الرئيسية / نصوص / حِكَايَةُ مُتْعَبْ مَع َالسَّيدَة ميم
img00e23177ab4ff

حِكَايَةُ مُتْعَبْ مَع َالسَّيدَة ميم

خاص- ثقافات

*سيومي خليل

يَنظرُ مُتْعَبْ إلى صُورته في المرآة ، لا يرى وَجهه ، يَبْدو الحَائط وَراءه بلونه الأَبيض ، وتَبدو بعض المَلابس المُعلقة عليه ، يَرفع يده اليُسرى ، فَلا يَراها على المرآة ، يُزيل المرآة عن الحائط، ويُوجهها جِهة خاصرته، لا يَراها أيضَا ، يُحرك المرْآة عَلى كُل جَسده ، تَبدو كُل الأَشْياء المُحيطَة به ، ولا يَظهر منْ جَسده شَيء .

يُفكر مُتعبْ قَليلاً ،ويَتَذكر أنْ ليس عليه أَنْ يُفكر، يُبعد كُل تلك التَّفسيرات الآثمة التي كَانت سَتَأتيه ، يُعيد المرآة ،ويَنْسى أَنَّه تركَ كَاملَ جَسده فيهَا .

يُغادر متعب البيْت ، يُصَادف علَى درَابزين العمارة التي يَسكنها جَاره متعب الآخر :
صَباح الخَير ..
لا يَرد عَليه الجَار ،فَيَحني متعب رَأَسه ،ويُتم طَريقه كأنَّه سَمع ردَّا جَمْيلاً من جَاره .

أًَمَام بَاب العمارة يمُر مُتعب علَى مُتعبين آخَرين .
السَّلام عَليكم …
لا يَرد أَحدٌ منهم ، يَتَوقف متعب هَذه المَّرة ، يَلتَفت إليهم ، فَينتبه إلى أَنَّ شيئا مَا يُمَيزهم ، يُحاول مَعرفَتَه ،فَيتَذَكر أَنَّ علَيه أنَ لاَ يَعرفَ شَيئا ، يَحْني رَأَسَه ، ويَخطو خطُوات سَريعة ليَبْتعد عَنْهم ،وعَن الشيء المُميز الذي كَان يُحَاول البَحث عَنه فيهم .

يخطو مُتعب وهُو يَعُد إلى مَا لاَنهاية ؛
واحد ، إثنان ، ثلاثة ، أَربعة …
أَو يَسرد قصَّة لنفْسه عَن بَطل كَان يحلم أن يَكُونه ، أو يَصف مَشَاهد حَميمية مع إحدَى المُّتعبَات ،وفي أصْفى حَالاته النَّفْسية يُكرر داعَاءَه الأَثير ؛
اللهم اجعل أَفئِدَة من النَّاس تهوى إلي .

في الطَّريق يصْطدم متعب بكل شيء إِلاَّ بالقُلوب ، يَصطدم بِِمُتَعبين آخرين ، يَعتذر منهم ، ولا يَعتذرون منه ، يَصطدم بالبنَايات ، فَيرفع يَده مُعتذرا مِنْهَا ، وتبقى هِي كمَا كَانَت دائما. وهُو يَصطدم بسيدة بَدينة ، فَكر أنْ يَسأَلهَا هل هي السَّيدم ميم ، فَتذكر أنَّ عليه أنْ لاَ يسأل .

عَرف مُتعب السَّيدة ميم مُنذ كَان يَافعا ، تَعرف عليهَا عنذ أول سُؤال طرحَه ، ولَم يُعجب أحدَا من الحَاضرين ، كَان اجتماعا حَول شَيء مَا ، فلا بد للاجْتماع أَن يكونَ حَولَ شَيءٍ مَا ، وكان الاجتماَع في مَكان ما ، يُمكن أَن يَكون شقة ضيقة ، أو رُكن مقهى ، لَكنه لاَ يَتذَكَر شَيئا ، حَاول أن يَتذكر المَكَان ، فَتذكر أَنَّ عليه أَن لا يتذكر شيئا .

بعد أَن تَعرف متعب على السيدة ميم ، نَفَر منهَا أول الأَمر ، فلم تَكُن مِن الَلواتي يثرِنَ أحدَا ، كَان يَتحاشاها ما أَمكنَه ذَلك ، لكن إِصرار كُل الحاضرين ، وإِنْ اختلفوا في أُمور كثيرة ،أنَّ السَّيدة ميم مُريحة ، جَعله يشك في إلتزامه بِقَوانين الجَماعة ، كَانوا يُحَدِثُونَهُ عن مغامراتهم مع السيدة ميم بلذَّة شَبقية لمِْ يَعرفها يومَا ، كُل واحد منهم كَان يَصف التَّضاريس الخَفية لِبَدنها السَّمين . لقَد إستنَتج ،حِينَ كَان الاسْتِنتاج مَسموحا به ، أَنَّ السيدة ميم مُعادل للدفء ، هي شَط آمن للهَائمين الجدد، والذين يَمْشُون علَى أسياخ حَامية من أثر نَار السؤال .

السَّيدة ميم شِفَاؤُك …
هَكَذا قَال لَهُ كثيرون .

بَعد مَعرفته لسَّيدة ميم تَعلم أنَّها مرادفة للرَّاحة ، فَحِين يَحتاج إلى لحَظة صَفاء لا يكدرها سُؤال وجُودي ، أو قَلق ، أو مُحَاولة للبَحث في شيء ما ، كَان يَكْفيه أن يكتب رقم هَاتفها ،ويَدعوها للحُضور إِلى غُرفته ، أو إلى مَكتبْ عَمله ، أو الى رُكن المَقهى الذي يُدْمن عليه ، أو حَتَى في الشَّوارع التي يَتَنقل بَينهَا … كان يَكفيه أَن يَقُول لهَا أَحتَاجُ إلى دفئك ، كَي تَحضر سَريعا ، ودُون تَردد ،وأَول ما تَفعلُه وهي تَرَاه هو أَنْ تُزيل عنها كل مَلابسها ، ليْظهر جَسدٌ مُترهل بالكامل، وتَبدَأ بَعد ذلك في القيَام بتدليك شَامل لِجَسد ، ورُوح ، ونَفس متعب .

عُرف عَن متعب مُلازمته السَّيْدة ميم ، كَما عُرف عنْ آخرين مُلاَزمتهم لِنفْس السَّيدة ميم ، دُون أن تَكون بينهم بَغضَاء، أَو قِلة مِن حَسد ، بل يَحدث غَالبا أن تَحضُر السَّيدة ميم مَعهم فِي نَفْس الوقت ، ونفْس المكَان ، وتُمارس إغْرَاءها بِشكل جَماعي ، وتَتناول مَعهم رَشفات من سَجائر حَشيش رخيص ، أو تَكتفي وإياهم بمُشَاهدة مُبَاراة البارصا والريال ، والتَّأسف عَلى ضَياع هدف مُحقق لميسي ،وحين يُغادرُون تُغادر مَعَهم السَّيدة ميم ، تغَادر مَع كُل وَاحد منهُم .

قبل أَنْ يَكتَشف مُتعب أَن صُورتَه لمْ تَعد تَظهَر علَى مرآة شُقته ، أَو على زُجُاج مَحَلات الشَّوارع التي يَمر منهَا ،كَانَ يَشعر أنَّه غير مَنْظُور ، فَمع وُجود السَّيدة ميم دائما بجَنبه ،كَان يتقلص حجْمُه ، ولا يَرى الآخرون إلا جَسَد السَّيدَة ميم ،كَأنه كان يَدْخُل فيها ، وتَحْجُبه إِحدى طَيات جسَدها البدين والمترهل ،كان شُعورُه بالإِهْمَال قَوي جدَّا ، لدَرَجة أَنَّه فَكر يَوما ما أنْ يُصارحها بِرَغْبته في الإبتعاد عنهَا ، لكن عَقْلَه كَان قَد تخرب بالفعل ، وكُل محاولة للسؤال والبحثْ حِينهَا كَانت ستَبدو حُمقا ، فَأجوبة غَير *معرفتش ، وما سوقيش ، وماشي أنا ، وما عندي حتى شي علاقة بهاد الأمر…* كانت ستبدو سَخيفة لِرجل أدمَنَ سَيدة تخفيه .

شاهد أيضاً

12278956_1138527649510434_3756420391345557967_n-1-1-1-1-1-1-1-1

قصص قصيرة

خاص- ثقافات *محمود شقير حائط قديم        اسمي حليم.      اقتربتْ مني وقالت: هيّا …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *