الرئيسية / مقالات / وهم جمال زائل

وهم جمال زائل


*بسمة النسور


حققت عارضات أزياء شهيرات، لمع نجمهن منذ منتصف الثمانينيات، من أمثال نعومي كامبل وسيندي كرفورد وكلوديا شيفر، وغيرهن، أرباحاً طائلة بأرقام فلكية، تضعهن في مصاف أشهر أثرياء العالم ممن يمتلكون كل شيء، وكل ما لا يلزم من أسباب الترف، وممن يعملن على مدار الساعة، وفي أكثر من مجال، لإدراكهن الذكي أن عمرهن الافتراضي في المهنة لن يتعدّى سنوات محدودة، وقبل أن يُحلن على التقاعد المبكر جداً، ويصبحن نسياً منسياً، ما لم تعمد العاقلة فيهن إلى البحث عن مصادر استثمارٍ أخرى، بعيداً عن الاتكاء على عرض الجسد الذي سرعان ما سوف يخون صاحبته.


الأسماء أعلاه قصص نجاح لجميلات بدأن صغيراتٍ في عرض الأزياء، ووسّعن دائرة نشاطهن باتجاه الاستثمارات التجارية، وحافظن على مستوى حياةٍ باذخ، فلم تخذلهن الأضواء، حتى لو انحسرت، بعض الشيء، لصالح عارضاتٍ أصغر سناً. ومع ذلك، حافظن على تماسكهن ووجودهن في سوقٍ لا ترحم. 
ولكن، ماذا عن تلك الجيوش المجيّشة من الفتيات العاملات في هذا الحقل قصير العمر؟ أي مستقبلٍ ينتظرهن في نهاية المطاف؟ وبالأحرى، أي رصيدٍ سيتركن لشيخوختهن المبكّرة جداً، ولا سيما أن من يلمع منهن لا يتجاوز عدد أصابع اليد، في حين تعيش الغالبية العظمى منهن، وفق تقارير مروّعة، في ظروف عملٍ تصادر إنسانيتهن من خلال الاستغلال الجنسي، والحرمان الكامل من أبسط حقوق الإنسان، المتمثلة في الغذاء الصحي المتوازن، فيعمدن إلى التهام المناديل الورقية لسد جوعهن، تحت طائلة الطرد في حالة الخروج، ولو مرة، عن النظام غير الغذائي الصارم، الخالي تماماً من النشويات والبروتين.
يستطيع المتابع مشاهدة صور صادمة لنماذج من تلك الهياكل العظمية المخيفة التي ترتدي الساتان، وتخفي تحته ضلوعاً شوهاء بارزة، مغطاة بطبقة جلدٍ جافة، وقد لاقت أكثر من عارضة أزياء شابة مصرعها من فرط الجوع، حرصاً على عدم إضافة بضعة غرامات لوزن معدومٍ أصلا. وقد أثارت، قبل سنوات، حادثة مصرع عارضة أزياء برازيلية في العشرين من عمرها جوعاً، جدلاً كثيراً في الغرب بشأن خطورة هذا الاستغلال غير الإنساني لهوس الفتيات بالرشاقة والجمال، وأعيد طرح سؤال مقاييس الجمال المعتمدة. وثمة اتجاهات قوية تدعو إلى إعادة النظر في تلك المقاييس، كونها مضادّة ومخالفة لطبيعة الجسد الإنساني، حيث يعمد المشتغلون في هذا الحقل إلى تفريغ العارضة من مضمونها الإنساني، بحيث لا تختلف هيئتها عن “المانيكان” البلاستيكية المثبتة بالحبال خلف الواجهات الزجاجية للمحال التجارية، ويفرضون على العارضة حياد الملامح وتجهماً حين ظهورها على خشبة العرض، مقلدة طريقة مشي القطط، حيث تعتبر العارضة، وفق مواصفاتهم، متفوقةً بقدر ابتعادها عن التعبير الإنساني.
الخطير أن هوس الرشاقة والجمال تفشّى في صفوف بناتنا الصغيرات، إلى درجةٍ تبعث على القلق، وإذا كان الغرب يتعاطى مع أمراض فقدان الشهية العصابي (أنريكسيا- أو بوليميا) بانفتاح، فيسهبون في شرح الأخطار النفسية والجسدية لهذا المرض الذي يؤدي إلى الموت، أو إلى اعتلالٍ نفسيٍّ ووظيفي كبير، فإن الأمر ما يزال لدينا مغمغماً، وغير معترف بمدى خطورته بعد.
صغيراتنا يتخذن من العارضات والممثلات ومغنيات الروك مثلا أعلى يقتدين بهن، وهن مرشحاتٌ للوقوع في براثن هذا النوع من الأمراض الحديثة التي أوجدتها صناعة صيحات الجمال الوحشية، غير عابئة بحجم الضحايا، من فتياتٍ صغيراتٍ وقعن بسهولة تحت الوهم بالكمال، وسعين من دون تفكير إلى التماهي مع تلك الرموز.
ويكفي أن نزور أياً من المحال التجارية، ذات الماركات العالمية، لنكتشف أن تلك الشركات لا تعترف سوى بمقاس واحد، لا يتعدى (الصفر)، مقاساً مثالياً، متفقاً عليه دولياً، على الرغم من عدم انسجامه مع بديهية الاختلاف بين البشر غير المصنعين في قالب واحد.
ما يؤدي إلى الإحباط والشعور بالنقص لدى تلك الصغيرات، غير المتصالحات مع ذواتهن، الساعيات وراء وهم جمال زائل، غير منتبهاتٍ إلى حجم الخواء الذي يراكمنه في رصيد أرواحهن الذي بلغ درجة الصفر أو أقل. 
______
*العربي الجديد

شاهد أيضاً

أيُّهما أولى : حياة مجتمع المواطنة أو موت”الوباء” ؟

      (ثقافات)                *  سعيد بوخليط                                                             …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *