الرئيسية / قراءات / أحمد خلف: الحلم العظيم والانكسارات النفسية..

أحمد خلف: الحلم العظيم والانكسارات النفسية..


خضير اللامي


كتب إليّ أحمد خلف رسالة مع صدور روايته “الحلم العظيم” الصادرة عن دار المدى 2009، يقول فيها: الرواية التي بين يديك تمكنتُ من خلال صفحاتها قول ما لم أتمكن من قوله فيما مضى من سنين..” 
إذاً، هنا يتوقف المرء، أمام هذه العبارة ويتأملها، لأنها اعتراف صريح من سارد تمرس في كتابة القصة والرواية، وله رصيد في العملية الإبداعية عموماً. إن هذه الرواية وتعلقاً بكلامه هذا، غير ما كتب سابقاً، أو بعبارة أخرى، أن هذه الرواية هي تجاوز لما كتب أحمد خلف إلى حد ما بما فيها رواية “موت الأب”، وكان عليّ أن أعيد بعض ما قد قرأت له من سرديات تتوافر لدي، أو استعرض ما علق في الذاكرة، ولأنني لست ناقداً مهتماً بالأدب المقارن، بيد، أنني أزعم لنفسي أنني قارئ يستطيع أن يبدي رأيا في تأكيد ما ذهب إليه قوله هذا.. 
وفعلا، تظهر ملامح مهارة السارد في رواية “الحلم العظيم”، منذ استهلال روايته هذه، إذ ثمة تداعيات بين قصته هذه مع المرأة السمراء عشيقته وجارته، وقصة شهرزاد في (حكاية حمال بغداد) التي تلتقي حمالا في السوق وتطلب منه بعد تسوقها أن يحمل بضاعتها إلى دارها.” ويفعل فتى أحمد خلف ما فعله الحمال في سيره وراء الفتاة ذات العيون السود… ص 16. وتمكن الآن بفعل هذه المخيلة من تبادل المواقع مع الحمال. ص 17 ” ونادته المرأة، التي تدعى شهرزاد، أن تعال يا عبد الله. كان هذا اسم الفتى واسم حمال بغداد. نادته به جارته التي اسمها شهرزاد أيضا، طالبة منه أن يدخل دارها. 
هنا يبدو لنا، أن السارد، كان من القدرة الفنية والمهارة، بحيث يزاوج بين حادثتين مختلفتين زمانا ومكانا لكنهما ذات ثيمة واحدة، هي شبق كل من شهرزاد في ألف ليلة وليلة التي ادمن ــ كما رأينا ــ على قراءتها، وزمن شهرزاد أحمد خلف. وعلى مساحة نسيج هذه الرواية نجد الكثير من هذه الاسترجاعات والاستباقات المحبوكة بمهارة. 
في الرواية، ثمة ثيمتان، إذا استثنينا ثيمة انصراف كاتب القصص والروايات إلى الاهتمام بأسرته وبخاصة إلى ما يشكل شقيقه العليل من هم له يصل إلى حد المحنة، الذي سقط ذا يوم من على الحائط مما تسبب في كسر ورضوض في بعض عظام جسمه، وتحول إلى مُقعد لا حول له ولا قوة. تناول حبكتهما الراوي: ثيمة الجريمة والجنس مع جارته زوجة بائع الحاجات اليدوية، ومن مرقبه، من خلل نافذة غرفته، في علية البيت، يراقب عالمه الخارجي كما ثقب باربوس في رواية الجحيم بما فيه نسوة الزقاق، ويروح يطلق على بعضهن، أفروديت، وكليوبترا، وزنوبيا ملكة تدمر، ويختار من بينهن امرأة في الثلاثين ــ وهي ثيمة توزعت جسد الرواية وتحتاج إلى دراسة تفصيلية لما انطوت عليه من تفاعلات سيكولوجية وعاطفية وتحليلات نفسية واجتماعية وأولها جنسية، فضلا عن الدافع المادي لقتل زوج العشيقة ــ التي أخبرته بان زوجها يملك ثروة طائلة، لا تعرف أين يدخرها، مما اغرى مؤلف القصص والروايات بعد أن طلبت منه عشيقته ان يتخلصا منه بقتله والاستيلاء على تلك الثروة التي حلم بها. لكن في نهاية الأمر لم يكن هناك مال ولا يحزنون، إنما هناك نقود ملكية برونزية أكل عليها الدهر وشرب، مما أحدث خلافاً بين مؤلف القصص والروايات وعشيقته. فضلا عن مشاهد جنسية مبثوثة في متن الرواية، يصف فيها فحولته مع المرأة… التي كان يعاني منها مؤلف القصص والروايات ولا ندري إن كان يشير إلينا السارد أن القتل حدث فعلا أم وهما، لأنه في الصفحات السابقة أشار مؤلف القصص والروايات إلى أن ثمة التباسا ما بين الحقيقة والتخييل وثمة خيط واهن يربطهما لا يمكن الوصول إليه بسهولة. ويبقى الامر سرا لا يعرفه الا المؤلف ذاته الذي قال ذات مرة: إنني وحدي أعرف كل شيء جرى وحدث. ص 39. ليس هذا حسب إنما ثمة إشارات تلمع إلى أن الجريمة كانت مجرد بنات افكار كاتب القصص والروايات. اذ ثمة استباق anticipation ، لحدث الجريمة، وقد يكون ذلك الاستباق قبل وقت قصير أو طويل وحسب زمن تخييل السارد للحدث. كما أن هناك علاقات عاطفية بين كاتب القصص والروايات مع شيماء شقيقة صديقه الماركسي جلال كريم من جانب، وزوجة الاب من جانب آخر. وقد فشلت كلتا العلاقتين. مما أدى إلى احباطات نفسية لدى مؤلف القصص والروايات. والثيمة الثانية، هي مجموعة أصدقائه الشباب اليساريين وبعضهم من المنشقين عن الحزب الشيوعي في ذلك الوقت، الذين انضووا تحت تنظيم ما سمي القاعدة المركزية الذي تغلغل بين صفوف الفلاحين في قصب الأهوار، كانطلاقة أولى لمواجهة النظام المستبد.. يرمي إلى أن يقدم لنا أحمد خلف منظورا اجتماعيا وسياسيا، من خلال تلك العلاقة، يحاول أن يطرح نفسه لا منتميا لجهة ما، وحين أخفق أولئك الفتية من تحقيق حلمهم صفاهم النظام السياسي حين ذاك.. ومات الحلم بعد ذلك. وانتهى الكفاح المسلح إلى سجن الحلة، واعترف الحمراني على رفاقه وخططهم مما حدا بهم إلى نبذه في السجن وعدم التعامل معه.
لم نر ما يجمع هذه الثيمات أية علاقة باستثناء مؤلف القصص والروايات الذي يُعد القاسم المشترك لتلك الثيمات وهو البطل المحوري لها، فهو شقيق العليل الأصغر، أولا، وثانيا، صديق جميع الشباب اليساريين في منطقته الذين قدم لهم يد المساعدة في اخفاء حقيبة السلاح فضلا عن زيارته لصديقه الحمراني في سجن الحلى، ورغم شكوك رجل الأمن فيه، وثالثا، عشيق المرأة السمراء الجارة. 
لا أبالغ اذا قلت، إن الكتابة الإبداعية وفي هذه الرواية بالذات، لدى أحمد خلف هي لعبة عسيرة عذبة، وممارسة متشابكة جميلة، بمعنى آخر، إنه أستاذ ماهر في خلق الشخصيات، وسرد الحدث وإتقان الحبكة والصورة، يحرك تلك الشخصيات بخيوط كما لعبة الدمى، يلعب بمصائرها أنّى شاء وصولا إلى ما يريد تثبيته من أجل موقف اخلاقي، وحتى موقف لا أخلاقي تعرض له بطل روايته كاتب القصص والروايات، من خلال النسيج السردي للرواية، مثل جريمة القتل التي اقترفها ضد زوج عشيقته، والتجاوز على حرمة صديقه جلال كريم من خلال علاقته مع شقيقته شيماء وزوجة أبيه، يؤهله في ذلك سرده الحكائي ولغته العربية الرصينة التي يتلاعب بها على وفق هواه أيضا.” وبدأ يميز بين جزالة اللفظ ومتانته واعتماد المجاز المبالغ به في تنقيته من المفردات النابية أو الجارحة للذوق وبين البساطة في الخطاب الذي يعتمد في جوهره على الصدق والجرأة والاحتكام إلى البحث عن الحقيقة. ص 74.”
وهنا، يخيل إليَّ أنه يقترب كثيرا من الروائي خوزيه ساراماغو في رسم شخصيات رواياته التي يخلقها لتصبح فيما بعد أستاذة له ولوحات فنية ماثلة امامه، طرزها بيده..
قال، ساراماغو في خطبته أمام لجنة نوبل للآداب في ستوكهولم حين تسلم جائزة نوبل للآداب..” إن شخصياتي في رواياتي كما في مسرحياتي، أراها الآن مباشرة، تمر أمام عينيَّ، أرى أولئك الرجال والنساء المخلوقين من الورق والحبر، أولئك الناس الذين أعتقد أنني قدمتهم بوصفي ساردا اخترتهم طبقا لنزواتي، وطوعتهم لرغباتي كخالق، مثل دمى ناطقة، أعمالها لا تؤثر عليَّ أكثر من عبء وتوتير خيوطها التي أحركها حيثما أشاء.. أولئك “الشخصيات” الأساتذة، دون شك، هم لوحات طرزتها بيدي.. وتحولتً الآن إلى أستاذ ومؤلف خالقها، أنني من دونها، لن أكون هذا الكاتب الذي يقف أمامكم الآن.. ” مجتزأ من خطبة ساراماغو.. ترجمة كاتب هذا المقال. “
إننا هنا، أمام شخصية مؤلف وأقصد به أحمد خلف، تنطوي مخيلته على كثير من الانثيالات والتداعيات النفسية والعاطفية والفكرية يوظفها في عملية إبداعية متمرسة، وما نجده في هذه الرواية هو فعلا عمل متميز عن أعماله الروائية السابقة، كيف لا وهو رائد متميز من رواد الجيل الستيني، وهو نتاج كتّاب ومؤلفين كبار، أمثال جان بول سارتر وألبير كامو وأندريه جيد ونجيب محفوظ وهمنغنواي وشارل ديكنز ورولان بارت، فضلا عن المدارس الأدبية الحديثة الخ.. الذي تأثر بتيار حريتهم وشكلت شخصيته الثقافية، مع تباينهم على مختلف مشاربهم ونزعاتهم الفكرية والأدبية، ونرى كثيرا من ملامحه الثقافية والفكرية وتطلعاته الذاتية وتساؤلاته الوجودية عن الحياة والإنسان والكون.
وقد تخلل نسيج متن الرواية جزء كبير من السيرة الذاتية لمؤلف الرواية أو السارد، حاول فيها أن يطرح اراءه وافكاره وعلاقاته العاطفية ومواقفه من الحياة والعالم والانتماء السياسي والفكري. ربما يعرف الكثير من اصدقاء احمد خلف شيئا عن سيرته الذاتية، لكننا في العمل الابداعي لا نأخذ حقائق جاهزة فيه إن وجدت. وربما نميل إلى مقولة رولان بارت الشهيرة التي يؤكد فيها، ” انه لم يعد هناك مؤلف بصفته مخاطبا ومصدرا للمعنى موثوقا به يحاول القارئ استرداده، بل هنا النص.. ” نظريات السرد الحديثة. ولاس مارتن، ترجمة: حياة جاسم محمد. ويؤكد ولاس مارتن ايضا ” هناك، إذاً، متغيرات في السيرة الذاتية يمكن ان يمنعاها من تقديم صورة ثابتة لحياة الكاتب، فقد تتغير قيمة الأحداث حين يُنظر إليها استرجاعيا flash back، وقد تكون النفس التي تصف الاحداث قد تبدلت منذ تجربة الاحداث اول مرة. ” واحمد خلف يعي هذا الفهم تماما، ذلك وهو القاريء النهم، قد هضم عشرات السير لمؤلفين كبار، مثل، اعترافات جان جاك روسو، وايام طه حسين، ومذكرات تنيسي وليامز، واللامذكرات أندريه مالرو، وعشت لارويها لماركيز، وسيرة نيكوس كازانتزاكي في كتابه تقرير إلى غريكو الذي تصدرته عبارة ” سيرة ذاتية فكرية ” لكنه يؤكد في هذه السيرة وفي ظهر الغلاف.. التقرير إلى غريكو، ليس سيرة ذاتية، فحياتي الشخصية لها بعض القيمة، وبشكل نسبي تماما، لي وليس تعلقا باي شخص آخر. والقيمة التي أعرفها فيها كانت في الجهود من اجل الصعود من درجة إلى اخرى للوصول إلى اعلى نقطة.. ” لذا فإن الجانب السيروي للمؤلف قد لا نجد له صدى مؤرخنا لمؤلف رواية الحلم العظيم، ما دامت قد كتبت بطريقة ادبية، بمعنى آخر، أن القارئ يجترح نصه الخاص، وبذا يصبح لدينا مجموعة نصوص، أو مجموعة سير. ويعزز كلامنا هذا، ان سيرة المؤلف على وفق كلام البنيويين، هي نص ليس إلا، وبالإمكان التعامل مع هذا النص، إذ يمكن تفكيكه إلى نصوص مادام يتعامل مع لغة أدبية محضة، أكثر مما هي لغة تندرج مهمتها في الحديث عن المؤلف نفسه. خاصة إذا كان صاحب السيرة الذاتية هو البطل الرئيس في الرواية ، لكن ربما نجد، تلبس شخصية مؤلف القصص والروايات، لبوس شخصية المؤلف وتقنّعه بقناع حياته. وإننا كقراء ونقاد يدفع بنا الشك إلى اليقين، إذ ثمة تخييل يوهمنا ان ما يطرحه مؤلف القصص والروايات، جزءاً أو كلاً، هو تعلق بحياة المؤلف الحي. وثمة سبب آخر، يدفع بنا إلى قناعتنا بهذا الرأي المطلق، ان المؤلف الأدبي، لا يمكن له أن يتصرف كما تصرفت شخصية راسكولينكوف في رواية الجريمة والعقاب لدستويفسكي حين اقترف جريمة قتل من أجل المال. اذ ان المؤلف وهو حامل راية الحرية ورسالة الفكر الانساني والمدافع عن الانسان والخير، لا يمكن له ان يقدم على مثل هذا الفعل ولا يمكن ان تعنُ له مثل هذا الافكار مطلقا..
يقوم مؤلف القصص والروايات ــ الشخصية الرئيسة ــ بالدور الاعظم في عملية سرد الرواية مستخدما الضمير المفرد الغائب الثالث، ربما يُطلق عليه السارد الآخر أو الضمني، واحيانا الفتى، مع ان احمد خلف يؤكد في احدى المقابلات ان ضمير المتكلم المفرد: فيه مقدرة فضائحية لكشف المزيد من الاسرار والكوامن الذاتية.. ” في حين يَعدّ بوث ” العمل الأدبي بوصفه شكلا بلاغيا ينقل المعنى من مؤلف ضمني إلى قارئ.” المصدر السابق.
في مجمل الرواية أراد أحمد خلف ان يقدم لنا شهادة عن أحرج مرحلة عاشها مر بها العراق من خلال متن هذه الرواية مؤكدا حياديته ولا انتمائه للأحداث وانحيازه للحقيقة لا غير..
* المدى.

شاهد أيضاً

المرأة.. حكاية هذا العالم.. قراءة في رواية (جسر عبدون) لقاسم توفيق

*مجدي دعيبس   في صفحة العنوان كتب المؤلف (جسر عبدون) وتحته بخط أصغر وبين علامتي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *