية الدومستية/المنزلية التي يعاد تدويرها يستحق الاهتمام. وفقًا لبعض المصادر، تجمع المدينة حوالي 600 طن من النفايات العضوية سنويًا. إذا تم استرجاعها وتحويلها من قبل السكان، يمكن أن تنتج هذه المادة الحية حوالي 60 طنًا من تربة التأصيص (terreau)3، والتي يمكن أن تكون بمثابة ركيزة عالية الجودة لزراعة الفواكه والخضروات الجيدة في البيئة الحضرية. الأغذية التي يمكن نوفرها دون الذهاب إلى السوق، وفي الوقت نفسه، هذا المنهج يسمح للمدينة أن تقلص من إحراق كمية الوقود، وبالتالي تخفيض آثار الكربون. وهو عنصر يشغل عدة الوظائف.

وينطبق الشيء نفسه على النفايات الأخرى، مثل المنصات الخشبية، التي يمكن تحويلها إلى أرضية للزراعة، القوارير والعلب البلاستيكية، والتي يمكن استخدامها كأصص استزراع وما إلى ذلك. الحد الوحيد في منطق التحول هذا هو خيالنا. لا شيء يتخلق، لا شيء يضيع، كل شيء يتحور.

التقاط الطاقة وتخزينها

ستكون مدن المستقبل مسؤولة على صعيد النسق الأيكو طاقوي أو لن تكون. أصبح العبور من الوقود الأحفوري إلى الطاقات المتجددة ضرورة حتمية للعديد من البلدان المتقدمة. إن انتقالهم الأيكولوجي قيد الفعل: استغلال الرياح، الشمس، الماء، الطاقة الحرارية الأرضية، يستخدمون الوسائل اللازمة للتحرر من تبعيتهم للبلدان المنتجة للنفط (بشكل رئيسي بلدان الجنوب) وضمان سيادة الطاقة، في نفس الوقت يفكرون في سيادتهم الغذائية.

يجب على الجزائر أن تدرس هذه القضايا المستقبلية بجدية شديدة ، لأن البلاد لا يمكنها الاعتماد على موارد الوقود الأحفوري إلى أجل غير مسمى.

تعد الصين بالتأكيد واحدة من أكثر البلدان جشعًا في استهلاك المحروقات، مما يجعلها واحدة من أكبر الملوثات في العالم ، ولكنها أيضًا البلد الذي يستثمر أكبر قدر من المال في البحث عن مصادر جديدة الطاقة النظيفة.

بادئ ذي بدء، لقد بات تقليل استهلاكنا للطاقة أمرا ملحا واستعجاليا. ينبغي تبني هذه المبادرة من قبل المجتمع المدني؛ لا يجب أن ننتظر الدولة، فهذه الأخيرة في النهاية ستقبل بالمبادرة إذا حققت نجاحا. يمكن أن تكون وهران نقطة البداية لهذه الحركة المُواطِن (mouvement citoyen). يتعلق الأمر في البداية، باجتهادات يومية صغيرة، والتي، بحكم تراكمها التدريجي، ستوفر لنا الكثير من الجول (Joule)4. على سبيل المثال، خذ وسائل النقل العمومي بدلاً من سيارتك الخاصة؛ تنقّل عبر قدميك؛ فرز انتقائي قم بعزل منزلك بشكل صحيح بمواد قابلة للتحلل، مثل القنب؛ قم بتركيب الألواح الضوئية الصغيرة(photovoltaïques)، والتي هي أكثر جمالية ومفيدة للغاية من أطباق البارابول البشعة التي تشوه واجهات المبنى لدينا، من أجل أن تنتج جزء من الكهرباء (لسبب قوي في مدينة كوهران التي تنعم، أغلب أيام العام، بضوء الشمس) وبالتالي يقل نشاط توربينات السونالغاز، مما يقلل من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري؛ قم بزراعة الأشجار حيثما وجدت سبيلا، حتى تساهم في تصفية الهواء الذي نتنفسه، وفي لطافة المناخ، وتحسين مساراتنا وفضاءاتنا الحضرية كأمكنة للنزهة والتجول كما كانت من قبل مفعمة برائحة النارانج والياسمين ..،.

تدبير المياه، أولوية أخرى، في مدينة رائدة في الزراعة الحضرية مثل نيويورك، توجد مزرعة على سطوح بروكلين نافي يارد (Brooklyn Navy Yard). تغطي مساحة 6000 متر مربع، هذه المزرعة المعلقة تربح مليون غالون من مياه الأمطار سنويًا، أو 4 ملايين لتر من مياه الأمطار. استفادت من منحة بملايين الدولارات من إدارة حماية البيئة لهذه الخدمة الخاصة بمدينة نيويورك في معالجة مياه الصرف الصحي.

لطالما اشتهرت وهران بمشكلة ندرة المياه. مناخها  من الصنف الميديتيراني شبه الجاف (CSA) وفقًا لتصنيف كوبن – جيجر. يبلغ متوسط هطول الأمطار السنوي 376 ملم. بالإضافة إلى ذلك، تحتوي المدينة على 8.800 هكتار من البنايات، وفق المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير (PDAU).

إذا ما قررت أقسام الهندسة في وهران، على غرار مزرعة بروكلين نافي يارد في نيويورك،  أن تستخدم الأسطح لجمع مياه الأمطار، فكم لترًا ستلتقطه؟ دعونا نجري الحسابات: 8.800 (× 10.000 م 2) × 376 (× 10 لتر) = 330.880.000.000 لتر من الماء، أي ما يعادل 132.352.000 حوض سباحة أولمبي.

إنه الطوفان؛ ما يكفي لتحويل مساحة شاسعة من القفار إلى جنة! والأكثر إثارة للاهتمام هو أن الاستثمار الذي يجب القيام به لمثل هذه العملية يجب ألا يكون مفرطًا: يكفي تركيب نسق مزاريب ينقل المياه المحصل عليها إلى الخَزّانات حيث أحواض التخزين وهكذا. وبالتالي سيكون لدى المدينة وسكانها مخزون ضخم من المياه التي يمكن استخدامها، بعد المعالجة، لري المساحات الخضراء والبساتين الحضرية، والاستغلال المنزلي، وإنشاء نوافير في الأحياء، إلخ. .

ستوفر المدينة، مثل نيويورك، احتياطات من معالجة مياه الصرف الصحي، وربما ستستغني في النهاية عن محطات تحلية مياه البحر، التي تعمل بالغاز الطبيعي . مرة أخرى، عنصر واحد، ينطوي على عدة وظائف.

إنشاء الرابط الاجتماعي وصيانته

إنه بلا شك العنصر المركزي في الزراعة الحضرية المستدامة، حيث يدور كل شيء حوله وبدونه لن يعمل أي نسق على المدى الطويل. لأنه ينطوي على العنصر البشري. يمكن لهذا الأخير، في السياق (الحضري) للمشروع الاجتماعي، أن يتجلى كمحرك لفعل منسق وإلا كان الكابح الذي يمنع تحقيقه. لهذا السبب كان من الأهمية الشروع في الفعل.

وبعبارة أخرى، يجب أن نعرف كيف نعطي المثال ونثير رغبة الآخرين في ممارسة نفس الشيء. كم يوجد في وهران من “المساحات الخضراء” عند سفح المباني، التي لم تعد تصلح لأي شيء، سوى كمفرغات مفتوحة في أغلب الأحيان؟ كم عدد الشرفات الخالية من أصص الأزهار، شرفات شبيهة بقضبان السجن، وقد تآكلت بفعل الصدأ؟ ليس الأمر صعبًا، يحتاج الأمر فقط إلى القليل من الشجاعة وحسن الإرادة، ليقرر الرجل أو المرأة يومًا ما أن يعالج هذه التربة عند سفح المبنى لزرع بعض البذور. مبادرة لا تكلف الكثير، أن تقدم لأمك أو لزوجتك أو لوالدك أصّ زهور أو أي نبتة عطرية أو طبية لوضعه على الشرفة. بمرور الوقت، ستنمو البذور المزروعة وستصبح خضراء يانعة، وهكذا سيدعو أص الزهور أو البقدونس أصص أخرى وسيتغير لون الشرفة. مع مرور الوقت ، سيصبح العمل الفردي عملًا جماعيًا وسيصبح المربع الأخضر حديقة نباتية مشتركة.

ستصبح الظاهرة مثيرة وستنتقل العدى إلى الناس (ليست عدوى كورونا، بل عدوى إنشاء الحدائق على السطوح وعلى الشرفات ومساحات الأحياء)، سيقلدك الآخرون. سيجد المتقاعدون القدامى مكانًا للاسترخاء، وللاجتماع في الهواء الطلق، سيكونون هناك أفضل من المقاهي؛ سيشعرون بالرضا وسينخرطون في الحفاظ على البيئة. سيجد الشيوخ والشباب، الأطفال والراشدين من نساء ورجال، سيجدون عملا مشتركا نافعا وممتعا، وستتغير سلوكات الناس بالتدريج وتسود ثقافة الإبداع والتسامح والسلم والتنمية.

(1)المارتينغال، تقنية هدفها (غالبًا ما يكون وهميًا) هو زيادة فرص الفوز في ألعاب الحظ مع احترام قواعد اللعبة.

(2)الفُغارة نسق تقليدي للري في الصحراء الجزائرية

(3) تربة التأصيص هي سند طبيعي يتكون من التربة النباتية المخصبة بمنتجات التحلل (السماد وبقايا النبات المتحلل) التي توفر المواد العضوية. يتم استخدامها لزراعة ما يحتاجه البستان أو المطبخ.

(4) في الفيزياء والكيمياء هي وحدة قياس الطاقة وأطلق عليها جول تكريمًا للعالمِ جيمس بريسكوت جول لاكتشافه العلاقة بين الشغل المبذول والطاقة الناتجة.

شاهد أيضاً

الفيزياء الصوفية: شعر ابن الفارض أنموذجاً

سمر الديوب “كانت هناك امرأة شابة يسمونها المتألقة كان في إمكانها أن تسافر أسرع من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *