الرئيسية / خبر رئيسي / أشهد أننا لم نَعِش
خيري-منصور-1

أشهد أننا لم نَعِش

*خيري منصور

حين قرأت مذكرات بابلو نيرودا لأول مرة منذ عقود، وهي بعنوان «أشهد أنني قد عشت»، خطر ببالي على الفور عنوان مضاد يليق بحياتنا، ثم ترددت لعل ما سيأتي من أيام وأعوام وعقود يتيح لنا أن نعيش، والآن أستطيع أن أشهد بلا تردد أننا لم نعش، إلا إذا كان تعريف الحياة قد ضاق وتضاءل حتى اقتصر على البعد البيولوجي ومجرد البقاء على قيد الحياة.

وحين أطلق ماركيز على مذكراته عنوانا من طراز آخر هو «عشت لأروي» أحسست بأن معظم المثقفين العرب على ما بينهم من تفاوت في منسوب الوعي والمواقف كانوا يروون ليعيشوا وكأنهم شهرزاد التي تؤجل موتها عند مطلع كل فجر.

وفي الحالتين، ثمة من يتوهم بأنه قد عاش لأن الموت أخطأه منذ حصبة الطفولة مرورا بحوادث الدهس والحروب، والحقيقة أنه ميت، تأجل دفنه، فالأحياء الموتى يقتصر وجودهم على التعداد الديموغرافي ولا يتقدمون إلا في العمر، وبالعودة إلى نيرودا نجد أن الحياة الخصبة والمفعمة بالحيوية والمسرات التي عاشها لم تكن حائلا دون نضاله شعريا وإنسانيا ضد الاستبداد، فهو نهل من ثقافة لم تتسلل الماسوشية إلى نسيجها بحيث يصبح الظلام مطلبا وكذلك الفقر، ولدينا في أدبنا المعاصر نصوص تنسب إلى المقاومة بشّرت بكل ما هو مضاد للحياة ظنّا من أصحابها أن الأوطان خلقت لنموت فقط فيها ومن أجلها بينما هي في الحقيقة عزيزة وتستحق الافتداء لأنها تقترن بحريتنا وبالبهجة وبالشروق لا بالأفول.

وإذا صح لي أن أتحدث عن جيلي الذي لم يعثر بعد على اسم يليق بعذاباته خارج التقاويم التقليدية وخانات تحقيب الأدب، فقد ولد بعد حرب كونية أسقطت دولا وغيرت خرائط وأفرزت ثقافة أوشكت أن تعلن الطلاق والقطيعة مع ما قبلها.

وما أن لثغنا بأول حرف من أسمائنا أو اسماء أوطاننا ومنها فلسطين حتى كانت النكبة حين عادت الجيوش تجرجر هزيمتها في زمن قال عنه محمود درويش إنه زمن القرش المثقوب، ومنذ أول طبشورة تطاير غبارها على وجوهنا في درس الجغرافيا حتى الآن ونحن نحصي أيامنا بعدد قتلانا وخسائرنا وليس بملاعق القهوة كما قال الشاعر ت . س . أليوت.

حين بلغنا العشرين وكنا على موعد مع ربيع العمر، صحونا على هزيمة لم نكن طرفا في الحرب التي أدت إليها ثم استمرت المتوالية الدرامية التي لم تبلغ ذروتها بعد لنكتشف أننا لم نعش، وأن من يتوهم أنه عاش ليس آدميا بالقدر الكافي الذي يحرره من عالم الحيوان، وما كتبه جيلنا من مذكرات راوح بين اختراع الماضي أو إعادة إنتاجه بكثير من الحذف والإضافات وبين الاستغراق في المُتخيّل والمحلوم به لا المًعاش، وهناك من فوتوا إلى الأبد على أنفسهم وثقافتهم وأحفادهم فرض الشهادة على واقع دونه الجحـــــيم ليس فقــــــط بسبب كــثرة المحظورات والخطوط الحمر التي تعج بها ثقافة الخوف والاحتراز والتجنّب، بل لأن الرقيب الأشد صرامة يقيم تحت جلودنا، وهو الذي تعلمنا منه أن نكتب بقلم تتدلى منه ممحاة، ولهذا السبب تضاعفت مساحة قارة المسكوت عنه عدة مرات، مما أنتج هذه الشيزوفرينيا التي انتشرت على نحو وبائي.
من يجرؤ أن يدّعي بأنه قد عاش نتوسل إليه أن يروي لنا ما فعل وليس ما تخيّل أو اشتهى مع وقف التنفيذ، لكن هناك بشرا لديهم من فائض القدرة على خداع أنفسهم بحيث يصبحون سواهم تماما، كالمجنون الذي يؤدي التحية الامبراطورية لنفسه أمام المرايا.

العيش الذي أعنيه ليس إشباع غرائز رغم تعذر ذلك في حياتنا وليس سفرا أو ممارسة علاقات سريعة، إنه تحقيق التناغم مع الذات بحيث تبوح بما تفكر به وليس بما هو مسموح لها قوله، وحين تساءل الشاعر أليوت عن الحياة التي أضاعها في العيش لم تصل رسالته إلى المرسل إليه، شأن كل شعر يتخطى المعطى والمحسوس إلى آفاق أكثر تجريدا.

إن من يجرؤ منا على الزعم بأنه قد عاش يضطرنا إلى تذكيره بخروف العيد الذي يشتبك مع خروف آخر على عشبة وينزو باستغراق ويثغو وهو يتجشأ ما اتخم به من العلف رغم أن عنقه قاب يومين أو أدنى من السكين.

والإنسان حين يولد مرتهنا لكل ما يحول دون تحقيق لذاته، تصبح سيرته الذاتية قابلة للاختصار في مثل شعبي عن شخص اسمه جبر، الذي لم تكن حياته إلا المسافة بين رحم أمه والقبر.

ومن فهموا الحرية على أنها الحق في اختيار درجة الانحناء هم أردأ العبيد إن كان هناك تصنيف أو مفاضلة في العبودية، ومن تصوروا أنهم عاشوا فذلك فقط لأنهم لم يموتوا مبكرا، والحقيقة أن أقسى وأقصى موت للآدمي هو أن يدفن داخل جلده، وأن ينزف إنسانيته حتى آخر كلمة ودمه حتى آخر قطرة بدون أن يراه أحد لأن هناك نزيفا داخليا وغير منظور للذات وليس فقط للدم.

اليوم وبعد عقود من قراءتي الأولى لمذكرات نيرودا أتجرأ على القول بلا تردد أشهد أننا لم نعش.
_______

*القدس العربي

شاهد أيضاً

maxresdefault

في الحاجة إلى الغير .. قراءة فلسفية في فيلم Cast Away

خاص- ثقافات *أحمد العطار كلاكـيت أول: السينما و الفلسفة         تأخد علاقة السينما و الفلسفة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *