الرئيسية / مقالات / عبد الله العروي: المثقف

عبد الله العروي: المثقف

*سعيد يقطين

هنيئا للأمانة العامة لجائزة الشيخ زايد لتفكيرها في منح جائزة الشخصية الثقافية لعبد الله العروي. وهنيئا للعروي المثقف الكبير بهذا التكريم المستحق.
العروي فوق كل الجوائز والتكريمات، لكن الالتفات إليه الآن له قيمة خاصة، لأن ما كتبه وفكر فيه منذ نصف قرن من الزمان ما يزال دالا على عمق فكري في واقعنا العربي. وإذا كانت جائزة الشخصية الثقافية تتصل بسنة (2016 ـ 2017)، فالعروي شخصية ثقافية عربية لنصف قرن كامل من الزمان العربي الكسيح، نؤرخ لها بصدور كتابه «الأيديولوجيا العربية المعاصرة» (1967)، وتمتد إلى الآن مع استبانة (2016).
حين فكرت في كتابة كلمة عن العروي بهذه المناسبة الجميلة، لم تتبادر إلى ذهني سوى كلمة واحدة لها دلالتها ورمزيتها الخاصة: المثقف. لم أشكُل الكلمة لأني منذ زمان، وأنا أفكر في التمييز بين «المثقَّف»، و»المثقِّف» بحثا عن «الثقافة» ومعانيها في لغتنا الحديثة. وإذا كان أغلب من نتحدث عنهم من «المثقفين» العرب (بالفتح)، فإن العروي يتميز عنهم جميعا بكونه يستحق الحديث عنه بالفتح والكسر معا.
منذ بداية بروز كتاباته في الستينيات كان يشكل علامة فارقة بمقارنته مع معاصريه في المغرب والوطن العربي. كتب باللغة العربية والفرنسية، وتميزت كتاباته بالخروج على السائد في تحليل القضايا والمشاكل التي يتخبط فيها الوطن العربي. فكان مثيرا للجدل والنقاش. هاجمه اليساريون لأنه لم يكن يردد المقولات والمفاهيم «الثوروية» التي كانوا يرون التصريح بها دليلا على الانخراط في الصراع الأيديولوجي والسياسي. كانوا يرون العروي وهو يتحدث عن «التاريخانية» منحرفا عن المادية التاريخية التي كانوا يدينون بها. وهاجمه الإسلاميون لأنه لا يصدر في كتاباته عن مرجعية إسلامية. ولا داعي للحديث عن الدولة وخدامها، لكنه ظل صامدا وسط الإعصار، غير ملتفت إلى ما يقال عنه، أو يحاك ضد مسيرته التأملية والتحليلية في واقعنا الفكري والسياسي. ظل بمنأى عن الصراعات والتناقضات، وعن الإعلام والمجالس. وبين الفينة والأخرى يطالعنا بكتاب جديد يبين لكل ذي عينين أنه متابع جيد، ومواكب متأن، ومحيط بعمق بكل ما يعتمل في الجسد العربي من أمراض وكوارث. لكن المواقف منه ومن مؤلفاته ظلت هي نفسها. وبما أنه غير عابئ بما يقال ويكتب فإنه يظل في عزلته الإبداعية ينوع رؤيته لما يجري من حوله، متفكرا في الواقع وعمقه التاريخي ومآله المستقبلي، فكان يصدر تارة كتابا في تشريح الواقع، وطورا في البحث في المفاهيم، وأخرى في كتابة السرد، وثالثة في لملمة الذاكرة، ورابعة في ترجمة الأصول التي لم يتم الالتفات إليها من لدن المثقفين العرب، وهو حين يخرج من عزلته لسبب ما، فسرعان ما يعود إليها بهواجس وهموم لا تنتهي.
تحدث المفكرون المسلمون قديما عن العزلة في أزمنة الفتنة، ولعل العروي كان مقتنعا بها اقتناع الجاحظ بألا مكان له في مجالس الأمراء والولاة، وأن مجاله هو التفكير والتصنيف. وجاء المعري ليجعل نفسه رهين المحبسين، فخلف آثارا تدل على عمق رؤيته لما كان يعتمل في التاريخ العربي. وكانت عزلة ابن خلدون في قلعة ابن سلامة كافية لاستفراغ طاقته الفكرية في كتابة موسوعته التاريخية التي لا نظير لها في التراث التاريخي.
كانت كتبه «الأيديولوجية العربية المعاصرة»، و»العرب والفكر التاريخي» و»أزمة المثقفين العرب» بلا نظير في ما كتب حول الثقافة العربية ومثقفيها. وللأسف الشديد لم تقرأ هذه الكتب بدقة وتأن في الزمن الذي ظهرت فيه لأن السجال الأيديولوجي كان هو المهيمن، وكانت الرؤية السياسوية هي الطاغية. ويكفي المرء أن يعود إلى هذه الكتابات الآن ليعاين أنها ما تزال تحتفظ براهنيتها وعمقها في تشخيص الذهنيات العربية وأصناف التفكير. ولو أن العرب التفتوا إليها في زمانها، وانتهجوا طرقا أخرى في التفكير والحوار، لوفروا لأنفسهم العناء الذي نتخبط فيه اليوم. صحيح التفت بعض المفكرين العرب إلى أهمية طروحات العروي، وعلى رأسهم ياسين الحافظ، الذي تجاوز أزمة الهزيمة العربية الكبرى نتيجة اطلاعه على الأيديولوجيا العربية المعاصرة. وعن طريق ياسين الحافظ سيتم اكتشاف العروي وإعادة الاعتبار لكتاباته من لدن شريحة من اليسار المغربي في الثمانينيات من القرن الماضي.
لم يهتم المثقفون المغاربة بكتابات العروي الفكرية بالشكل المناسب، وإن ظل يحظى بالتقدير، ولكن نقاد الأدب اهتموا أكثر برواياته المختلفة بدءا من «الغربة واليتيم إلى غيلة» مرورا بـ»أوراق» التي وضعت في المقررات الدراسية، لكن المهتمين بالأدب لم يلتفتوا إلى تشخيصاته للواقع الأدبي والثقافي، ولم تكن موضوع نقاش حقيقي. وأرى أن من بين أسباب هذا التغييب موسوعية العروي وثقافته التاريخية والأدبية والفكرية الواسعة. فهو جيد الاطلاع على الثقافة الغربية والعربية، وإلمامه الواسع بالتاريخ وتاريخ الأفكار، جعل كتاباته مستعصية على من لا يمتلك المرجعيات المتعددة التي كان يحيط بها. كما أن كتاباته باللغة الفرنسية، ولاسيما كتابيه «الأيديولوجيا» و»أزمة المثقفين العرب»، والترجمات الرديئة جعلت قراءته صعبة وشبه مستحيلة.
إعادة قراءة العروي الآن ضرورة لاكتشاف أنه سيظل مثقِّفا أيضا.

__________
*القدس العربي

شاهد أيضاً

من يقرأ دوستويفسكي اليوم . .؟

(ثقافات) يحيى القيسي * أنتمي إلى الجيل الأدبي الذي ظهر في بداية التسعينات من القرن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *