الرئيسية / فنون / التّانغو.. رقصة المذبوحين من الألم

التّانغو.. رقصة المذبوحين من الألم



*غبريّالاّ رييرت / ترجمة: أحمد حميدة


هناك أفكار شائعة كثيرة عن التّانغو، عامّة ما تجعله مرتبطاً في الأذهان بأصوله اللاّتينيّة وبطبيعته النّخبويّة، غير أن كلمة تانغو، التي لا شكّ في أنّ أصولها أفريقيّة، تحيل الكثيرين على تسريحة الشّعر الملمّع لغاردال، إلى الصّالونات الأوروبيّة في السّنوات الصّاخبة، أو إلى ما كان يشبه فنّ الأوبريت، هذا الفنّ الذي كان غالباً يخلط بفنّ الفلامنكو.
إنّ اللون البرتقالي الفاقع الذي أعطى اسمه للفلامنكو، والخطى المعقّدة لهذه الرّقصة، التي انتقلت من ظلام المواخير إلى أضواء المسارح الباريسية والنيويوركيّة في النّصف الثّاني من القرن التّاسع عشر، والملابس المبهرجة التي كان على الموسيقيين ارتداؤها لإبراز غرابتهم، والشّخوص النّمطيّة التي كانت تبرز في هذه الأغاني..، كلّ ذلك كان يعكس جانباً من القوّة والعنفوان والاندفاع في هذا الفنّ، ولكنّه لا يعكس في الحقيقة سوى وجه واحد من وجوه التّانغو.
أمّا الوجه الخلفيّ لهذه الواجهة الخادعة، فهو دامس وحزين. لقد حمل التّانغو، الذي نشأ بين المهاجرين المكدّسين بالأحياء العمّاليّة لبيونس إيرس ومونتفيديو بالأرجنتين في نهاية القرن التّاسع عشر، علامات وجع وتقطّع، كما حمل آثار الشّعر الغنائي والأغنية الأوروبية التّقليدية، التي ستقوده لا محالة إلى حالات من الأنين والشّكوى.
منذ نشأته، وبغض النّظر عن المظهر المثير للرّاقصين والرّاقصات، فنحن نقرأ على وجوه راقصي التّانغو دوماً، وقاراً ممزوجاً بالحزن، فالموسيقى والرّقص والكلمات في هذه الرّقصة تنبع من طقس غريب، غاية في الانفعال والشّهوانية والسّحر.
بدايات صاخبة
يرتبط التّانغو في نشأته كجنس موسيقيّ بالنموّ الدّيمغرافي الهائل بحاضرتي ريو دي لا بلاتا وبيونس إيرس، التي تزايد فيها عدد السكّان، فيما بين 1880 و1910، من 1.200.000 إلى 2.100.000 ساكن.
لا شكّ أنّ الفنّانين الأوائل الذين أسهموا في نشأته هم المهاجرون الأوروبيّون الذين استلهموا التّقاليد الموسيقيّة لأوطانهم الأصليّة، وخاصّة منهم الإيطاليّون. ومع ذلك، فإنّ كلمة تانغو كما كلمة « ميلونغا « التي تطلق على موسيقى ورقصة سبقت شعبيّتها التّانغو، هي من أصل أفريقي، ورواجها في أميركا اللاّتينيّة في نهاية القرن الـ 19، كان يتجلّى دائماً في الرّقصات والإيقاعات الأفريقيّة التي تصاحب الاحتفالات، في تلك الرّقصات كانت تستعمل الطّبول، ويرقص الرّجال والنّساء وهم وجهاً لوجه. إلى حدود 1850 تقريباً، كانت الجالية الأفريقيّة هامّة جدّاً في بيونس إيرس ومنتفيديو. وكان العبيد القدامى معروفين بمهاراتهم الموسيقيّة ويحظون بشعبيّة كبيرة. وحين سيطر اللّيبراليّون على الحكم سنة 1852، ستتنامى العنصريّة، وسيعمل الوافدون الجدد على أن يحلّوا محلّ الزّنوج، كما سيعملون على استلهام تقاليدهم الموسيقيّة وطريقتهم في الرّقص.
هكذا سينشأ التّانغو في أوساط المهاجرين، في الضّواحي الفقيرة، حيث تنتشر دور البغاء والمقاهي التي توجد فيها فتيات غانيات في المتناول. وانضمّ إلى هؤلاء، المهاجرون من البامبا الأرجنتينيّة، رعاة ذوي أصول هنديّة، هم «الغوشو» الذين كانوا يبحثون عن عمل في المدينة، وكانت بين هؤلاء، شخصيّات نموذجيّة مثل «غوابو» الرّهيب، الذي كان يجسّم حالة الإرباك والضّياع التي ميّزت حياة الغوشو على إثر الانتقال الصّعب والمرير من عالم البامبا (المروج الرّحيبة في الأرجنتين) إلى عالم المدينة. ومثل هؤلاء يؤدّون دور الزّعماء أو القادة. أمّا بالغو الحساسيّة فكانوا غالباً ما يتمعّشون (من المعاش) من الجريمة والبغاء، والموسيقى والرّقص الذي كانوا يمارسونه بكثير من الكبرياء، سواء بين الرّجال أو مع الفتيات الغانيات، فهو ما كان يعرف بـ «الميلونغا»، وهي مشية شبيهة بتمطّي القطّ، شهوانيّة ووقحة، يتمّ فيها الرّقص على إيقاع المزامير، آلات الكمان والبيانو: وكانت تلك هي بدايات التانغو.
هذيان وسحر
في مطلع القرن العشرين، بدأت هذه الموسيقى التي نشأت في الشّارع، تتماسك بفضل موسيقيين مثل فيلّولدو، ماتوس رودرغيز، كنارو.. الذين باتو يُعتبرون الرّعيل الأوّل للتّانغو. عمل هؤلاء على كتابة النّصوص الموسيقيّة، على إحكام تركيبة أوركسترا العازفين، ثمّ أدخلوا « البندنيون « (آلة شبيهة بالأكورديين)، تلك الآلة الجديدة التي سيكون تأثيرها كبيراً على التّانغو الأرجنتيني.
وبداية من 1906، وخاصّة منذ سنة 1910، غداً هؤلاء الموسيقيّون يسافرون إلى باريس لتسجيل أعمالهم على إسطوانات. وفي باريس كان تتويج التّانغو، الذي أحدث عاصفة من الهوس والولع لدى ارستوقراطيّة المجتمع، فعاشت باريس بذلك ما عرف «بالسّنوات الصّاخبة « للتّانغو.
بسرعة مذهلة لقي التّانغو رواجاً سريعاً، الموسيقى كما الرّقصة، وفي السّفارة الأرجنتينيّة كان هنالك حرص على أن لا تصبح هذه الرّقصة علامة مُذلّة لبلد محترم ومسيحيّ.
حينها بادر كارلوس غاردال بالارتقاء بالتّانغو «من الأقدام إلى الشّفاه»، فغنّى «ليلتي الحزينة» في المسارح والحانات، وأضحى هذا «الفرنسي الصّغير» كما كان يسمّى، يثير عاصفة من الحماس لهذه الرّقصة على جانبي الأطلسي.

الإثراء والتّعميق
لقد كنّا (فويموس) 1945
كلمات هوميرو مانزي
أداء أستور بيازّولا وجورج سوبرال
كنت مثل مطر من رماد وتعبْ
طيلة ساعات بلائي في الحياة
قطرة خلّ مهرقة
مهرقة بلا رحمة على كلّ الجراح.
بسببي.. غدوت خطافاً تائهاً في الثّلج،
وردة أذبلتها غيمة لا قطر فيها
كنّا الأمل الذي لا يأتي، الذي لا يُقبل،
ولا نستشعر الغسق المتباطئ،
كنّا ذلك العابر الذي لا يتوسّل.. لا يتضرّع،
لا ينتحب، ويسلم نفسه للموت،
فلتتواريْ..
ألا تدركين بأنك تقتلينني؟
ألا تدركين بأنّني أناديك؟
فلتتواريْ..
لا تحضنيني! فأنا أبكيك
وأودّ لو أنّني لا أمعن في البكاء.
ألا ترين؟
إنّي لأنشد زوال وجعي
أن أراه يتوارى مع حبّك
أن أكون طليقاً من حبّي الأخير.
لتتواريْ..
ألا تفهمين بأنّني أنقذك؟
ألا تفهمين بأنّني أحبّك؟
فلا تتبعيني ! لا تناديني! لا تعانقيني
لا تبكيني! ولتتوقّفي عن محبّتي
كنّا مطوّقين بنذير شؤم
في عتمة طريق يائسة،
جثث شاحبة لناجين من الغرق،
تتقاذفنا أمواج الحبّ والحياة.
لقد دفعت بنا ريح شاردة.. فغدونا
خيالين لخيال عائد من زمن مضى.
لقد كنّا الأمل الذي لا يأتي.. الذي لا يقبل
ولا يستشعر الغسق المتباطئ.
كنّا ذلك العابر الذي لا يتوسّل.. الذي لا يتضرّع
الذي لا يبكي ويسلم نفسه للموت.
لقد وضعت الحرب العالميّة الأولى والموت الفاجع لغردال نهاية لتلك الحقبة، ولكن بداية من 1930، استأنف التّانغو مسيرته بثبات، فازداد ثراءه حين احتكّ بالجاز والموسيقى الكلاسيكيّة، وذلك بفضل قادة أوركيسترا مثل جولي ودي كارو، أوزفالدو بوغليزي، أنيبال تروالو، خوان دريانزو..، كما تعدّدت فرق الأوركسترا، فتنوّعت تبعاً لذلك ألوان التّانغو، أنيبال تروالو، العازف الماهر على « البندنيون «، أعطى مكانة أكبر للتّآلف النّغمي (الميلودي) وللأداء المنفرد للعازفين وللإيقاع البطيء، أوزفالدو بوغليزي من ناحيته، سيجعل الإيقاع أكثر انتظاماً، فيما ذهب خوان دريانزو إلى اعتماد الإيقاع السّريع..
الكثير من المغنّيات والمغنّين الموهوبين مثل أنجال فرغاس وسوزانا رونلدي، باتوا يؤدّون تآليف موسيقيّة لشعراء معاصرين منفتحة على مواضيع أكثر عاطفيّة، وإن غدا الاغتراب هو الموضوع الأثير في تآليف وعروض التّانغو. وظلّ التّانغو هكذا محافظاً على مكانته رغم منافسة الجاز، بل امتدّ تأثيره إلى المسرح والسينما في فترة ما بين الحربين، وإلى الأغنية الفرنسيّة كذلك (برال، ليو فيرّي، بوريس فيان..).
مع بداية الستّينات، أصبحت موسيقى التّانغو مقترنة باسم أستور بيازّولا الذي كانت علاقته ببيونس إيرس صعبة في البداية، فبعد أن أمضى طفولته في نيويورك وجزءاً من شبابه في أوروبا، حيث تأثّر بالموسيقى الكلاسيكيّة (رخمانينوف) وموسيقى الجاز، تلقّى بعض الدّروس على أيدي المؤلّف الموسيقي ناديا بولنجي، ولمّا لم تحظ أعماله بالتّرحيب في بيونس إيرس، سعى إلى جعلها أقرب إلى الموسيقى المعاصرة منها إلى موسيقى التّانغو. ومع ذلك فقد لاقت تلك الأعمال نجاحاً باهراً في باريس، ثمّ في كلّ أنحاء العالم. ففي الوقت الذي غدا فيه التّانغو يمرّ بأيّام صعبة، جرّاء الانتشار الكاسح لموسيقى الرّوك، وبسبب ارتباطه بالنّظام البيروني المنهار، كان بيازّولا هو من بادر بإحيائه وإطلاق أنفاسه من جديد، فعمل ضمن مجموعات موسيقيّة مصغّرة، وأعطى الصّدارة لآلة البندونيون. وحينها ألّف الشّاعر هوراسيا فيرير نصّاً أوبراليّا للتّانغو بعنوان «ماريا.. من بيونس إيرس» الذي يروي قصّة هذه الموسيقى على لسان مومس عايشت مسيرة الّتّانغو. بعض المؤلّفين الآخرين، رافقوا في النّصف الثاني من القرن، النّفس التّجديدي لبيازّولا وخاصّة منهم سلغان الذي أقحم القيثارة الكهربائيّة في مجموعاته الموسيقيّة. أمّا نهاية القرن فقد شهدت ميلاد تانغو جديد، شديد التأثّر بالموسيقى المعاصرة (ساتي، داريوس، ميلهو) والجاز (غيدو كريمير).
لقد بات التّانغو اليوم، لا مجرّد موسيقى أو مجرّد رقصة، وإنّما عالم رحيب، لغة ومشاعر، موسيقى معاصرة تصحبها حركات وكلمات شديدة التّناغم مع إيقاع العصر. لقد أعاد الشّباب الأرجنتيني في نهاية التّسعينات اكتشاف تلك الموسيقى وتلك الرّقصة، ليعثر فيها على إحدى مكوّنات هويّته.
الموسيقى الإلكترونيّة هي الأخرى تستلهم إيقاعات هذه الموسيقى، فيما تعمل السّينما على بيان سحرها وجاذبيّتها (شريط « درس التّانغو « لسالّي بوتّير سنة 1994، شريط «تانغو» لكارلوس سورا سنة 1998 . ولا تزال الأماكن التي تقام فيها حفلات التّانغو أماكن مشحونة بالفرح وبتلك الذّبذبات اللاّمرئيّة التي تعطي لعروض تلك الرّقصة وموسيقاها مسحة شبه تعبّدية.
العذاب الأسود
تقول كارمن برنان، أستاذة في جامعة باريس 10، إن التانغو هو رقص الأفكار الحزينة، وأشبه بأحزان راقصة، وهو رقص التأمل في المصير البائس. وعلى خلاف الموسيقى اللاتينية الفرحة، ينقل التانغو معالم هوية المكسيكيين الأساسية، مثل الإحباط والحنين والنقمة، ومعنى الوجود المأسوي.
تحدرت موسيقى التانغو الراقصة من تانغو السود، أي من أماكن كان يلتقي فيها الرقيق والأحرار السود، في مطلع القرن التاسع عشر، ويحتفلون بأعيادهم على إيقاع الطبول، قبل أن يتدنى عدد السود في بوينس آيريس النصف الثاني من هذا القرن.
_______
*الاتحاد الثقافي 

شاهد أيضاً

مسلسل لعبة الحبار: الدراما الكورية… وعوامل الاكتساح

*رامي أبوشهاب يرى الفيلسوف الألماني نيتشه أن دراسة الظواهر الهامشية، أو قليلة الشأن يكاد يحتمل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *