الرئيسية / إضاءات / مؤرخ بلجيكي تمنع محاضراته بأمر من السفير الإسرائيلي!

مؤرخ بلجيكي تمنع محاضراته بأمر من السفير الإسرائيلي!



*عماد فؤاد


قبل أشهر عدة، أُلغيت محاضرة موضوعها «تاريخ الصهيونية» للمؤرخ البلجيكي المتخصّص في التاريخين الإسلامي والعربي والاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية «لوكاس كاترين»، كان من المقرّر أن يلقيها على طلبة الجامعة الحرّة بالعاصمة البلجيكية بروكسل، جاء هذا الإلغاء المفاجئ بعد تدخّل شخصي من قبل «جاك ريفاه» السفير الإسرائيلي في بلجيكا، وجاءت استجابة الجامعة للضغوط التي مورست عليها لإلغاء المحاضرة، لتفجّر العديد من النقاشات حول حرية التعبير في الجامعات الأوروبية، خاصة بعدما تناولت الصحف البلجيكية والأوروبية الحادثة بكثير من النقد اللاذع، ما دفع السفير الإسرائيلي في بلجيكا إلى الإعلان عن عدم رضائه عن برنامج أسبوع الفصل العنصري الإسرائيلي، وهو الحدث الذي نظمته عشرات الجامعات العالمية للفت الانتباه إلى سياسة الفصل العنصري التي تمارسها إسرائيل تجاه الفلسطينيين، والذي كان جزءاً من المحاضرة!
خلال الأعوام العشرين الماضية أصبح اسم «لوكاس كاترين» أحد الأسماء الأولى على القائمة السوداء للّوبي الصهيوني في الغرب، فالمؤرخ الفلمنكي البالغ اليوم من العمر التاسعة والستين (مواليد 1947)، صار شوكة في حلق آلة الدعاية النشطة لدولة الاحتلال الإسرائيلية في أوروبا، وأصبح يُلاحق قضائياً من قبل الكيان الصهيوني بعد كل كتاب جديد ينشر له عن الصراع العربي الإسرائيلي، بعد خمسة وأربعون عاماً قضاها المؤرخ البلجيكي في نصرة الثقافتين العربية والإسلامية وتعداد أفضالهما على الغرب علمياً وثقافياً وفلسفياً، عبر العديد من مؤلفاته التاريخية والفلسفية والبحثية والسياسية، وصلت اليوم إلى ما يقرب من 26 مؤلفاً صدرت باللغة الهولندية، وترجمت بعضها إلى الفرنسية والإنجليزية والألمانية والعربية، وهو ما أدخل مؤرخنا في صراعات سياسية وإعلامية لا حدّ لها مع اللوبي الصهيوني النشط على الدوام في بلجيكا والغرب، وصلت مؤخراً إلى اتهامه بالعداء للسامية وبإنكاره للهولوكست الذي جرى بحق اليهود على أيدي الألمان، وهي الادعاءات التي استمر لوكاس كاترين في السخرية منها في كتاباته البحثية والصحفية، كاشفاً عن أن السبب الحقيقي في عداء اللوبي الصهيوني له، هو أخذه على عاتقه طوال هذه الأعوام، الكتابة ضد التيار الغربي المناصر لدولة الاحتلال الإسرائيلي، لا أكثر.. ولا أقل.
فضل العرب على الغرب
سنوات من الجهد الأكاديمي الشاق أثمرت اليوم عن هذه المؤلفات التي تتناول العديد من جوانب العالم العربي والحضارة الإسلامية، بدءاً من القرآن الكريم والسنة النبوية وكتابات ابن رشد وأبي العلاء المعري، وصولاً إلى الوجود العربي في الأندلس والبرتغال ومالطا، ونهاية بالاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وحق العودة واللوبي الصهيوني في الغرب، فالباحث الذي سبق له زيارة العديد من البلدان العربية، من بينها سوريا والسودان والأردن ولبنان وفلسطين، لا يهمل شيئاً في استعراضه للتأثيرات المتعددة التي خلّفتها الحضارة العربية والإسلامية على الثقافة الغربية، فيتناول في مؤلفاته العلوم الإسلامية من الهندسة والجبر وعلوم الفلك والجغرافيا والطب والجراحة، وصولاً إلى المذاهب الفلسفية وكتب ابن رشد وابن سينا والمتصوفة، وانتهاءً بالعمارة الإسلامية وكتب التفسير والنص القرآني وتاريخ العرب الحديث.
في كتابه المثير «كتاب رسوم عربي صغير»، الصادر سنة 2011 عن دار إيبو البلجيكية، يردّ لوكاس كاترين فضل التقدم العلمي الذي يتمتع به الغرب اليوم إلى الحضارة العربية والعلوم الإسلامية، التي تم جلبها إبان قرون طويلة من الصراع بين الشرق والغرب، ويبرز الكاتب ذلك ليس فقط من خلال تتبعه الدقيق لمراحل نهب هذه العلوم ونسبتها فيما بعد إلى الغرب، بل أيضاً عبر قراءته المتأنية لأحوال أوروبا التي كانت تنعم آنذاك بالجهل والتخلّف فيما كانت الحضارة الإسلامية تشهد أوج عظمتها العلمية والثقافية والمعمارية والفنية والموسيقية والأدبية.
ولا يقف بحث لوكاس كاترين فقط عند حدود المنجز العلمي المنهوب من الثقافة العربية من قبل أوروبا، بل يمتد إلى الواقع الراهن وسبل غرس القيم الأخلاقية التي تنتهجها طرق التعليم الأوروبية حيال عقول الأطفال، والتي تبدو في أوضح تجلياتها في ما تحمله كتب الرسوم والأفلام الكرتونية الموجهة إليهم، وتصب أكثرها في كراهية العرب واحتقارهم والسخرية منهم.
رد الاعتبار للحضارة العربية
من مالطا، حيث يتبارى علماء اللغة هناك كل يوم – على حد تعبيره – في تقديم إثباتات واهية للتدليل على أن لغتهم المالطية لا علاقة لها باللغة العربية، يبدأ لوكاس كاترين رحلته لرد الاعتبار إلى الثقافة والحضارة العربيتين، مبيناً أن اللغة جاءت كلها من اللغة العربية، بل ويذهب إلى أن التركيبات اللغوية التي يتعامل بها الشعب المالطي يومياً لا علاقة لها بأي لغة أخرى سوى باللغة العربية، ويتتبع ذلك في تاريخ مالطا التي ظلّت تحت الحكم الإسلامي منذ العام 869 وحتى العام 1249 ميلادياً.
وفي كتابه «كتاب رسوم عربي صغير» لا يؤكد فقط أن الغربيين كتبوا تاريخ العرب بكثير من التحامل والتجني، بل ويفنّد أسبابه ومراميه وإرهاصاته الأولى، حيث يشير إلى أن الكنيسة الغربية أثناء شنّها الحروب الصليبية على العالم الإسلامي، حرصت على تصوير الإسلام باعتباره ديناً متوحشاً، وكانت الجداريات الشهيرة في الكنائس الغربية تصور المسلمين في بيوتهم حيث الجواري العاريات والزوجات المنشغلات بتعذيب الخدم والعبيد، والرجال الدمويين الراغبين على الدوام في إشهار سيوفهم المتعطشة للدماء، ويستشهد لوكاس كاترين في هذه النقطة بالكنائس الرومانية التي كانت تحمل أحجارها صوراً لنساء مسلمات كان يتم تصويرهنّ محجبات، في حين تظهر نهودهن وعوراتهن بادية للعيان، في إشارة واضحة إلى شهوانية الشرق التي لا تحدّها حدود، والتي تقع موقع الرضا من الصورة المراد إيصالها إلى عقول الغربيين عن المرأة الشرقية ومدى شهوانيتها، وهو ما كانت الكنيسة الغربية تقف وراءه آنذاك وتدعمه مصورة أفعال المسلمين لرعاياها بوصفها رجسًا من عمل الشيطان.
لكن وعلى الرغم من هذه الرؤية المتدنية التي انتهجتها الكنيسة الغربية في تبرير حروبها الصليبية على العالم الإسلامي، فإن التأثير الثقافي العربي والإسلامي ظلّ هو المحرك الأساسي والحقيقي في تطوّر الغرب علمياً وثقافياً وفنياً، ويستدل الكاتب على ذلك بسيرة الفنان والرسام الفلامنكي الشهير يان فان آيك (Jan van Eyck) ورحلته إلى الشرق، إذ سافر إلى القدس عام 1426 ميلادياً، وبعدها بثلاث سنوات سافر إلى غرناطة عام 1429 فجلب لدى عودته إلى الغرب معارف فنية لم يكن الغرب يعرف عن سرها شيئاً وقتذاك.
ويعتبر لوكاس كاترين أن هذا الفنان والرسام الفلمنكي، وما تركه بعد ذلك من منجز فني كبير ومهم، هو أحد أهم الدلائل على أن الحضارة الغربية مدينة بالكثير إلى الحضارة العربية والثقافة الإسلامية، يقول لوكاس كاترين في إحدى فقرات كتابه المشار إليه: «لكننا رغم هذا نشعر اليوم كأن ثقافتنا الغربية محت الحضارات الأخرى السابقة علينا بممحاة قوامها الإنكار والاحتقار والإهانة، وكأن حضارتنا وتقدمنا العلمي من صنعنا نحن، وحتى يومنا هذا ما زلنا نجد لدينا الكثيرين ممن ينكرون على العرب والمسلمين فضل الريادة، وكأن العقلية الأوربية أصبحت غير قابلة لتصديق فكرة أننا كنّا يوماً ما الأسوأ والأكثر تخلفاً وجهلاً».
في ختام «كتاب رسوم عربي صغير» يتناول لوكاس كاترين الصراع العربي الإسرائيلي منذ العام 1948 بعد إعلان قيام دولة إسرائيل وحتى اليوم، محلّلاً كيف تغيّرت النظرة الغربية تجاه العالم العربي والإسلامي إلى الصورة الأسوأ، تبعاً للتطورات التاريخية التي أحاطت بهذا الصراع الطويل، وكيف ساهم الإعلام الأميركي والصهيوني في تغيير هذه النظرة عبر تصوير الإسلام على أنه العدو الأكبر للثقافة الغربية، وفي هذا الإطار يستشهد كاتبنا بقصة دالة لتأكيد هذا التشويه المتعمد لصورة العرب والمسلمين، حيث يشير إلى أحد أعداد سلسلة كتب الأطفال البلجيكية المصورة «تان تان»، والتي صدرت أوائل الستينيات من القرن الماضي تحت عنوان «الذهب الأسود»، والتي تحكي كيف يتم اختطاف بطل القصة من قبل مجموعة إرهابية يهودية تطلق على نفسها اسم «إرغون»، ولكن في إصدار جديد للقصة ذاتها سنة 1971، نفاجأ بأن القصة تبقى على صورتها الأولى في كل تفاصيلها، باستثناء أن المجموعة الإرهابية اليهودية يتم استبدالها في خاتمة القصة بمجموعة «إرهابية» فلسطينية!
بداية الرحلة
بسبب موقفه من الحضارة العربية الإسلامية وكتاباته المنصفة لأثرها على الفكر الغربي، والتقدم الذي يعيشه الغرب حالياً، بات الرجل في حكم المغضوب عليهم من قبل العديد من المؤسسات والأحزاب اليمينية المتطرفة في عدائها لكل ما هو أجنبي، وبسبب صراحته ومواقفه المؤيدة للفلسطينيين في صراعهم مع الإسرائيليين بات عرضة لسهام الصهيونية.
أما التفسير القابع وراء عشقه للعالم العربي فبدأ منذ كان في الثانية والعشرين من عمره، وتحديداً في العام 1969 حين قام بأولى رحلاته – التي ستتعدد فيما بعد – إلى العالم العربي، حيث زار سوريا ولبنان والأردن وفلسطين والسودان كما سبق وأشرنا. ثم برز موقفه واضحاً تجاه العرب في عام 1970 عندما أخرج فيلمه التسجيلي الأول، «لكن حينما يتم تجويعي؟» (?But when I am made hungry)، والذي يحكي معاناة اللجوء الفلسطيني في المخيمات المنتشرة في الأردن وسوريا.. وربما كان هذا الفيلم من أوائل الأفلام التسجيلية الغربية التي أرّخت للظروف الحياتية البائسة التي تحياها آلاف العائلات الفلسطينية في شتات المخيمات.
في العام 2004 أصدر لوكاس كاترين بحثه التاريخي المهم «كعكة الأرز.. زنبق وجهاد»، والذي قدّم من خلاله نظرة تاريخية وبحثية في غاية الأهمية عن الروابط التي جمعت بين الهولنديين والبلجيكيين من ناحية وبين العرب والأتراك المسلمين من ناحية أخرى، منذ القرن الثامن الميلادي وحتى يومنا هذا، ما يثبت أن الاتصال الأول بين الجانبين أقدم بمئات الأعوام من اتفاقيات العام 1964، والتي جلبت العمّال الأتراك والمغاربة إلى بلجيكا وهولندا ليكونوا عمالاً في المناجم، واستقروا بعدها وأصبح لدينا اليوم جيلاً ثالثاً من نسل هذه الأسر التركية والعربية في هولندا وبلجيكا، كما في بلدان أوربية أخرى، مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وغيرها، كتاب لوكاس كاترين يكشف لنا أن العلائق أقدم من ذلك التصور الساذج بكثير، موضحاً أن الإمبراطور الروماني الشهير شارلمان (742- 814) والذي اشتهر باسم «شارل الكبير» فيما أطلق عليه العرب اسم «قارلة»، أراد أن يبني إمبراطورية أوربية عظيمة، لكنه اصطدم في جنوب امبراطوريته الرومانية بالوجود العربي والباسيكي، فيما كان سلفه «كارل مارتل» قد استطاع أن يوقف تقدم الفتوحات العربيه بشق الأنفس سنة 732 ميلادياً، واضطر إلى توقيع معاهدة سلام بينه وبين العرب، وبعد اطمئنانه إلى نجاح هذه المعاهدة مع جيرانه العرب، أرسل شارل الكبير وفدين من نبلائه وسياسييه إلى بغداد سنتي 797 و802 ميلادياً، فقدموا الهدايا الأوربية إلى جيرانهم العرب، فرد إليه العرب الجميل بأن أرسلوا إليه سنة 807 وفودهم المحمّلة بالهدايا الثمينة من الكنوز العربية، من حرير وذهب وأقمشة وعلوم ومخترعات علمية ومنتجات صوفية، وفوق كل هذا.. فيلاً أبيض، لم يكن أحد في أوروبا قد رأى مثله من قبل!
تتغيّر السنوات وتقوم ممالك وتنهار أخرى، ويأتي زمن تضعف فيه الأمم أو تشارف على الموت، ونصل إلى فترة الحروب الصليبية التي شنّتها القوى الأوربية ضد العالم الإسلامي بين 1096 و1270 ميلادياً، وفي رصده لمدة هذه الحروب المتواصلة، والتي بلغت 174 عاماً، لا يجد لوكاس كاترين أي شيء إيجابي يتحدّث عنه بسبب الوحشية التي تعامل بها الأوربيون في هذه الحروب تجاه الشعوب العربية والإسلامية، سوى أن الأوربيين نقلوا عن العالم العربي والأتراك والفرس الكثير جداً من المعارف والعلوم، واستطاعوا أن يطوروها ليصلوا بعلومهم إلى ما هي عليه اليوم، ويعدد لوكاس كاترين هذه المعارف التي نقلها الغرب من العالم الإسلامي قائلاً: «أخذنا عن العرب والمسلمين الكثير جداً من المعارف، التي لولاها لما وصلنا إلى ما نحياه اليوم من تقدم علمي وتقني هائلين، أخذنا عنهم: طواحين الهواء والأرقام العربية والحمام الزاجل وتقنيات إزالة الشعر من جسم الإنسان، بفضل المسلمين والفرس عرفنا الشطرنج ورسم الخرائط والطب والمستشفيات وفنون الجراحة وفنون البناء، التي جعلتنا نحن الأوربيين نستخدم الحجر بدلاً عن الأخشاب، أخذنا عنهم الأقواس المدببة في الأبنية والتي لم تكن أوروبا تعرفها من قبل، فنون الطهي لدينا تغيرت بما نقلناه عن العرب والأتراك أثناء الحروب الصليبية، فصرنا نستخدم الفلفل المطحون في طعامنا ولم نكن نعرفه من قبل، والأهم من ذلك كله هو الإسهام الأكثر تأثيراً في ثقافتنا الأوربية والفكرية والفلسفية، حين وصلت إلينا الكثير من كتب الفلاسفة والعلماء العرب والمسلمين، ومن أهمهم، ابن رشد وابن سينا والرازي، وكلها أشياء ومعارف وعلوم لم يكن لنا سبيل إلى معرفتها إلا بسرقتها من العالم العربي والإسلامي».
فلسطين.. آخر البلاد المحتلة
سنة 2002 قدم لوكاس كاترين أحد أهم كتبه عن القضية الفلسطينية، والذي حمل عنوان «فلسطين.. آخر البلاد المحتلة»، وفيه يثبت لوكاس كاترين بالدلائل التاريخية، أنه في نهاية القرن التاسع عشر لم يكن هناك أي وجود يذكر لأراض يهودية في فلسطين، ويشير إلى أن اليهود الذين بقوا في فلسطين ادعوا ذلك لأسباب دينية بحتة، فلم يكن لديهم دوافع اقتصادية أو سياسية للادعاء بأن لهم الحق في الأراضي الفلسطينية، أما الآن، فقد تغير الحال إلى ما نعرفه جميعاً، حيث تحتل إسرائيل اليوم 92% من مجموع الأراضي الفلسطينية، فيما يعيش نصف الشعب الفلسطيني مهجراً من بلاده وقراه ومدنه، أو فيما هو أسوأ، في ظل الاحتلال الإسرائيلي، عبر رحلته في هذا الكتاب البديع، يطلعنا لوكاس كاترين على تاريخ الوجود العربي الضارب في القدم في فلسطين، وكيف صار الشعب الفلسطيني الآن محتلاً من قبل إسرائيل، التي صار اسمها وحده مرادفاً لمفردات سياسية أخرى من قبيل: المستوطنات والفصل العنصري والاستعمار وقوات الاحتلال، هذه المفردات التي لم يعد أحد يستخدمها في العالم إلا حين يتعلق الأمر بإسرائيل واحتلالها للأراضي الفلسطينية.
وعبر صفحات هذا الكتاب التي وصلت إلى 312 صفحة، يشتغل لوكاس كاترين على آلاف الوثائق التاريخية والخرائط القديمة وشهادات الرحالة والمستشرقين الأوربيين، في سبيل إثبات شيء واحد لا ثان له: إسرائيل هي البلد الوحيدة اليوم التي تحتل بلداً آخر، وفلسطين هي آخر البلاد المحتلة.
صيف عربي
في كتابه المهم «صيف عربي، 20 امرأة في الأندلس» والذي صدر قبل ثلاثة أعوام، حاول لوكاس كاترين من خلال بحث تأريخي دؤوب، أن يدون التاريخ العربي في الأندلس من خلال تأريخه لحياة 20 امرأة عربية عشن في الفترة بين 711 وحتى العام 1640 ميلادياً، من بينهن «ولادة بنت المستكفي» التي أنشأت صالونها الأدبي الأول في القرن الحادي عشر الميلادي في قرطبة، و«السيدة الحرة» ابنة أمير شفشاون علي بن راشد وحاكمة تطوان لأزيد من ثلاثة عقود، والتي أنشأت أسطولاً حربياً لمواجهة أسبانيا بعد زوال دولة الأندلس، كما يكتب لوكاس كاترين عن «بنت عليان»: أو كيف يمكن لحادثة اغتصاب مزعوم أن تغير مجرى التاريخ، وكذلك يكتب عن «زينب بنت إسحاق النفزاوية» إحدى أشهر النساء الأمازيغيات في المغرب خلال عصر الإمبراطورية الأمازيغية المرابطية، وغيرهن من النساء العربيات في هذه الفترة المهمة من التاريخ العربي في أوربا.
أما في كتابه المهم «الإسلام لغير المؤمنين» والصادر عام 1997، فقد قدم لوكاس كاترين نظرة تأريخية على نشأة الإسلام منذ مولد سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) وصولاً إلى علي عزت بيجوفيتش (1925 – 2003)، أول رئيس جمهوري لجمهورية البوسنة والهرسك بعد انتهاء الحرب بين البوسنة والهرسك التي خلفت الكثير من الضحايا، وينتهج لوكاس كاترين في ذلك طرقاً عجيبة في تحويل التاريخ إلى عدة روايات يرويها بحرفية كاتب كبير، فيروي الأحداث التاريخية في قالب حكائي ممتع عن الأطعمة والملابس والذهب والحرير والأسواق الشعبية في الجزيرة العربية، وصولاً إلى اللحظة العربية الراهنة، بكل ما فيها من أحداث سياسية وصراعات مجتمعية، وفي الطريق يعرج لوكاس كاترين على عظمة مدن عربية كبيرة كالقاهرة وبغداد ودمشق وحلب وصولاً إلى قرطبة، إلى الدرجة التي دفعت أحد النقاد الهولنديين إلى أن يقول عن كتاب «الإسلام لغير المؤمنين»: «هذا كتاب كتب بعين رجل عربي.. لكن خطته يد مؤرخ بلجيكي»!
هامش
………………………..
مؤلفات لوكاس كاترين
* ثلاثتهم تركوا زانزبار 1992.
* مطابخ كل البلاد 1997.
* الإسلام لغير المؤمنين 1997.
* عربيان أو مَثَل الخرشوف 1998.
* تناسخ ملحد 1999.
* لم أكن أعرف أن العالم صغير إلى هذه الدرجة 2011.
* فلسطين.. آخر البلاد المحتلة 2002.
* أرز باللبن، زنبق وجهاد 2004.
* شواطئ الرغبات البعيدة 2005.
* السير تجاه الكونغو 2006.
* من قتل مسلمي إسبانيا.. حتى صدام الحضارات، حرب الألف عام ضد الإسلام 2008.
* غزة… تاريخ التراجيديا الفلسطينية (بالاشتراك مع شارل دوكال) 2009.
* الموريسكيون.. أقلية نقية ومنسية في الأندلس 2009.
* كتاب رسوم عربي صغير 2010.
* اللوبي الإسرائيلي 2011.
* وخلق الإنسان الله 2012.
* خنادق في أفريقيا 2013.
* صيف عربي، 20 امرأة في الأندلس 2013.
* بروكسل 2014.
* الجهاد والاستعمار (بالاشتراك مع كريم الحجازي) 2015.
الشرق المتخيَّل
بقي استشراق النهضة سطحياً، شكلياً، وتقنياً بحتاً، وهو نتيجة لطبيعة علاقة أوروبا المسيحية بالشرق الإسلامي آنذاك، فأوربا نفسها كانت عاجزة عن محاورة الفكر الإسلامي (الجمالي والديني) وملاقاته على صعيد المضمون، لسبب مهم وأساسي يكمن في طبيعة البنية النفسية والأيديولوجية الأوربية المشحونة بالعداء للإسلام وغير المهيأة فكرياً وعلمياً ونفسياً لاستيعاب الموتيف الإسلامي (فكرة وصورة) بشكل موضوعي وحيادي. فتمت محاكاة الموتيف الشرقي ونسخه (شكلاً) لينطق بدلالات الفكرة والصورة الأوربية، ويؤدي وظيفتها الجمالية والفكرية، دون أن يلعب دوره الأساسي الديني والدنيوي. وبقي موقعه صورياً في تمثيل الشرق وتجسيد مقوماته الروحية والفكرية.
______
*الاتحاد الثقافي 

شاهد أيضاً

لمحات من تطور الواقع الثقافي في الأردن خلال مئة عام

(ثقافات) لمحات من تطور الواقع الثقافي في الأردن خلال مئة عام   كايد هاشم* جاء ارتباط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *