الرئيسية / خبر رئيسي /  مالك بن نبي: قراءة في السيرة وفي المشروع

 مالك بن نبي: قراءة في السيرة وفي المشروع

سعيد هادف:

شرع مالك بن نبي في إصدار كتبه بعد أن مرّ بعدد من التجارب وفي مرحلة كان فيها في كامل نضجه؛ قرأ الفكر الغربي وحاول فهم عصره وعمل بشكل نسقي على تبليغ رؤيته إلى محيطه الجزائري والإسلامي. عندما أصدر  كتابه الأول “الظاهرة القرآنية” عام 1947، كان قد تجاوز الأربعين عاما، وظلت أغلب كتبه تحمل عناوين تترجم نزوعه الأيديولوجي الإسلامي. حدث ذلك في سياق تاريخي كانت فيه البشرية قد قطعت شوطا عسيرا من أشواط أزمنتها الحديثة، وهي تحاول الخروج من البراديغما الأيديولوجية في شقها الكنسي إلى براديغماها المدنية؛ وفي غمار صراع البراديغما الجديدة مع الأيديولوجيات الإثنية الدينية واللادينية، ترتب عن ذلك أحداث مأساوية وتحولات عميقة: حربان مدمرتان وسقوط إمبراطوريات وتشكل كيانات سياسية جديدة وقوانين ومؤسسات أممية، ونظريات في شتى الحقول العلمية. تزامن صدور كتابه “الظاهرة القرآنية”، مع صدور كتاب “هذي هي الأغلال” للمفكر السعودي عبد الله القصيمي الذي يوصف بأب التنوير العربي، وإذا كانت المعطيات تشير إلى امتداح بن نبي للوهابية فلا نعرف إن كان قرأ كتابات القصيمي وهو الوهابي الذي أصبح منذ 1946 أكثر نقدا للفكر الوهابي. وعاصر بن نبي أهم المحطات المؤسسة للتاريخ الجزائري ومحيطه الأممي. عاش خيبات وإخفاقات في علاقته بفرنسا الرسمية وبجبهة التحرير ثم في علاقته بالجزائر الرسمية زمن الاستقلال، خيبات كان لها وَقْعٌ على نفسيته فانعكست على أفكاره.

 هناك أطروحتان حول المشروع البنابي: أطروحة ترى أنه مفكر وفيلسوف فهم عصره وأحدث نقلة نوعية في الفكر الإسلامي الحديث، وأسس مفاهيم ومصطلحات فكرية وفلسفية غير مسبوقة، وأبدع أفكارا عظيمة، وأصحاب هذه الأطروحة، من قوميين وإسلاميين، أطلقوا عليه عدة ألقاب منها “فيلسوف العصر” و”فقيه الحضارة” و”منظر النهضة الإسلامية، واتخذوا من أعماله مصدر إلهام لأفكارهم وحججهم؛ وأطروحة ترى أنه أسس مشروعه على خلفية أيديولوجية مغلفة بالعلم، ولأن الأيديولوجيا ليست سوى وعي زائف فهي حمالة أوجه، فوقع له ما وقع لغيره من رجال الفكر المؤدلجين، ففي الوقت الذي جعل من الإسلام أساسا أيديولوجيا لمشروعه الفكري وقف موقفا مختلفا من المشاريع الأخرى التي جعلت هي أيضا من الإسلام خلفيتها الأيديولوجية، وترى هذه الأطروحة أن أفكاره انتصرت بشكل أو بآخر للقيم العنصرية المعادية للثقافة الغربية والمتحفظة من حرية المرأة. هل ثمة أطروحة ثالثة أكثر علمية يمكن التعويل عليها في فهم المشروع البنابي، ومن ثمة فهم قصوره أو قصور محيطه السياسي والفكري؟ بوصفه، بشكل من الأشكال، مصدرا للسياسات التي أشرفت على تدبير شئون الشعوب المغاربية، وإن نضج تلك السياسات من نضج ذلك الفكر، وقصورها من قصوره. وأشكر الأساتذة الأفاضل على مساهمتهم في هذا الملف، أملا في إثارة نقاش علمي ومساءلة إرثنا الفكري المغاربي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بوذن يوسف: مالك بن نبي، اختبارُ الشهادة والقربان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في دراسته المسهبة (مالك بن نبي: اختبارُ الشهادة والقربان)، استثمر الباحث يوسف بوذن قراءاته المتنوعة في الحقول المعرفية، معتمدا مقاربة متعددة المناهج بهدف الكشف عن البراديغما التي أنتجت “الشهادة”. ونظرا لطول هذه الدراسة، حاولت قدر الإمكان، بموافقة الكاتب، أن أنتخب بعض الفقرات وإعادة بنائها في مقال يختزل أهم الرؤى والأفكار التي تضمنتها الدراسة (سعيد هادف).

يستهل الكاتب دراسته بمقدمة إشكالية، يؤكد فيها أن موضوع الشهادة يكتسي “أهمية معرفية بالغة. ولا تقتصر علاقاته على الجانب القانوني فحسب وإنما يتصل بعدة حقول معرفية نظرا للرهانات المتعلقة به، سواء على مستوى الحجاج الجماعي، خاصة بعد ظهور مراجعات تاريخية تقترح سرديات مغايرة وتُعيد النظر في التاريخ الرسمي. أو على المستوى الفردي، للكشف عن مسارات الذات وقيمها والتزاماتها. أما عندما ترتقي الكتابة إلى مقام الشهادة فإنها تصبح معيارا في النظر، وتُكتب حينئذ: الكتابة-الشهادة”. كما تناول راهنية الشهادة.

وبعد كشفه عن السؤال الذي تأسست عليه الدراسة: ماهي دلالات الوعد الذي قطعه مالك بن نبي على نفسه بالعودة بعد ثلاثين سنة، هل كان مجرد انزياح سردي، أم أن قارئا مُختلفا كان يتبرعم في كتاباته، وتطلّب شروطا معرفية لم تكن جاهزة في حينها؟ انتقل إلى فرضيات الدراسة وهدفها، “تهدف الدراسة إلى المساهمة في فهم ما يُمثّله مالك بن نبي، بعد فشل “مقاربات الشرح” في الإجابة، لافتقارها إلى نماذج في التحليل، فأعْدت أفكاره بداء التشيؤ (réification). يبدو هذا جليا في أوساط الخطاب الإسلامي الذي اطمأن – فيما يبدو- إلى سردية التفادي، وارتسمت في أفق حركته خطوات إنسان من طابقين: طابق أرضي يستولي عليه التراث الخام، وطابق علوي تُستعمل فيه الأفكار الحديثة – كما هي أفكار بن نبي- للتبرير، وبينهما برزخ لا يبغيان”!

في الخاتمة، يقول الكاتب: “أظهرت الدراسة أن تشكيلة الشهادة عند مالك بن نبي نابعة من تكوينه الفكري الذي ينزع إلى النمذجة للتحكم في الوقائع المُركبة. وتقوم على انزياح خطابي حيوي نظرا لطبيعة الأسئلة التي طرحها، ومواضيع القيمة التي ربط بها أفق القارئ.  كما أن البنينة الخطابية المقترحة تعمدت النأي عن المنحى الخطي الذي ميّز أفق الكتابة التقليدية والتجذر في كتابة نسقية مُكثّفة لم تفقدها الإكراهات نبرتها وقصديتها. اعتمدت على الاشتباك النقدي مع نصوص الفكر الغربي فتأثرت بمنهجيتها الصارمة وجماليتها الفائقة وقدرتها على بناء مواضيعها المعرفية. كانت عملية تفاوضية شاقة لانتزاع المستقبل من كوامن الذات وهوامش العالم. ولعله مشروع الحضور الممتنع عن إنسان “ما بعد الموحدين” إلى أن يُركّب عينا تُؤمّن له مسار سردية مفتوحة، لا “يعود إلى” وإنما «يذهب إلى ما لم يوجد بعد”. لقد أنجز بشهادته الثمينة حبكة مُغامِرة، مُتطلّبة ومزعجة لطمأنينة الهوية المطابقة. كانت نصوصه تدبيرا لغربة أهّلته لأن يصير قربانا، النهاية الطقسية لكل من يحاول، في سياق التشيؤ النفسي والتكديس الاجتماعي والصنمية السياسية، تشريح الأزمة وتحديد العلة. ماذا تبقى من جسده الفكري في سياق الإمبراطورية؟ لعله حسه النقدي وشذراته المُلهمة عن الفعل الخلاّق الذي يستعجل الحدث العظيم ليطلق شرارة الروح في المجتمعات ويؤسس وسطها الحضاري.

على المستوى المنهجي، “تعتمد الدراسة أساسا، وفق الكاتب، على ما أنجزته نظرية “التلقي والتأثير”. “إلى جانب هذا، يضيف، تتقرب الدراسة من اللغة الواصفة للسيميائية، كما أنها تستثمر مفهوم الهوية السردية. وتحت عوان: سياقات العودة أو معنى المرحلة، تناولت الدراسة السياقين: العالمي بمجموع التحولات الكونية المترابطة التي أدت بتدفقاتها وآنيتها إلى تقلص الزمن والمكان، وسيادة النسبية الشاملة بديلا عن السرديات الكبرى والمثل العليا التي كان قد درج عليها خطاب الحداثة،  والإسلامي الذي ارتبط بالانفجار الكبير الذي أحدثه “الربيع العربي” في السياسة والثقافة والاجتماع.

أما بخصوص “الملمح العام للتجربة”،  ولاعتبارات أولية،  بحث الكاتب في مفهوم المثقف “العربي” وفي دوره، انطلاقا من مقاربة محمد عابد الجابري، واعتراف هذا الأخير “بوجود فراغ مرجعي عند تناوله لمسألة المثقفين في الحضارة العربية”، وعدم اعتباره للسياق الجديد الذي أحرز فيه المثقف سلطة رمزية، واستئناسا بنظرة علي أومليل إلى المثقف بوصفه ذلك الكاتب الحديث الواعي بجدة العصر، والمؤمن بالتقدم.

تحت عنوان: التشكيلة الخاصة للشهادة: أفق القارئ الضمني وفضاءات الإدراك، إن “الشهادة، يقول الكاتب، مُساءلة للتجربة لأنها ترفض غلق الماضي على رواية الأمر الواقع. وهي مخاطرة بالمصداقية لأنها عرضة للخطأ أو التلاعب”. وإذ يستعرض جملة من المقولات والتعريفات والتأملات حول الشهادة والشاهد والشهيد، وعلاقة ذلك بـ”الحقيقة” موضوع التنازع، يؤكد على “القيمة الأخلاقية للشهادة في دعوة مالك بن نبي قبيل الاستقلال (11 فيفري 1962) إلى فتح تحقيق شامل حول إدارة الثورة من الناحية السياسية والعسكرية والمالية، وتبنّيه أسلوب المرافعة الصريحة في “شهادة من أجل مليون شهيد”، وتوسله للكتابة الحادة أسلوبا لمقاومة “مناورات «الزعماء» السياسية التي كانت-حسب رأيه- تبديدا لمجهود الشعب الجزائري التحرري، وتحريفا لوجهته، الأمر الذي يؤدي إلى تقويض أسس البناء الجديد بعد الاستقلال”. وفي هذا السياق، يضيف الكاتب “يلجأ مالك بن نبي في مذكرات «العفن» إلى ما يضمن نزاهة شهادته وموضوعيتها وجدواها” ويُبرز “الجانب النضالي للشهادة الجماعية  ويربطها بالدور الذي حدده القرآن الكريم للأمة الإسلامية: ثم يواجه المتلقي بسؤال مُحرج، قريب من التهمة: “هل المجموعة الإسلامية مؤهلة لأداء على نحو ملائم، دور الشاهد والفاعل في مأساة الحضارة الإنسانية”؟ عندما لاحظ أن أحداث التاريخ المتسارعة قد فرضت تركيزا للقوة، دون أن يكون لهذه المجموعة أي دور فيها، الأمر الذي قد يؤدي إلى اندفاع عشوائي نحو ثورة تأتيه من الخارج أي “ثورة لن يكون في مقدوره التحكم فيها”. غير أنه قبل أن يلعب أي دور رسولي، لا بد أن يتمتع ببصر نسقي وأن يمتلك مكانا ونظرة شاملة (panoptique).

وفق الكاتب، ومن وضعيته كقارئ، يرى أن مالك بن نبي قام “بتغريبنا و إبعادنا عن عادات التفكير المكرّر”، حيث يظهر أثر الترييض (Mathématisation) والمَوْدلة  (modélisation) الذين استندت عليهما التقاليد الفكرية الغربية. ويضيف الكاتب: يقدم لنا مالك بن نبي عرضا مُغامرا ويدعونا إلى اعتماد الحيل الذكية للاستفادة من كمونات الوضع، والإبحار(surfer) حسب الموجة التي تدفعنا أكثر نحو الامام.

 يضع مالك بن نبي شروطا للشاهد للتحقّق من قيمة شهادته: الحضور في عالم الآخرين، والاتصال بأكبر عدد من الذوات البشرية ومشاكلها، واحتضان الأمكنة البعيدة لتحتضن الشهادة أقصى كم ممكن من الوقائع والأحداث والتأثير على الأشياء وعلى أعمال الآخرين.

لا يخشى مالك بن نبي من ضياع هويته وهوية النص، وفق الكاتب، “يبدو التعالق جليا في كتابه “وجهة العالم الإسلامي” الذي استند فيه على ما جاء في كتاب “الاتجاهات الحديثة في الفكر الإسلامي” للمستشرق الإنكليزي هاملتون جب، وعدّه مرشدا ثمينا لكتابه “لدراسة الأمراض «شبه الصبيانية» في العالم الإسلامي”. تبقى هذه الاستراتيجيا حيوية في نصوصه لكونها ممارسة مغامرة، تقاوم المركزية الغربية وتحفز النقد الذاتي لتبني وعيا تاريخيا قائما على الإشكاليات السياقية”.  يتعلق الأمر، من منظور الكاتب، بإقحام الآخر في الذات وحملها على التفاعل مع ذاتها. “ولعلها المسافة الخطابية – الجمالية في الأساس- التي أرساها مالك بن نبي في جميع نصوصه لتحدي القارئ في تجربته المألوفة وتحريضه على (إزالة الأنقاض قبل البدء في عملية البنا، مالك بن نبي،56،1986)”. وترتكز هذه المسافة على عاملين أساسيين: ربط أفق القارئ بموضوع قيمة غير معهود: الحضارة، واستعمال لغة لاذعة، مكثّفة و موجِّهة.

يستشهد الكاتب بما أشار إليه بن نبي إلى مظهر من مظاهر التفاوض الخاوي عند استعمال الآيات القرآنية في المدرسة الكلاسيكية وانعدام الفعالية بالنسبة للمشكلة الأساسية للوعي، للروح، أي للطبيعة الإنسانية في عمقها الكامل.

وإذ ينتمي مالك بن نبي إلى أفق المدينة الحديثة، وفق الكاتب، أي إلى براديغما الكل التي تفسر تصميمها ونسيجها الواقعي، يعبر عن هذا الانتماء بقوله “سيكون من الضروري أن نجد في شوارعنا وفي مقاهينا نفس النغمة الجمالية التي يجب على المخرج أن يضعها في مشهد سينمائي أو مسرحي. موقفه من الدين ودوره في الحضارة يتماهى مع موقف ابن خلدون من الدين ودوره في الدولة موقفه من الدين ودوره في الحضارة يتماهى مع موقف ابن خلدون من الدين ودوره في الدولة

بين مالك بن نبي وابن خلدون، يرى الكاتب “أن موقفه من الدين ودوره في الحضارة يتماهى مع موقف ابن خلدون من الدين ودوره في الدولة”، بناء على أن الأفق الحضاري الذي كان يعيش فيه ابن خلدون في رأي ابن نبي، لم يُتح له أن يصوغ قانون الدورة التاريخية فاقتصر على ناتج معين من منتوجات الحضارة وهو الدولة.  يتكئ مالك بن نبي على هذه المُسلمة التاريخية ليبني فكرته عن الدورة الحضارية. يقوم الدين، حسب مالك بن نبي، بأدوار تلخصها المعادلة الدائرية التالية:

فالدافعية تحفز الإرادة، تركب رساميل المجتمع المبعثرة وتجمع أفراده حول رجاء يجمع بين الأمل البشري والغائية الروحية التي تعطي للحياة معنى متعاليا. ولتحقيق هذا الامتحان التأهيلي، يتبنى مالك بن نبي موقفا جذريا من التاريخ الإسلامي فيقول: “ولا يكفي أن نعلن عن قدسية القيم الإسلامية، بل علينا أن نزودها بما يجعلها قادرة على مواجهة روح العصر، وليس المقصود ان نقدم تنازلات إلى الدنيوي على حساب المقدس، ولكن أن نحرر هذا الأخير من بعض الغرور الإكتفائي والذي قد يقضي عليه. بكلمة واحدة، ينبغي العودة ببساطة إلى روح الإسلام نفسها”.

يقاوم مالك بن نبي هذه الإمكانية المضمرة بالإلحاح على ضرورة الخروج من التفكير الديني البحت الذي يحجب رهانات الواقع، والالتزام بالصرامة المنهجية التي يجب أن تؤطر الفعل وتمنعه من تدنيس التاريخ. وعند محاولته الإجابة على التحدي الذي يطرحه أفق الحضارة الغربية على فكرة “الدورة”، لا يتأخر عن الاعتراف بصعوبة التوفيق بين فكرة الدورة وظاهرة حضارية حديثة يغطي مداها مساحة الأرض بأكملها. لسبب مؤلم حقا هو أن علاقات القوة الحالية فرضت عليهم، وإلى الأبد، البقاء في المكان الذي حُدّد لهم.

تروي سيرة مالك بن نبي كما جاءت في مذكراته، قصة الفكرة الباحثة عن اعتراف مستحيل. إلا أن غربته سعيدة بالأمل، مفعمة بالخلود، ولذلك جاءت كتابته وعدا بالبقاء.

يُعبّر مالك بن نبي عن هذه الكينونة المُعلقة قائلا: “أشعر أنني هائم بلا وطن ولا مسكن. لقد شاء الله أن أولد متأخرا أو مبكرا جدا”.

في مقدمتها، تقترح «مذكرات شاهد القرن” على خيال القارئ مشهدا جماليا ينقل عبر فضائه وزمانه وشخصياته السياق الذي جعلها تقع بين يدي مالك بن نبي وهي لفائف تنتظر -بلهفة- قدرها في القراءة. لماذا لجأ مالك بن نبي إلى هذا التركيب السردي ليقدّم به ذاته، ثم كيف تنازل رمزيا عن موقع المؤلف وهو الشخصية المدربة على الجرأة وتأكيد الذات؟ لماذا فضل الغياب في لحظة تستدعي الحضور؟ لماذا خاطب القارئ من وراء حجاب؟:

لا يكتشف القارئ المتمرس ” لعبة” العتبة إلا عندما ينتهي من قراءة المذكرات، فتستولي عليه حينئذ أسئلة عديدة، تشتبك مع تفاصيل التجربة المؤثرة والفائضة بالدلالات.

فضل مالك بن نبي الانسحاب الشخصي، والتأخر قليلا عن كتابتها، ونسْبها لإنسان ما. فهو ليس أصل النصوص بل الوسيط الأمين الذي يتكفل بنشرها.

ربط مالك بن نبي حضوره في العالم بالسرد ليستوعب المعاناة التي طبعت حياته، وليعيد بناء هويته المشتتة بالتقصي الضاري عن روح مدينة فقدت سرها.

فمن حق المتلقي أن يعرف ما الذي حدث ليفهم الأفق التاريخي الذي تتكلم منه النصوص، وليحافظ على تماسك زمنيته (temporalité) في أفق تاريخي لاحق.

في ضوء مفهوم «الهوية السردية» (بول ريكور): الهوية كمطابقة (la mêmeté) ، والهوية كذاتية (l’ipséité) . من خلالهما، تبدو الهوية الشخصية المكان المناسب للمواجهة بين هذين الاستعمالين للهوية اللذين يعبران عن نوعين من البقاء في الزمن. يقرأ الدلالات المرتبطة بالمسارين:

المسار الفكري لمالك بن نبي (1947-1972) في سنده الذاتي حيث يلجأ إلى سردية كبرى، عابرة للزمن (القرآن الكريم)، في سياق الوجودية والعدمية بعد الحرب العالمية الثانية: أصر على إدراج القرآن الكريم في التاريخ بصفته نداء الحقيقة الكاملة (اختبار الخاتمية). ولكنه لا يطرح الأمر “من قبيل الاسترجاع وإنما من قبيل الدفع الروحي الجديد في واقع متغير جذريا وإنسان متحول”.

يرى الكاتب أن الحبكة الفكرية لهذا المسار تأسست على مناورتين: الأولى انطوت على تأسيس مرجعية إيديولوجية إسلامية، ودورها المتمثل في تأطير الطاقات المشاركة في مرحلة الثورة السياسية أو الصراع الاجتماعي. والثانية رسم فيها حدود المجال الذي تنطلق منه الفكرة. يمثل المجال «فضاء المعنى» الذي يتجاوز الجغرافية الإسلامية.

المسار الثاني، الموازي، وفق الكاتب، ارتبط بشبكة علاقاته السياسية، خاصة مع القيادات العربية آنذاك – لا تسمح نتائج الربيع العربي بذكر أسمائها الآن- لدفعها إلى تبني أفكاره كمرجعية نموذجية قادرة على تحرير الواقع العربي والإسلامي. 

اعتبر مالك بن نبي الاستقلال حدثا مفصليا في تاريخ المجتمع الجزائري. عاد من منفاه سنة 1963 ليواصل عمله على جبهة الصراع الإيديولوجي، ومقاومة المسارات السردية المنافسة، التيار اليساري على وجه الخصوص، وأطروحات المستشرقين.

وهكذا، يفتتح المسار بحدث مُؤسّس أدخل منظومة القيم الدائمة حيز التنفيذ، واختتمه بطوبي إيمانية تضع مثال “الأمة المُرشدة” على محك السيرورة العالمية، وبينهما الجهد المبذول في التاريخ لتحقيق هذا الوعد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

علاقة مالك بن نبي بقيادات الثورة الجزائرية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ارابح لونيسي، (جامعة وهران):لا يمكن لأي أكاديمي أن ينفي بأن مالك بن نبي من العقول الكبيرة التي أنجبها العالم الإسلامي المعاصر، ويمكن تشبيهه بابن خلدون العصر، ولا يمكن الإنتقاص من قيمة أفكاره الكبرى، خاصة بغوصه في عمق مشكلة الإنسان المسلم اليوم الذي يجب تحويله إلى إنسان فعال وتحريره من الأفكار المميتة التي سيطرت عليه منذ دخوله عصور الإنحطاط أو مايسميها بن نبي بأفكار”إنسان مابعد الموحدين”، وكذلك فكرته القائلة بأن مشكلتنا هي حضارية، وليست دينية، كما يركز على ضرورة الإستثمار في بناء الإنسان الفعال  كما فعلت مثلا اليابان وألمانيا الذي يأخذهما دائما كنماذج، لكن السؤال المطروح لماذا لم نجد له أي دور في الثورة الجزائرية ؟.

أجاب بن نبي في العديد من كتاباته عن هذا السؤال بالقول أنه انتقل إلى القاهرة، وما فتئ يعرض نفسه على قيادات الثورة، لكنه وجد رفضا له لدرجة تحوله كرد فعل عاطفي وانفعالي منه إلى خصم لدود لأغلب هذه القيادات، ولم ينج أغلبها إن لم نقل كلها من إنتقاداته والتهجم عليها، وهو ما لا يجب أن يقع فيه مفكر كبير مثله، لكن للأسف لكل إنسان نقاط قوته ونقاط ضعفه، فالأنبياء والرسل فقط هم المعصومون من الخطأ وسوء التقدير.

ولفهم أسباب ذلك علينا قراءة بن نبي جيدا، فهو لم يهتم بالقضية الجزائرية منذ بدايات كتاباته، وإن تطرق إليها ففي إطار أمثلة قريبة منه، لأنه يضعها في إطار ما يسميه “مشكلة حضارية”،  تخص الحضارة الإسلامية كلها.

فقد تعرض بن نبي لغضب شديد من بعض الوطنيين الإستقلاليين بعد طرحه فكرة القابلية للإستعمار التي أسيء فهمها، وتم تأويلها أنها إستسلام منه لهذا الإستعمار، وهي مأساة المثقفين الصادحين لشعوبهم بالحقيقة، الذين عادة ما تُؤَوّل مقولاتهم سلبيا بالرغم أنهم لم يقصدوا ذلك إطلاقا، فبن نبي في الحقيقة نظر إلى عمق المسألة، وهي تحرير الإنسان من الداخل وإخراجه من السلبية، وما يسميه ب”ذهان السهولة” وأخْذ مصيره بيده بالفعل وليس بالمطالبة.

لكن نعتقد أن أسباب رفضه من القيادات أعمق من ذلك بكثير، فليس فقط لأنه مثقف سيحرص على إستقلاليته، مما يمس بالإنضباط الذي يعد شرطا أساسيا لنجاح أي ثورة، لكن السبب أنه غير حركي وعملي مثل الكثير من المثقفين التنظيريين، كما خشيت القيادة من سعيه للسيطرة عليها، فبن نبي طموح جدا ليس إلى القيادة المباشرة، بل للتحول إلى المُنظّر والمُوجّه، وكان مهووسا بوضع أفكاره موضع التنفيذ لدرجة أنه كان يقترب من أي سلطة تحقق له هذا الهدف، فمثلا لم يعد إلى الجزائر مباشرة بعد إسترجاع الإستقلال، وفضل البقاء في ليبيا لعل نظام الملك السنوسي يعطي له فرصة لتنفيذ أفكاره، وبعد عودته إلى الجزائر في1963 تقرب من نظام بن بلة طمعا في هذا الهدف لدرجة تشويهه خصوم بن بلة شهداء وأحياء لإرضائه ليس طمعا في السلطة، بل رغبة منه في إيجاد أرضية لتنفيذ  أفكاره على أرض الواقع، فهو مهموم بذلك.

ويبدو أن قيادة الثورة تعرف نفسيته جيدا، فهذه القيادة كانت تسعى  لجمع الأمة الجزائرية كلها لمواجهة الإستعمار- حسب طرح عبان رمضان- دون إثارة الإختلافات الأيديولوجية والطبقية والثقافية وغيرها، أي تكوين”الكتلة التاريخية”-حسب تعبير محمد عابد الجابري اليوم-، لكن بن نبي أقل حركية وكثير التنظير، فخشيت القيادات من إثارته للمسائل الفكرية والأيديولوجية، مما يمكن أن يؤثر سلبا على تماسك الثورة ووحدتها.

يبدو أن قيادات الثورة كانت ترى أن بن نبي لن يقدم لها شيئا إيجابيا بحكم إعتقادها، وأؤكد على إعتقادها، بأن الخطاب الديني يغلب عليه نوعا ما حتى ولو أخذ طابعا حديثا، خاصة أن بن نبي أول كتاب ألفه هو حول القرآن الكريم بعنوان “الظاهرة القرآنية” مما يعطي إنطباعا لمن لايعرفه جيدا ويقرأ كتاباته بأن المسائل الدينية هي إهتماماته، لكن ما يجب أن نعلمه ان أغلب قيادات الثورة الجزائرية ذوي ميولات يسارية، ولا ننسى أن جذور جبهة التحرير الوطني الجزائري التي اشعلت فتيل الثورة تمتد إلى نجم شمال أفريقيا الذي أسسه مهاجرون جزائريون في فرنسا متأثرين بالأفكار الأوروبية، خاصة اليسارية منها، وأكثر من 90% من مناضلي النجم ينحدرون من منطقة القبائل، فمثلا بن بلة كانت أفكاره لا تختلف إطلاقا عن بوضياف أو آيت أحمد وغيرهم قبل أن يتأثر بالأيديولوجية العروبية لعبد الناصر، وكي نأخذ فكرة عن هذه القيادات نشير مثلا إلى بن بلة ذاته الذي آخذ عبان رمضان بعد إدخاله جمعية العلماء في الثورة في1956 بمقولة شهيرة يعرفها الداني والقاصي، وهي منشورة ضمن الرسائل التي كانت بين القيادة في القاهرة والجزائر منتقدا خطوة عبان المتفتح على الجميع بما فيهم العلماء قائلا عنه “لم يبق له- أي عبان رمضان- إلا إدخال هؤلاء المعممين-أي العلماء- إلى الثورة”، وهو الذي سيظهر فيما بعد في سلوكات بن بلة مع الشيخ البشير الإبراهيمي بعد1962.

فبناء على ذلك كله فإن قيادات الثورة الجزائرية كانت ترى أنه لو تحدث مثقف كبير وشهير كبن نبي عن الثورة بشكل رسمي، فبإمكانه القضاء على فكرة أساسية تستند عليها هذه الثورة وهي “أنها ثورة وطنية، وليست حربا دينية”، مما سيقلب الغرب والشرق الشيوعي ضدها، لأن هذه القيادة تعتقد أن بن نبي بخطابه الديني في نظرها سيضر بتدويل القضية الجزائرية، وبأنه لم يفهم إستراتيجية الثورة، فهي بقدر ما توظف الدين في الداخل كمحرك للجماهير فقط، خاصة الريفية منها إلا أنها توجه خطابا آخر إلى العالم بأقلام ولسان يساريين ومثقفين تقدميين، وهو ما لا يتماشى مع بن نبي الذي سيحصر في نظرها الثورة بخطابه داخل الفضاء الحضاري الإسلامي الذي هو أصلا مع هذه الثورة، لكنه فضاء ليس بيده مفاتيح السياسة الدولية، ولعل هذه القيادة كانت تجهل نوعا ما خطاب بن نبي الحضاري والإنساني، لأن بن نبي في الحقيقة  لم يحصر خطابه في مجال ديني إطلاقا، بل كان خطابه حضاريا وإنسانيا، ويستلهم من عدة ثقافات سواء كانت أوروبية أو إسلامية أو حتى هندية، فهو شديد التأثر بالماهاتما غاندي وفلسفته “اللاعنف”، كما كان متأثرا نسبيا بالتجربة الصينية بقيادة ماوتسي تونغ، خاصة تحريكه وتفعيله للإنسان الصيني آذاك.

لكن هناك سبب آخر جوهري وراء تردد قيادات الثورة تجاه مالك بن نبي، وتتمثل في وقوعه تحت تأثير النظام المصري، وهو ما تخشاه الثورة، ولم يكن تقربه من الأجهزة المصرية إلا بدافع إيجاد مكانة لتنفيذ أفكاره، إلا أنه بدل تحقيق هدفه أصبح ضحية لتلاعبات ومناورات المخابرات المصرية دون وعي منه، وهو الذي يعتقد بأنه أشد العارفين بالحروب الخفية، كما وظفه عبدالناصر لضرب الإخوان المسلمين، خاصة أنه كان في خلاف شديد مع منظر الإخوان آنذاك سيد قطب.

لكن الكثير لا يعلم أن بن نبي يظهر كأنه غير عارف تماما بمسار الثورة الجزائرية، وهذا لا يحسب عليه، لأنه ليس عيبا إن غابت أشياء عن أي مثقف مثله، ويبرز ذلك بجلاء في منشوره “شهادة لشعب المليون شهيد” الذي وزع أثناء أزمة صيف1962، وكأنه يبرء ذاته مما سيقع للجزائر مستقبلا، إلا أن كل ما ذكره  تبدو أنها تسريبات غير مباشرة من المخابرات المصرية مستغلة شهرته كمفكر يمكن أن يعطي مصداقية لما يقوله، وذلك خدمة لطرف ضد آخر اثناء الصراع حول السلطة في1962، وهذه المناورات المخابراتية المصرية وسعيها للسيطرة على الثورة أصبحت تفضح يوما بعد يوم، خاصة من فتحي الديب الذي وصفه المجاهد عبدالرحمن بروان المقرب من بوصوف في مذكراته ب”أنه من أشد الأعداء لكل ماهو جزائري” ( ص258-261(.

يلاحظ مثلا عند حديث بن نبي عن مؤتمر طرابلس1962 بأنه أنتقد الجميع بإستثناء الأطراف المدعومة من مصر عبدالناصر، كما يبدو بن نبي انه غير راض إن لم نقل معاد للقيادة الثلاثية التي أفرزتها الثورة في 1955 بعد المصاعب الكبرى التي واجهتها في بدايات إنطلاقاتها، وكانت تتكون هذه القيادة الثلاثية من كريم بلقاسم وعبان رمضان وعمر أوعمران، ثم إنضم إليهم العربي بن مهيدي بعد عودته من رحلته إلى القاهرة، أين اصطدم مع بن بلة بعد ما لاحظ محاولات مصرية للإستيلاء من خلاله –أي بن بلة-على الثورة الجزائرية والتدخل في كل قراراتها، وبسبب ذلك أصر  بن مهيدي على إضافة عبارة في أرٍضية الصومام تؤكد على إستقلالية الجزائر التام بالقول “أن الجزائر لن تكون تابعة لا لواشنطن ولاباريس ولاموسكو ولا القاهرة” التي أغضبت مصر عبد الناصر.

فقد كانت هذه القيادة الرباعية كريم بلقاسم وعبان رمضان والعربي بن مهيدي وعمر أوعمران وراء التحضير  لمؤتمر الصومام، فتمكنت من إنقاذ الثورة بإعادة تنظيمها وهيكلتها بعد ما غاب التنسيق بين المناطق وإنفصال بعضها عن بعض بفعل الحصار الإستعماري من قبل.

ويبدو أن بن نبي دخل في لعبة لم يفهم خيوطها، والمتمثلة في وقوف المخابرات المصرية وراء مناورات بن بلة- محساس لمواجهة مؤتمر الصومام وأرضيتها إلا لأنها أصرت على إستقلالية الجزائر وثورتها، وقالت أن الجزائر لن تكون تابعة لا للقاهرة ولا واشنطن ولاباريس ولاموسكو، وهو ما أغضب مصر عبدالناصر كثيرا، والأمر الأغرب تحميل بن نبي هذه القيادة الرباعية مسؤولية عدم إتخاذ إجراءات لمنع بناء خطي شال وموريس، فالخطان شُرٍع في بنائهما في نهاية 1957، وقد كانت قيادة أخرى جديدة أنبثقت عن مؤتمر القاهرة 1957 الذي أنقلب على القيادة المنبثقة عن الصومام بضغط مصري.

كما يقول بن نبي أيضا بان الثورة فقدت وهجها الذي كان حسبه بين 1954و1955 بعد مؤتمر الصومام ، فأي مهتم بتاريخ الثورة يعلم أن هذه المرحلة من أصعب مراحلها بحكم أنها الإنطلاقة، وأن هذا الوهج بشهادة الجميع كان بين 1956و1958، فقد انتظم الشعب وتهيكلت وتوسعت الثورة بشكل كبير لتشمل الجزائر كلها، بل بدأت تظهر أثناءها نواة لدولة جزائرية بمؤسسات عسكرية وسياسية، وعرفت هذه الفترة عدة إنتصارات على الصعيدين السياسي والعسكري، كما عرفت أيضا مشاكل لا يمكن إنكارها، وكذلك أخطاء جسيمة، فهذا أمر طبيعي، كما أنتقل العمل الثوري إلى المدن مثل معركة الجزائر، وذلك طبقا لمبدأ شهير لعبان يقول فيه “أن عملية واحدة في مدينة الجزائر أفضل من عدة عمليات في الجبال”، وذلك بسبب الصدى الإعلامي العالمي الذي تتركه تلك العمليات، فهدف الثورة سياسي، وما العمل العسكري إلا أداة ووسيلة ضغط بهدف التعريف بالقضية الجزائرية وإيصالها إلى المحافل الدولية والضغط على فرنسا للإعتراف بجبهة التحرير الوطني والتفاوض معها من أجل تحقيق الهدف الإستراتيجي الذي تحدد في وثيقتي بيان أول نوفمبر وأرضية الصومام التي تعد وثيقة تفسيرية وتفصيلية لبيان أول نوفمبر، ويتمثل هذا الهدف الإستراتيجي في “لا وقف لإطلاق النار إلا بعد الإعتراف الفرنسي بالسيادة الجزائرية التامة على كل التراب الوطني”.

وفي الأخير نقول  أن بن نبي كان يتألم بتفضيل قيادات الثورة للمثقفين اليساريين عليه وإعطائهم مساحة أكبر منه، ولهذا يتهجم بشكل غير مباشر مثلا عليهم، خاصة فرانز فانون، لكن لم يدرك أن ذلك أمر طبيعي، لأن أغلب قيادات الثورة ذوو ميولات يسارية، كما هي بحاجة إلى هؤلاء لإيصال صوت الثورة إلى العالمين الغربي والشرقي، ولكنه وقع في الفخ في رد فعله الإنفعالي، كما كان بن نبي مهموما  بنشر أفكاره بأي ثمن ودخول التاريخ مثل ماركس الذي مافتئ يكرر بن نبي في كتبه مسألة إنتشار أفكاره مثلا في أوروبا على عكسه هو، ويحمل بن نبي المسؤولية لوسطه الإجتماعي وللحرب التي شنها الإستعمار على أفكاره في إطار “الصراع الفكري في البلاد المستعمرة”، وفي بعض الأحيان يخفف آلامه بالعودة إلى أبن خلدون الذي لم تر أفكاره النور في العالم الإسلامي في حينها لأن الحضارة الإسلامية في إنحطاط، ثم عاد إلى الساحة بعد قرون على يد المستشرق  الفرنسي دوسلان، أنها أزمة الفكر والثقافة في العالم الإسلامي والتي تحتاج إلى مقالة أخرى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التراث والراهن فى فكر مالك بن نبي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منير بهادي (جامعة وهران): إذا كان من علامات إفلاس المجتمعات والأمم عدم الاستفادة مما تنتجه وتبدعه نخبها الفكرية والعلمية في حينه، فإن أكبر درجة التضخم فى الإفلاس عدم الاستفادة من درس الإبداع والتجديد لدى هذه النخبة والتعلق بأفكارها كحلول للمشاكل الراهنة بعد أن تحولت هذه الأفكار إلى تراث.

لا يمكن لأي باحث قرأ مؤلفات “بن نبي” أن لا يكتشف المفكر المبدع الذي قدم مشروعا فكريا يقترح حلولا ممكنة لمشكلات الحضارة فى وقته، لكن سؤال اليوم والذي يحاول الدارسون لــ “بن نبي ” جعله سؤالا هامشيا تماشيا مع روح التقليد والتمجيد التي كانت موضوعا أساسيا لنقد “بن نبي”: ما هي المفاهيم والأدوات والوسائل المعرفية والنظرية والمقترحات العملية التي يقدمها فكر “بن نبي” للأسئلة والمشاكل الراهنة للحضارة أم أن الزمن لا يزال متوقفا في أواخر الأربعينات والخمسينات والستينيات من القرن الماضي؟     

يبدو لي أن هناك الكثير من الأفكار التي طرحها “بن بني” تحتاج إلى التفكير بشكل متأن وهادئ حتى نميز بين الراهن والتراث فى فكر “بن نبي” انطلاقا من فهمه العميق لمفهوم ومعنى “روح الحضارة”  الذي يحتاج إلى مفاهيم فلسفة الحضارة لفهمه. ومن خلال التركيز على المناحي النقدية والإبداع المفاهيمي والحرية والاستقلالية التي تميزت بها شخصيته الفكرية يمكن الإجابة عن بعض مناحي هذا السؤال الذي نعتبر الإجابات عنه من طرف الباحثين والمثقفين ضرورة علمية ومنهجية  لعدم إعادة إنتاج الآليات الفكرية التي كانت موضوع نقد “بن نبي” .

الحوار النقدي المنتج:

تميز “مالك بن نبي” بالمناقشة النقدية الحوارية المنتجة لأطروحات المستشرقين كــــ”هاملتون جيب” الذي جعل من كتابه “الاتجاهات الحديثة في الفكر الإسلامي” أرضية للنقاش والحوار الفعال في مؤلفه ” وجهة العالم الإسلامي” قائلا “أن مواقف المؤلف الكبير يشبه في مواطن كثيرة موقفي … لقد آثرت أن أواصل طريقي متخذا منه سندا يؤيد رأيي، وهو سند له عندي وزن كبير”.(1)  كما أنه حدد  بدقة مواطن الاختلاف بينهما فى عدة مواقف أهمها المواقف القائمة على المركزية الأوربية: كوصف الفكر العربي بــ “الذرية” أي تجزئة القضايا الفكرية ومشكلات الحياة لعدم قدرته على التركيب والتعميم. اتجه “بن نبي” فى مناقشة هذا الطرح اتجاها تاريخيا، مبتعدا عن  أساليب العقل السجالي المهيمنة على الفكر الإسلامي حينذاك. كما أن العجز عن التعميم صفة خاصة بالعقل الإنساني عامة، قبل بلوغه درجة من التطور والنضج، وقد عرف الفكر الأوروبي قبل “ديكارت” والفكر الإسلامي بعد “ابن خلدون” هذه الصفة. وما يؤكد هذا الطرح في نظر “بن نبي” حضور العقل بمواصفاته وخصائصه ومميزاته في الفكر الإسلامي وما أنتجه من معارف وفلسفات وعلوم فى مختلف المجالات الفكرية والمعاشية. 

بين السلطة والوعي:

إن حضور التاريخ والمجتمع في فكر “مالك بن نبي” كشف عن مواطن التخلف الحضاري وأسبابه الواقعية وأمده بأدوات النقد العلمي لواقع وثقافة المجتمعات الإسلامية بالتمييز بين بنياتها الاجتماعية والقبلية من جهة والثقافية من جهة أخرى. إذا كان التاريخ قد تحول بالقوة عندما تحول النظام في التاريخ الإسلامي بحلول “السلطة العصبية محل الحكومة الديمقراطية الخليفية فخلق بذلك هوة بين الدولة وبين الضمير الشعبي”. فأدى هذا الحدث بالفعل إلى استبطان كل الأزمات والتناقضات السياسية المتوالية التي عرفها العالم الإسلامي وأدت إلى تمزقه وانهيار حضارته. لقد اعتبر هذا التحول “انكسار فى منحنى التطور التاريخي.. وانقلاب القيم داخل حضارة معينة” (2)  وعجزت همة الإنسان المتحضرة عن التمثل والإبداع وتحقيق مواهبه على التراب والوقت. لقد تجلت هذه الأزمة فى سقوط دولة الموحدين وانهيار المدنية الإسلامية وبداية عصر الانحطاط الذي انعكست سماته ومظاهره على تفكير وسلوك “إنسان ما بعد الموحدين” الذي حمل أعراض كل أنواع الإفلاس الثقافي والحضاري.

فاعلية العملي وعوائق النظري:

يتبين انفلات “مالك بن نبي” من عقال العقل السجالي فى التعامل المنهجي الهادئ مع أطروحات المستشرقين (3) ونقد التيار الإصلاحي الذي يعتبره تيارا أصيلا. رغم أن أصالته تكمن فى قوله أن النهضة لا تكون إلا بالعودة إلى الأصول وفكرتها الأساس المتمثلة في “السلف”، إلا أنها ليست فكرة كما تشكلت ما قبل “صفين”، بل كما تم توظفها سلبيا في ما بعد. ركز الخطاب الإصلاحي  اهتمامه على إصلاح علم الكلام في الوقت الذي يحتاج المسلم إلى فاعلية وايجابية العقيدة وتأثيرها الاجتماعي، وليس البرهنة على وجود الله كموضوع أساس لعلم الكلام، بل الشعور بوجوده والامتلاء النفسي بطاقته بوصفه مصدرا للطاقة(4). قام “بن نبي” بنقد منهجي لتبني الحركة الإصلاحية الطريقة “الجدلية” عند المتكلمين، لارتباطها بالمسائل النظرية العقدية فى الوقت الذي تتجه النهضة اتجاها عمليا من خلال ما تحدثه العقيدة من أثر في النفوس والهمم. لكن ما يلاحظ أن الجدال والسجال كمسألة معرفية ومنهجية لا تزال حاضرة إلى اليوم في الخطاب والممارسة المعرفية خاصة، والثقافية عامة، وتحولت إلى أسلوب فى التواصل وطريقة التفكير في العالم الإسلامي(5). ونظيف إلى ذلك التيارات الإسلامية المتفرعة عنها والتيارات المسماة حديثة أو حداثوية التي تهيمن على أطروحاتها الروح الإيديولوجية، ويصدر فكرها عن العقل السجالي الذي تؤسسه الطريقة الجدلية عند المتكلمين. كما ركز فى نقد علم الكلام على ظاهرة غياب الفاعلية فى العمل ومطابقة اللغة السائدة لذلك من خلال المدح، والتشبث المسرف بالماضي الذي أدى إلى الاختفاء وراء البلاغة، لتغطية النقص والانحطاط. وقد أشار إلى سلبية الاهتمام بالكم كأحد مساوئ ثقافة “إنسان ما بعد الموحدين” واعتبره تعلق وهمي الذي يوجد كذلك عند التيارات الحديثة.

لم يكن الخطاب الإصلاحي فى نظره قائما على ضرورة اجتماعية كما أن خطاب الحركة الحديثة لم يكن يتجه نحو العمل بهدف إحداث الأثر. لقد رأى “بن نبي” أن خطأ الخطاب الإصلاحي يكمن فى عدم اتجاهه إلى الأصول “إلى مصدر إلهامه الحق” وخطأ المحدثين عدم اعتمادهم “أصول الفكر الغربي”(6).

 ما يستفاد من فكر “مالك بن بني” اليوم مواصلة الفكر النقدي وتجاوز الوثنية المعرفية الممجدة للماضي والقابعة فيه، والتحرر من الهيمنة العلموية والإيديولوجية ذات العناوين والشعارات المختلفة، والتوجه نحو البحث  العلمي القائم على النقد المنهجي، وتعلق همة الإنسان بالحرية.   

1- مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر،  سوريا  2002 ص 17طبعته  الأولى 1954.

2- السابق ص36 .

3- أنظر مالك بن نبي، إنتاج المستشرقين وأثره فى الفكر الإسلامي الحديث، دار الإرشاد، ط1بيروت 1969  ص 7)

3- أنظر وجهة العالم الإسلامي ص54.

4- أنظر السابق ص56 ،57 ، 58.

5-  أنظر السابق ص70.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مالك بن نبي معاصرا؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد داود (جامعة وهران 1): يعد مالك بن نبي (1905 -(1973 من أبرز المفكرين الجزائريين الذين اهتموا بتجديد الفكر الإسلامي وتحديثه، بطرحه لمشكلات الحضارة ومعالجتها من وجهة فلسفية للخروج من التخلف و تجاوز عصر الانحطاط التي عرفته الأمة الإسلامية. فهو غزير الإنتاج الفكري وكتاباته متنوعة، التي مست أهم مناحي الحياة الفكرية و الثقافية و السياسية و الاجتماعية. و ينخرط فكره في التوجه الإصلاحي الذي اتبعه جمال الدين الأفغاني و محمد عبده وجمعية العلماء المسلمين في الجزائر بقيادة الشيخ ابن باديس. وللمفكر مالك بن نبي أتباع كثر داخل الوطن و نذكر منهم الأستاذ نور الدين بوكروح الذي خصه بالعديد من المؤلفات والمقالات و خارج الوطن اللبناني عمر كامل مسقاوي.و يحتاج التراث الفكري الذي تركه مالك بن نبي قراءة نقدية تعيد له قيمته التاريخية و الفكرية، و يكون ذلك ضمن السياق التاريخي والسياسي الذي ألف فيه و ضمن علاقة تامة بسيرته و صراعاته المختلفة مع خصومه الفكريين و هم كثر أيضا. فالسياق الذي عاشه هذا المفكر الجزائري كان مطبوعا بأحداث جسام تمثلت في الاستعمار الفرنسي الذي حطم الإرادة الجزائرية و أخضعها لما يخدم مصالحه العليا، فشجع الأمية و الجهل والدروشة و قضى على كل طاقة فكرية و ثقافية و على كل مقاومة سياسية، كما عاش الحرب العالمية الثانية بأهوالها، وهو مقيم في فرنسا آنذاك و لقي المصاعب الكثيرة في حياته اليومية و تم سجنه لاشتباهه في التعامل مع الألمان النازيين مرتين، مما أثر كثيرا في نفسيته. فهو كثير القراءات و متعدد المراجع الفكرية سواء في التراث العربي و الإسلامي (ابن خلدون و غيره) أو في التراث الفكري الغربي (جون ديوي و غيره) وبتنوع منابعه الفكرية و الفلسفية من علم النفس و علم الاجتماع و التاريخ و الفقه الإسلامي.  و يمكن القول أنه قد وضع مشروعا متكاملا استهله بكتاب “الظاهرة القرآنية” سنة 1946 رد فيه على بعض الطروحات الاستشراقية التي تشكك في الوحي و دعا المسلمين إلى العودة إلى القرآن وإمعان النظر فيه، لكن من منظور مختلف تماما حيث يبعدهم عن التخلف والانحطاط. وجاء كتابه الثاني “شروط النهضة” الذي صدر بالفرنسية سنة 1948 و ترجم إلى اللغة العربية سنة 1957، ليؤكد على ما كان يرمي إليه، ذلك باعتماده على فكرة مركزية يدور حولها الكتاب أي “القابلية للاستعمار” وتشير الفكرة إلى انحطاط المجتمعات التي دخلت في مرحلة جمود وسبات عميق، مما سهل غزوها من قبل الاستعمار. و لتوضيح الأسباب التاريخية الكامنة وراء الوهن السياسي والضعف البنيوي لهذه المجتمعات ألف كتابا ثالثا “وجهة العالم الإسلامي” الصادر سنة 1954 ليكون تحليلا تاريخيا شاملا للحضارة العربية والإسلامية منذ نشأتها إلى حدود بداية القرن التاسع عشر مع بداية الاستعمار. و قد قارب جميع المراحل التاريخية منذ نزول الرسالة المحمدية والفتوحات مرورا بالخلافة الإسلامية بفتراتها المختلفة إلى عصر الانحطاط ومن ثمة الغزو الاستعماري الذي وجد في تلك الشعوب القابلية لما يرمي إليه. وتمثل سنة 1369- في نظره- نهاية الحضارة الإسلامية بسقوط دولة الموحدين وبالتالي دخول الأمة في مرحلة اللاتحضر خلافا للمرحلة السابقة التي عرفت حضارة شامخة. كما قام بمعاينة كلية و متميزة للمجتمعات الإسلامية و فق خطة منهجية تهدف إلى البحث عن مواطن الضعف، لمعالجتها و إصلاحها والقضاء على الأمراض الثقافية التي تنخرها. ويرى أن ذلك يعود إلى النزعة القبلية التي انتشرت بعد وفاة الرسول (ص) وإلى التطاحن على “السلطة” وبخاصة في معركة صفين و الانقلاب على الخليفة علي (ض) من قبل معاوية الذي أسس نظام وراثي استبدادي و تعمق ذلك النظام مع العباسيين الذين اصبغوا علية الطابع الديني المقدس للسلطة السياسية “الخليفة هو ظل الله في الأرض” وتم، فيما بعد، غلق باب الاجتهاد مع الشيخ أبي حامد الغزالي و فقهاء آخرين.

ويرى أن هناك ثلاثية تمكننا من تأسيس حضارة جديدة وهي: الإنسان والأرض والزمن. إذ أن الإنسان هو عامل “نفسي وزمني” وفي الوقت ذاته تجلي للحياة الاجتماعية والفكر الجماعي، والحضارة تنمو وتتطور ثم تختفي وتتدهور حسب مراحل تاريخية و سياسية، لكون عوامل الانحطاط متعددة، تمس قضايا الثقافة والصراع الأيديولوجي الذي هو حرب حقيقية على القيم و الأفكار الأصيلة و معهما عدم الاجتهاد الفقهي والفكري، وأيضا استبدال الإيمان والورع الديني بالاعتقاد في الزوايا وإهمال العلوم والتقنيات وغياب كل عمل ايجابي والطلاق مع الفكر و غياب الرؤية المستقبلية هي عوامل تمهد للاستعمار الذي لن يكون دون قابلية له، و قد عرفته جميع البلدان من طنجة إلى جاكرتا حيث تم غزو الأراضي ونهب الخيرات وتخريب الثقافة والتاريخ وإهانة لكرامة المسلمين. ويرى أن الحركة الإصلاحية بقيادة الأفغاني وعبده وبن باديس قد أعادت التوازن وسعت إلى إيقاظ الوعي الإسلامي لكن لا يمكن إصلاح المجتمع دون إصلاح الفرد الذي لا بد له أن يرفض القابلية للاستعمار. وعليه يقتضي الأمر من ثورة علمية و فكرية تؤسس لرؤية إسلامية جديدة تواكب العصر و تدرك تحديات المرحلة و الرهانات الدولية، كما يؤكد على التربية و دور المدرسة في تنمية الروح العلمية وحب التقنيات والابتكار لدى الطفل منذ صغره، عملا بالآية الكريمة “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”، أي ضرورة أن يكون التغيير من الداخل. وفي مقارنته مع الدول الغربية يرى انه في الوقت التي كانت الحداثة تشرق في الأفق في أوروبا كان الغروب يخيم على العالم العربي، إذ انتهى آنذاك العصر الوسيط بالنسبة لأوروبا وبدأ في العالم الإسلامي مع النكبات والهزائم وفقدان الأراضي منذ سقوط الأندلس و تراجع العثمانيين أمام الفرنسيين منذ 1535، وتبعتها اتفاقيات أخرى مع الانجليز والايطاليين الذين نافسوا المسلمين تجاريا في البحر الأبيض المتوسط، واستفاد الغرب من الاكتشافات العلمية التي قام بها المسلمون، لكن هؤلاء غرقوا في سبات كبير وهكذا توقفت الفتوحات الإسلامية وبدأت سيطرة أوروبا على العالم الإسلامي. الواضح بالنسبة لملك بن نبي هو ضرورة الخروج من هذه الوضعية المأسوية التي يعيشها المسلمون باعتماد الثقافة و العلم و التربية والدين والفعالية الاقتصادية، لكن هذا الفكر الذي أعتمده مالك بن نبي يحتاج إلى مراجعة شاملة و قراءة نقدية تبرزه و تثريه بمفاهيم جديدة تواكب العصر بتحدياته الجديدة التي يفرضها بناء الدول الحديثة على أساس القانون والمواطنة وتقتضيها العولمة واقتصاد المعرفة وتكنولوجيات الاتصال الحديثة التي برزت بعد نهاية الحرب الباردة مع ظهور فاعلين جدد في الساحة الدولية والوطنية و بهذا نجعل من فكر مالك بن نبي معاصرا لنا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قضيّة المرأة عند مالك بن نبي: محنة الفتنة وامتحان الحضور

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رحمة بوسحابة، أستاذة جامعية ومترجمة: عندما اقتحم الفرنسيون مدينة قسنطينة عبر عدد من أسوارها في بدايات الاحتلال الفرنسي للجزائر، هرعت أغلب العائلات إلى تهريب بناتها عبر حبال تربطهن مع الجهة الاخرى من السور، حتى لا يدنّس الغزاة الجدد شرفها في نسائها، وغالبا ما كانت هذه الحبال تنقطع في منتصف الطريق الهوائي لترمي بهنّ في هوّة المنحدر. كانت “الحاجة بايا” إحدى الناجيات بأعجوبة من هذه العمليّة الأقرب إلى الانتحار، والتي لجأت إثرها إلى تونس  لتعود بعدها بسنوات مع زوجها وأطفالها إلى الجزائر، وتروي لابنتها “زليخة” تفاصيل المأساة ومعها كل الحمولة الاجتماعيّة والدينيّة  التي دفعت أهل قسنطينة  إلى التضحيّة ببناتهن فداء لشرف الوطن والدين.

 لم تكن الحاجة زليخة سوى جدة مالك بن نبي الذي يروي هذه الحادثة في بداية مذكراته” شاهد على القرن”، ليس ليدلّل على همجيّة المستعمر الفرنسي فحسب، بل واعترافا منه بمحوريّة المرأة في تكوينه الأوّل، شاهدة على الأحداث، ومدرسة لقّنته القيم التي أثّثت محيطه الاجتماعي والحضاري. وظلّ هذا الحضور ثابتا في مخيال المفكّر خيطا منتظما في كل كتاباته التي حاول من خلالها انصاف المرأة لا تنصيفها أو تصنيفها ندا للرجل، فأفرد لقضيّتها محاضرات ومقالات وفصولا كاملة من كتبه، تجاوز فيها كليّة ذهنيّة “المرأة الفتنة” التي هيمنت على الراهن الاسلامي في زمنه، حتى وهو يروي فصول مأساة جدته وقريناتها، التي كانت تجليّا واضحا لهذه الذهنيّة في بنية مجتمع مسلم يرى في المرأة رمز شرف القبيلة أو دنيّتها، فكانت مرافعاته في نفس الكتاب دفاعا عن توجّه أهله باعتباره نوعا من التضحيّة، أشبه  بتضحية ابراهيم عليه السلام بابنه اسماعيل، وكأننا بمالك بن نبي يُهيل على القضيّة مسحة من القداسة تنأى بها عن أي مساءلة دنيويّة لذهنيّة مجتمع اختار التضحية بالمرأة، عوض تكوينها للدفاع عن نفسها وقبيلتها كما كان يفعل مع جداتها-عكس كثير من المجتمعات الأخرى- أصيلات هذه الأرض اللواتي لقنّ الغزاة عبر التاريخ البسالة وقوة الشخصيّة والتمسّك بالحق من أمثال لالة فاطمة نسومر والكاهنة وديهيا وغيرهن.

 والواقع أن الأمر لا يختص بالمرأة وحدها، بل ينسحب على الرجل أيضا أثناء تلك النكبة التي ألحقت بلادا بأكملها ببلاد أخرى، رجل عقلت مباغتة المستعمر وقوّته قدرته على ردّ العدوان، فالمسؤوليّة لا تؤنّث ولا تذكّر بل هي شأن انساني يقع على عاتق المرأة والرجل معا، وهو المنطلق الذي تبنّاه مالك بن نبي في مقاربته لقضيّة المرأة حين اعتبر أن الفصل بينهما خطأ فلسفي واجتماعي فظيع، فالقضية عنده هي مشكلة اسمها الإنسان” بوجهيه الرجل والمرأة، فـ”إذا كان الرجل والمرأة يكونان فردين من الناحية العددية، فهما يكونان فردا واحدا من الناحية الاجتماعية لقوله تعالى: “يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة” أي رجل + امرأة= نفس واحدة (وهي الإنسان)” (شروط النهضة).

 ويستند ابن نبي في ذلك إلى التجربة الاسلاميّة في عذريتها الأولى، والتي تعرف ما يسمّى بمشكلة المرأة، بل ونظرة موجزة على المسألة في المجتمع الحديث قياسا بالتجربة النبوية الأولى تحيلنا إلىى مفارقة خطيرة، مفادها أن التصوّر الاسلامي للمرأة بدأ تحرّريا حركيّا في مختلف الميادين مع الانتقال من الجاهليّة إلى الاسلام ليتحول تدريجيّا لأفق تقييد ومصادرة لحرياتها وحقوقها، وحصرها في المجال الخاص، وعزلها عن المجال العام باعتبار أنها تُحدث الفتنة والفساد، وهو ما يعزوه محمد عابد الجابري في نقده للعقل الأخلاقي العربي إلى الانتكاسة الخطيرة للقيم التي بشَّرت بها الدولة المحمديّة وأقامت عليها دولتها، وحلّت محلّها-أو في قليله امتزجت معها- قيم كانت جاهزة  في الموروث الثقافي الفارسي و اليوناني و الصوفي، والتي من جملتها “المرأة” باعتبارها موضوعا أو بضاعة وليست ذاتا في بنية مجتمعية تتدرج طبقاتها نزولا من السلطان إلى الطعام والمرأة الذين اقترنا معا في الموروث الفارسي الكسروي تحديدا، فهما الاطيبان اللذان يرويان شهوتي البطن و الفرج(محمد عابد الجابري: نقد العقل الأخلاقي)، وهي الصيغة التي ظلّت مهيمنة على الادراك الاجتماعي للمسلمين (بما في ذلك المرأة ذاتها)، حتى وإن كان هذا المجتمع في خطابه العلني يتبرّا منها إلاّ أن وعيه ظلّ متمسّكا بها مع عمليات اصلاح شكليّة لم ترقى للارتقاء بالنظر للمرأة من نموذج “الفتنة” إلى نموذج “الحضور” وهو المصطلح الذي سكّه مالك بن نبي للتدليل على الفعّالية و”النهوض بالمرأة ومشاركتها في المجتمع بشكل فاعل،بأن تُدرك أحداثه وتسهم في تطويره و حل مشاكله جنبا إلى جنب مع الرجل” (شروط النهضة)، والتي هي في حقيقتها عودة للفهم الاسلامي الأوّل الذي جعل من النساء شقائق الرجال بنص الحديث النبوي الشريف.

 ومالك بن نبي في تقديمه لبرادايم الحضور لم  يقدّم أي صيغة جاهزة لتمثّل هذا الحضور، بل دعا إلى عقد مؤتمر يجمع متخصصين في علم الاجتماع والنفس وعلماء الشريعة والأطباء وغيرهم لتدارس المسألة، مكتفيا بتقديم الاطار الجامع الذي لابدّ ان يدور فيه اي نقاش حول الموضوع، وهو المصلحة الاجتماعيّة، بربط أي حضور للمرأة بالشرط الاجتماعي الذي تتفاعل ضمنه، وليس مجرّد محاولة القفز على هذه السيرورة بتغيير شكلي في نمط حركيتها مثل اقرار حريتها في الحجاب أو السفور، والحق في الانتخاب والعمل وغيرها، وهي كلها مكاسب حققتها المرأة بشكل أكبر واشمل في الزمن المعاصر مقارنة بزمن مالك بن نبي، لكنها في الواقع تبقى مجرّد مكاسب سياسيّة معزولة عن القضايا الاجتماعيّة ،وهو ما ألحق ضررا بالغا بقضيّة المرأة نفسها والمجتمع بأكمله، ذلك أن التمكين السياسي الذي يتباهى أنصار قضية المرأة بتحقيقه لم يوازيه التمكين الاجتماعي المطلوب للفئة من النساء التي افتكّت هذه الحقوق عبر مسارات قانونيّة وسياسيّة معقّدة، فتميّزت بالحضور السياسي والثقافي القوي، لكنها ظلّت معزولة عن مجتمعها،  مُستبعدة من مجال التربيّة الأسريّة في المقام الأوّل على الرغم مما تملكه من قدرات ومؤهّلات، فذهنيّة المجتمع وبالرغم من ادعاء انفتاحها، ظلّت ثابتة تدور في فلك المرأة الفتنة.

 لقد قدّم لنا مالك بن نبي في تأمّلاته وتحليلاته خارطة مهمّة للتعامل مع قضيّة المرأة ضمن مشروطيّتها الموضوعيّة، والانتقال من الفتنة إلى الحضور والفعالية، وهو تصوّر ينطلق بلا شك من التصوّر الاسلامي الأوّل والأصيل للمرأة بعيدا عن التشوّهات التي لحقته نتيجة الدخيل من القيم الشعوبية، والاجتهادات الفقهيّة والمسارات الاسلاميّة المؤدلجة-بشقيها السلفي والحركي- القاصرة التي حكمت بفتنة المرأة، والتي لم يجد لها ابن نبي تفسيرا سوى التحليل الفرويدي الذي يقوم على الخلفيّة الجنسيّة لدعوات مواراة المرأة عبر المبالغة بتحجيبها وحرمانها من أي فعّالية في مساحات اجتماعيّة تتجاوز بيتها، ليعود بها إلى صفة الانسان خادمة الحضارة، ملهمة لذوق الجمال وروح الأخلاق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ابن خلدون بعيون مالك بن نبي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحمد عمراني، باحث (فرنسا): يُحيل عنوان كتاب مالك بن نبي (شروط النهضة، ترجمة عبد الصابور شاهين، ط2، 1986) بلا شك إلى فكر ابن خلدون الذي اهتم هو أيضا بشروط الحضارة والمُلك وأسبابهما وأطوارهما. وهذا ما يجعل القارئ يتساءل عن مدى نهل مالك بن نبي من فكر ابن خلدون وكيف تعامل مع أفكار (المقدمة).

أول إحالة لابن خلدون في كتاب (شروط النهضة) يُفهم منها أنه يشيد به، حيث يقول عنه : (يجب التأمل في سنن التاريخ التي لا تغيير لها، كما أشار إليها القرآن الكريم “سنة الله التي قد خلت من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا”، وكما وضّحها ذلك العبقري، عُمدة المؤرخين ابن خلدون. ص 48-49). فالاستشهاد بابن خلدون هنا قوي لسببين: أولا اعتمد عليه بن نبي مباشرة بعد ذكر الآية القرآنية، وثانيا لأنه وصفه بالعبقري وبعمدة المؤرخين. وأهم شيء، قد اعترف بن نبي أن ابن خلدون قد فهم ووضّح سنن التاريخ. وفي ثاني إشارة لابن خلدون في نفس الكتاب نقرأ العبارة التالية: (وقد بدأ العلم في تلك الحقبة ينتشر بفضل أساتذة سطعت أسماؤهم في جو المعرفة، كالفارابي وابن سينا، وأبي الوفاء البُوزَنجي، وابن رشد… إلى ابن خلدون الذي أضاءت عبقريته غروب الحضارة الإسلامية في نهايتها. ص 53) فيعترف مرة أخرى بعبقرية ابن خلدون ويعتبره آخر مصباح في الحضارة الإسلامية. لكن مالك بن نبي لا يستشهد بابن خلدون هنا لمحاولة تحديث فكره وتجديده والاعتماد عليه في قراءة التاريخ بل يعتبره كمصباح قديم أنار زمانه ولا يصلح لزماننا.

ثم يتطرق مالك بن نبي إلى أهم الأسماء الفكرية التي سبقته وتناولت مسألة الحضارة والنهضة مثل توسيديد الإغريقي وفرانسوا غيزو الفرنسي وتوينبي البريطاني وشبنجلر الألماني وماركس فإنه يضيف إليهم ابن خلدون. يذكره ليغتاله بجرة قلم. يقول: (أما ابن خلدون فقط تمكّن من قبل من اكتشاف منطق التاريخ في مجرى أحداثه، فكان بهذا المؤرخ الأول الذي قام بالبحث عن هذا المنطق إذا لم نقل إنه قد قام بصياغته فعلا. فقد كان يمكن أن يكون أول من أتيح له أن يصوغ قانون الدورة التاريخية لولا أن مصطلح عصره قد وقف به عند ناتج معين من منتوجات الحضارة ونعني به الدولة وليس عند الحضارة نفسها. وهكذا لم نجد فيما ترك ابن خلدون غير نظرية عن تطور الدولة. في حين أنه كان من الأجدى لو أن نظريته رسمت لنا تطور الحضارة، حيث كنا نستطيع أن نجد فيها ثروة من نوع آخر، غير ذلك الذي أثرانا به فعلا. إذ لم تكن عبقرية ابن خلدون بعاجزة عن أن ترسم لنا ذلك التطوّر في صورة منهج قائم بذاته. ص 62).

يستعمل مالك بن نبي حجتين لإبعاد ابن خلدون من حيز تفكيره: أولا الإطراء الأسطوري وهذا باستعمال كلمة (عبقري) و(أول مؤرخ كشف منطق التاريخ) وثانيا تقزيم عمله وإنتاجه، فيصبح ابن خلدون عبقري فقط في دراسة الدولة التي هي منتوج واحد فقط من منتوجات الحضارة. مع أن ابن خلدون قد حلّل التاريخ وتطور الحضارات الفارسية واليونانية والرومانية والإسلامية والمغولية، إلخ فقد بقي مجرد دارس للدول حسب بن نبي، وهو الذي شرح الجغرافيا وربطها بالزمن، وتناول الأعراق وربطها بالدول واقترح تاريخا للأديان، وفكك العلاقة بين البداوة والحضارة أو التمدن، وبحث في تطور الصنائع والعلوم وتطورها مع مراحل الدولة ومراحل الحضارة وقام بتأريخ كل العلوم التي أنتجها العرب وربطها بالأمم السابقة. والأهم من ذلك، يُعنون ابن خلدون فصلا من مقدمته بـهذه العبارة المفتاحية : (الحضارة في الأمصار من قِبل الدول وأنها تَرسخ باتصال الدول ورسوخها) ونرى جيدا كيف هي العلاقة العضوية بين الحضارة والدولة. ولا توجد حضارة خارج إطار الدولة. ولا يمكن للدولة أن تكون منتوجا واحدا من منتوجات الحضارة كما يتصور بن نبي، بل هي المُحرّك الأوحد لصناعة الحضارة.

يواصل مالك بن نبي إبعاد فكر ابن خلدون عن طرحه لشروط النهضة. ويستعمل طريقة أخرى. فنراه عندما يتناول عناصر النهضة الثلاثة (الإنسان والتراب والوقت) فإنه يضيف مُركِّبا لها يُسميه (الفكرة الدينية). ونحن نعلم أن ابن خلدون قد تنبه لذلك وربط نشوء الدول بعنصرين مهمين: العصبية ودعوة دينية جديدة. في حين لا ينسب مالك بن نبي (الفكرة الدينية) لابن خلدون بل يُعطي الفضل في ذلك للفيلسوف الألماني هرمان فون كيسرلنغ الذي يتكلم عن الفكرة المسيحية في تطور الحضارة الغربية.

ينهل مالك بن نبي فكرة أخرى من مقدمة ابن خلدون ولا يصرح بها. تتمثل في التفرقة بين البدوي والحضري. فيُقسّم بن نبي السكان صنفين (رجل القِلّة ورجل الفطرة) الأول هو الحضري والثاني هو البدوي حسب مصطلحات ابن خلدون. ويذم مالك بن نبي الحضري الذي لا يراه (إما متعطلا لا يعمل شيئا وإما يبيع بعض العقاقير والحاجات[…] فهو رجل قليل، تتمثل فيه القلة في كل شيء. ص 76). بينما رجل البادية هو (رجل الفطرة الذي يرضى من الأشياء بالعدم. ص 76) ثم يختم مالك بن نبي هذه المقارنة بالانتصار لرجل البادية ويصيغ عبارة على شكل مَثَلٍ: (رُبَّ عدم خير من القليل). واهتمام مالك بن نبي برجل القلة يظهر منذ الأنشودة التي يفتتح بها كتابه (شروط النهضة). يقول فيها: (ابذر يا أخي المزارع، من أجل أن تذهب بذورك بعيدا عن حقلك. ها هي بعض الأصوات تهتف. الأصوات التي أيقظتها خطواتك في المدينة. ص 17) فالمدينة لا توقظها إلا خطوات المزارع. وليست المدينة بنشاطاتها وصناعاتها هي التي تصنع المزارع وتحرره وتطوّره حسب بن نبي. وهنا يظهر الفارق بين ابن خلدون الذي لا يجمع أبدا بين البدوي والمزارع. بل المزارع يدخل ضمن أهل المدينة لأنه لا يملك العصبية الصانعة للملك بل هو منتج ومن أصحاب الصنائع ودافع للضرائب.

يتضح مما سبق أن مالك بن نبي لم تكن قراءته لابن خلدون عميقة، رغم أنه اشتغل على موضوع أثير لدى ابن خلدون. بالعكس حاول إبعاده وتقزيم اسهاماته في موضوع النهضة والحضارة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مالك بن نبي: فكر في اللافكر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حاج موري عدنان، كاتب ومحلل نفسي: أمام الدهشة بوصفها خاصية بشرية، أنجب الشك، على مر السنين، فكرا يتوافق مع المتطلبات الفلسفية. ترتكز مادية الذات المتكلمة على الأسئلة الثلاثة التي طرحها  سابقا الفيلسوف كانط: من أنا؟ ماذا عليّ أن أعرف؟ ما هو المسموح لي بأن أتمنّاه؟ هذا التطور الخلاق للمعنى سمح للبشرية أن تدرك الفرق بين المعرفة الإنسانية والظروف الغريزية التي تحيط بالحيوانات.

تحليل ماركس حول معرفة المهندس المعماري في بناء القفير وطريقة النحلة يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار عند تحديد طبيعة التطور البشري؛ إن الوصف الذي قدمه الفيلسوف ماركس، في رأينا، ليس “رائعًا” فحسب كما قال مالك بن نبي، بل يرسم بداية التوعية مادامت الذات تتعلم كَوْجتة الشيء (cogiter la chose) من خلال استكشافه.

وإذ أدخل في صميم الموضوع محاولا إبداء رأيي حول فكر مالك بن نبي، يجب أن أؤكد في البداية أن الأسطر القليلة التي سأكتبها لا تسمح بقراءة عميقة لعمل هذا المفكر المثير للجدل.

كمقدمة، يمكننا القول مع نوربرت إلياس أن السوسيولوجي هو “صياد الأسطورة”، هو الذي يحاول تجسيد فعله من خلال منطق انعتاقي يقصي الدوغما/العقيدة أو كما قال نيتشه، “اليقين الذي يدفع إلى الجنون”. في هذه الحالة، يمكن القول أن الفكر البنّابي في رأينا يبقى تيارًا مَاهَوِي النزوع  عمل بأبوية على ديمومة سياج الأنا الأعلى الإسلاموي. إن فكره يتحجر تحت عقيدة الأدلجة بما أن اللجوء إلى أساطير التدين يبقى في منجزه حقيقة لا مفر منها.

إن عملية الأنارشيف «l’anarchive»، بعبارة أخرى، ذات النزعة التفكيكية بمعنى دريدا، تكتسي بعدًا عاطفيًا لا يمكن أن تتجاوز النفَس النبوي، نفَسُ الانسحاب والتعثر في حُفَر مثنوية أنوين علويين (dualisme des deux surmoi)، أحدهما غربي والآخر شرقي.

يقول المفكر مالك بن نبي، “أنا في قاعة سينما وأمامي امرأتان مصريتان تدخنان. تقاسيم وجهيهما تعطي الانطباع أنهما من الصنف الذي منح كل شيء للحياة لكي تمنحهما الملذات. لقد خلق المجتمع الغربي هذا الصنف الذي لم يعد امرأة والذي لن يصبح أبدا رجلا، وقدمه لنا هدية. هذا الصنف هو أفضل أداة يمكن أن تجدها لتفكيك المجتمع. لقد سلّمَتْ الحضارة الغربية العالمَ إلى المرأة وإلى اليهودي والذرة. إذا قاوم العالم هذا التفكيك مع هذا الثالوث”.

هذا الانسداد الإيديولوجي يُفضّل منع الحرية الفردية ويبذل قصارى جهده في التأكيد على أن الانعتاق ذو أصل غربي، لحسن الحظ أن الفيلسوف روسو موجود هناك ليقول لنا أن الذات البشرية عندما تكون مُكبّلة، تسعى إلى التحرر.

في نفس المنحى، في مقالها المنشور بمجلة نقد تحت عنوان: وجهة نظر مالك بن نبي حول المرأة، قالت الباحثة أمينة نورة: “يمكن أن نجد الأصل في ما يسمى العقدة الفرويدية (كذا). ويمكن لليبيدو أن يفسر  الكثير من هذه المصطلحات الانعتاقية لدى المرأة، خاصة في البلدان الإسلامية التي تعيش التحديث … هذا المقطع يبرهن مرة أخرى عن غياب الاعتراف بالسلوك الجنسي النفسي (sexualité psychique).

عند قراءة مالك بن نبي، نلاحظ، بقوة، انبعاث المكانة الميثولوجية التي تفضي إلى هذا “الجهل المقدس” ، هذا التصور المميت يعزز من محنة طفولية متهربة على الدوام في اللاوعي؛ يقول في هذا الموضوع “إنها الأفكار الدينية هي التي تصنع التاريخ: تمتلك قوة توتير واندماج وتوجيه، تدفع الناس إلى تشكيل مجتمع”.

مسألة اللاواعي (inconscient) التي عالجها المفكر الأيديولوجي تسمح لنا بالقول أنه ركب موجات عدة مدارس فكرية راسما خطاطات لمعرفتها بطرق محكمة. على سبيل المثال أذكر انتقاده لفرويد وميله ليونغ.

حين نقوم بالغربلة، نجد بُعد السلوك الجنسي لدى الأطفال (sexualité infantile) الذي وصفه فرويد واللاوعي الفرويدي الذي يسمح لنا بالقول وفقَ الصيغة اللاكانية أن “الجمعي هو موضوع الفرد”، ركز بن نبي على اللاوعي الجمعي لوصف الأزمة متعددة الأوجه التي ابتليت بها البلاد.

في الوقت الذي كرس التحليل النفسي الفرويدي نفسه، وما زال يكرس نفسه، لتدقيق تصوره عما هو نفسي (psychisme)، والذي يتوافق في الواقع مع تشكل الذاتية (subjectivité) وتنظيمها، أي تصوره عن الذات (Sujet)، بوصفها تختلف عن الفرد (individu) فمن غير الممكن أن يكون هناك أفراد يتمتعون بمكانتهم في المجتمع، إذا كانت الذاتية تعاني من صعوبات في تشكلها.

يمثل التحليل النفسي الفرويدي (وبالتالي اللاكاني) تَمفصُلَ هذه الأبعاد الثلاثة المؤسسة للذاتية. هذه الأبعاد الثلاثة التي يسميها لاكان: الواقعي، الرمزي، المتخيل، يرتبط بعضها ببعض على شكل عقدة بطريقة ما، بحيث يمكن أن ينجم عن ذلك اضطرابات معينة: العصاب، الذهان، الانحراف(névrose, psychose, perversion)

بالإضافة إلى مظهر الذاتية الذي وصفته تعاليم التحليل النفسي، هناك سؤال يفرض نفسه علينا، لقد اشترك يونغ وبن نبي في الأيديولوجيا النازية، لماذا هذا التقارب؟

وبعيدا عن هذا، فبمجرد أنه غازل الأيديولوجيا النازية القاتلة، وتعاطف مع الإخوان المسلمين، بمن فيهم حسن البنا، يظهر لنا كم هذا الفكر يعاني من التعصب ومن الطائفية، يقول في هذا الموضوع “كانت تجربة حسن البنا ثنائية التكافؤ بمعنى أنه كان لها تأثير ليس فقط على الأفكار الإصلاحية، ولكن أيضا على الأفكار الحداثية “.

من أهم المفاهيم البنّابية، مفهوم  “القابلية للاستعمار” (colonisabilité)، كيف يمكن التخلص من هذه العقدة التي فرضها الكولون؟ يمكننا القول أن التفكير يحرر الذات من الخضوع، بينما التحليل يجعلها تتقدم، وإن هوامشه البيوغرافية، والحالة هذه، تجعلنا نحتار أمام مَهْوَوة الهوية الجزائرية (l’essentialisation de l’identité algérienne).

إن انتقاده اللاذع لفرانز فانون الذي لم يكن قادرا، حسب رأيه، على إدماج بُعْد الهوية الجزائرية ، بدعوى أنه ملحد يبدو لنا انتقادا غير مؤسس؛ يجب التذكير أن هذا المفكر المناهض للاستعمار “فانون” كان لديه قناعات صلبة حول انعتاق الجزائر. باختصار، يمكننا مساءلة الدوافع اللاواعية للمجاهدين، حتى لو شاركناهم معاركهم.

وأخيرًا، إن فكر مالك بن نبي إذ ينتهج نهجا مهزوزا في الأدلجة لم يقدر أن يتجاوز اللافكر، فعزَّزَ تأثير السياج الدوغمائي من أسلمة الحداثة التي حرمت الذات من الانبثاق.

ترجمة: سعيد هادف. المقال باللسان الفرنسي تحت عنوان:

(Malek Benabi  une pensée dans la non pensée)

شاهد أيضاً

الفيزياء الصوفية: شعر ابن الفارض أنموذجاً

سمر الديوب “كانت هناك امرأة شابة يسمونها المتألقة كان في إمكانها أن تسافر أسرع من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *