الرئيسية / فكر / في الزمن الجميل وأطيافه الثلاثة

في الزمن الجميل وأطيافه الثلاثة


*فهمي جدعان


من ذا الذي لا يلهج مع ابن الفارض ويطلق: “واهاً على ذاك الزمان وطيبه “! شبان وشابات “الجيل الأول” يفعلون ذلك .. ونساء ورجال ” الجيل الثاني” أكثر اكتراثاً .. واللواتي والذين يخففون الوطء على طريق “الجيل الثالث” يستبد الحنين بتلابيبهم! وأنا أتحرق شوقاً لاسترداد وطني المغتصب وقريتي الفلسطينية التي درجت على ثراها في السنوات الأولى من صباي! 
ما هو سر هذا الزمن؟ وما هي أطيافه الحاكمة؟ وما هي علاقته بوجودنا الراهن وبمستقبلنا المنظور؟ 
قد تبدو هذه الأسئلة والخواطر من “الغريب” الذي يدخل القول فيه في باب اللغو أو القول الهازل أو التافه. لكنه في حقيقة الأمر ليس كذلك. إذ هو، بكل تأكيد، يدخل في باب بعض أكثر القضايا جوهريةً وأهميةً في حياتنا الروحية، هذه الحياة التي يسكنها أو تغشاها أو تطوف بها طوائف من معاني البديع، والجميل، والرائع، والسامي، والنبيل، والخير، والحق .. مما ألف الخوض فيه عظماء الفلاسفة والمفكرين، منذ أفلاطون في فايدروس والمأدبة وهيبياس الكبير وجورجياس .. ، ومن بعده حديثاً: كانط وهيجل وهتشيسون وامبرتو اكو وتيودور أدورنو وألكسندر نيهاماس، فلسفياً ونفسياً واستطيقياً وغير ذلك. 
أخاطب في هذا القول “القارئ العادي”، ولأقل أيضاً “المثقف” النابه، ولن أغرق لا هذا ولا ذاك بدرس فلسفي تاريخي في المفهوم، منذ الـ (كالوس) اليوناني إلى الجميل والمليح والحسن، العربي والغربي الحديث أيضاً. كما أنني لن أنصب الشباك للحدود المختلفة للمفهوم، أعني التعريفات الماهوية له، وسأنحصر في الإحالة منها إلى ما يتعلق بمعان بسيطة، ساذجة، تلقائية، عفوية، مباشرة، تقترن بخبرات إدراكية، حسية، وجدانية، ذاتية، آسرة، تولد اللذة، أو المتعة، أو الرضى، وتأتي لا من الصورة أو المرأى البصري أو الحركة، أو الصوت فقط، إنما أيضاً من “أحوال النفس” الراضية، المطمئنة، السعيدة، المغمورة بالفرح. 
في حدود هذه المعاني سأقول إن “الزمن الجميل” يشخص في وعينا وفي حياتنا وفي تاريخنا المشخص، الضارب في زمننا العربي على وجه التحديد، في أطياف ووجوه أساسية ثلاثة. قد يكون ثمة وجوه غيرها لكن هذه هي التي أقف عندها هنا. 
بيد أنني قبل أن أحايث هذه الأطياف، أحرص على أن أنبه على أن حضور الزمن الجميل في ذواتنا وفي وعينا يعكس قبل أي شيء آخر عزوفاً وعدولاً عن الزمن المباشر، الشاهد، من حيث أن هذا الزمن يحاصرنا بعقابيله وضرباته وإخفاقاته وتقطع الرجاءات فيه، ويثقل علينا ويدفعنا إلى الهروب والذهاب إلى عوالم افتراضية أخرى نشدانا للمتعة والفرح والسعادة والجمال أو الحق أو الخير أو غير ذلك. وهذه “الحركة ” في حياتنا الشعورية قد تعني ما تتداوله الألسن حين تلهج بكلمة “حنين”، أو “نوستالجيا”. والرحيل إلى ذاك الزمن هو ضرب من هذا الحنين الذي هو تجاوز وبديل لـ “فقد المحبوبات وفوت المطلوبات”، الذي ألمع إليه إبيكتاتوس الهلنستي والكندي العربي، والذي هو ليس إلا الهروب من “أتون العدمية”، واللجوء إلى عالم غير شقي أو أننا نتمثله ونحياه بما هو هكذا. 
يحضر في ذاتي إذن ، في هذا الضرب من المقاربة والتفكير، ثلاثة أطياف لهذا الزمن “الإشكالي”.
الطيف الأول، الأكثر تداولاً وشخوصاً واستنفاراً للحساسية، هو الطيف “الاستيطيقي”، الذي يتجلى في الفن وأشكاله الإبداعية، السمعية والبصرية والحركية واللغوية، حيث تحتل الصورة والصوت والكلمة والحركة والمعنى المواقع الضاربة في الحساسية الجمالية وفي “الذائقة الفنية “. كل القرائن، والحكمة أيضاً، تدل على أن التعميم يجور، وأن العدل هو الذي ينبغي أن يحكم. لكن “السلطة الميديائية” تحكم القبضة وتشكل مخيالنا الفردي والجمعي، وعلينا أن نبذل جهوداً خارقة من أجل أن نتبين الصورة الشاملة العادلة للقيمة الحقيقية لما يعرض علينا من “مبدعات” فنية وأدبية في المجال العربي الراهن. من المؤكد أن ثمة مغنيات ومغنين، وممثلات وممثلين، وملحنين ومخرجين، وروائيات وروائيين .. يقدمون أعمالاً “جميلة”، “مفيدة “، “سارة ” .. بيد أن من الحق أن يقال، على وجه العموم لا الإطلاق، إن “الفن الراقي، النبيل، السامي .. ” قد انسحب أو رحل، وإن المنتجات الفنية تشخص اليوم في أحوال تدك روح المتلقي وتدمر فيه كل ما هو جميل وخير وطيب، وتنشر في الروح والعقل والوجدان وفي الذائقة الفنية والجمالية، أعراض وعوارض المتعة السريعة والمعنى المبتذل، والكلمة التافهة أو “الرخيصة “، والصورة المهيجة للأهواء ولمناطق “الهو” في الكينونة الفردية والجمعية. هذا صريح في فنون الغناء والموسيقى ، مثلما سيأتي، لكن ما لا يقل خطراً عن ذلك، ويقارنه، يحدث في قطاعات أخرى. إذ لاشك عندي ــــ ويعزز هذا الشك أن أقراناً لي أوثق مني معرفة وخبرة في تقييم هذا المجال الفني أو ذاك ـــــ في أن الفن “الراقي”، الذي يمكن أن ينعته الرافضون لما أسوق بالفن “البورجوازي” أو “النخبوي”، أو .. ، يشهد أفولاً وهبوطاً صارخين، سواءٌ أتعلق الأمر بالإبداع الأدبي ــــ الروائي والشعري ــــ أم بالإبداع السينمائي والموسيقي والغنائي، حيث يهبط ” الرأسمال الرمزي” إلى أدنى الدرجات، وتفتقر المنتجات، خلا القدر الضئيل منها، إلى قيم الرائع، والسامي، والبديع، والنبيل، وتستبد بالفضاء “الاستهلاكي” أعراض ” التقليد، ومقاصد “التسلية”، والتفاهة الثقافية، والقبح “الجمالي”!، وتحكم ” المنفعة “واللذة ” العاجلة وطلب الشهرة والمجد والمال كل أرجاء المشهد.
قد يكون ضرب أمثلة “رمزية ” هنا ضرورياً. في الرواية مثلاً يتصدر القائمة كاتب مدع يقلد “امبرتو إكو”، يمنح الألقاب والجوائز وتلهج باسمه كل وسائل الإعلام “الثقافي”. وفي الشعر والنقد يتحول “مبدعو” الستينات والسبعينات من القرن الماضي إلى “مفتين فكريين ” ويلحقون أنفسهم باليسار السياسي الثوري العربي ـــ المزيف بكل تأكيد ــــ ! وفي عالم الغناء والموسيقى، الذي هو أكثر العوامل تأثيراً في الذائقة الفنية والأخلاقية لدى كل الأجيال والأعمار ـــ تضرب المنتجات التافهة، الهابطة، العارية عن كل معنىً وقيمة سامية، الذائقة الفنية والحساسية الأخلاقية والفضاءات المعرفية، وتدمر كل ما هو جميل وقيم ونبيل. تتصدر الفضاء هنا الصورة العارية، والحركة الليبيدية الغريزية، والصخب الراقص الذي “يجب” أن يجمع في مشاهد “مثيرة” الصبية من المغنين الذي تعرضهم قنوات أرابيكا ومزيكا ـــ وتلحق بهما شيئاً فشيئاً، على سبيل “المنافسة ،” قناة ( وناسة ) ـــ بين المغني التافه وبين فتيات الكليبات، اللواتي يستحضرن من أجل توفير “الشرط الليبيدي” للأغنية. ولا يقتصر ذلك على المغنين الذين ينعتون بـ “الشباب “، لكنه يطاول أيضاً رجال الفئة العمرية المتقدمة الذين لا يكاد يخرج أحد منهم عن دائرة العشق الملتهب والحب السقيم، ولا يتحرج من تشكيل كليبات ليبيدية بعض “أبطالها ” فتيات صغيرات ونساء لا يعرفن معنى “الحشمة”!
لن أسترسل في السرد، وسأقول أن هذه الأشكال الهابطة، من “الفن الجديد” الذي يجسده “تحالف” غير معلن بين “المدرسة المصرية” الحالية وبين “المدرسة اللبنانية” المشهورة، تسهم بشكل مباشر في استدعاء مخيال “الزمن الجميل”، الذي هو عالم افتراضي بكل المقاييس، لكنه عالم فاعل، يوفر بديلاً لهذه المنتجات “القبيحة” واللاأخلاقية التي تدفعنا بقوة إلى أن نفيء، في الأدب، إلى طه حسين والمازني والعقاد والسحار ويوسف إدريس وعبدالحليم عبدالله وجبران وميخائيل نعيمة .. أو إلى القدماء: المتنبي، والمعري، وأبو تمام .. وجملة الكلاسيكيين .. أو أن نرحل إلى الآداب العالمية .. فيكتور هيجو ومارسيل بروست وتوماس مان ودستويفسكي. وفي الموسيقى والغناء يحملنا الشوق والحنين إلى عبدالوهاب وليلى مراد وعبدالحليم حافظ وفيروز وأبو بكر سالم وعبدالهادي بلخياط ورجاء بلمليح، وعلية التونسية.. والباحثون عن ” الوجد” ، و” السكر” و”الجذب ” يظلون متعلقين بأهداب أم كلثوم! وبالطبع يقترن بهؤلاء وبغيرهم ملحنون كبار كالسنباطي ومحمود الشريف وكمال الطويل ومحمد الموجي وبليغ حمدي، ولا يخلو واقع الحال من أن يضم إلى هؤلاء مبدعون حقيقيون جدد ينتمون إلى جيل الشباب، كسعاد ماسي ومروان خوري.
أما في “السينما الجميلة ” فنذهب إلى الأفلام “ذات اللونين”: رصاصة في القلب، غزل البنات، أيامنا الحلوة، الأرض.. مما لا حصر له، ويمنحنا نجيب الريحاني ويوسف وهبي ومحمود المليجي وزكي رستم وسليمان نجيب وفريد شوقي وإسماعيل ياسين.. وبالطبع فاتن حمامة.. أوقاتاً سعيدة وأحوالاً آسرة ورومانسية مفيدة تحررنا من “عدمية” الزمن الشاخص. 
الطيف الثاني هو الطيف الديني والتراثي. وهو يقترن بأحوال أفراد أو فرق أو جماعات لا تطيق الأزمنة الحديثة وأعراضها الخارجة من الدين والتراث، ولا تتمثلها إلا في صورة القبح والشرارة والسير في طريق التمرد على الله وعلى المبادئ والقيم والأحكام التي أعلت الشريعة من أمرها وجعلتها شرطاً للخلاص الدنيوي والأخروي على حد سواء. ينطوي أفق هذا الطيف على “النصوص المؤسسة” وعلى “قرن الخير” وجماعة المؤمنين “الطوباوية “، من وجه أول، وعلى ما يحمل رسم التراث من وجه آخر. في قبالة عوارض الأزمنة الجديدة ومتعلقات “الحداثة”، الشاذة، الفاسدة، الضالة، “القبيحة”! ينهض هؤلاء منكرين رافضين كارهين، ويستبد بهم “الحنين” إلى “الزمن الأول”، وإلى “فضاء المثال” – أجمل الفضاءات – وإلى الزمن النقي، الذي لم يعرف الشر والقبح! ويتعلل الذاهبون هذا المذهب بحديث يرفع إلى النبي: (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم.. ثم يجيء قوم لا خير فيهم!). ويتمثل آخرون الروعة والمجد والخير في عصور الخلافة الماجدة: الأموية والعباسية، والعثمانية أيضاً، على الرغم من أن هذه العصور جميعاً لم تتقوم إلا بالملك العضوض، ملك الجبروت والتغلب وغياب العدل! وحين يتعلق الأمر بالثقافة والآداب والعلوم والفنون – الدنيوية – تتألق بحق في تلك الفضاءات أعلام كبار الأدباء والشعراء والعلماء والفلاسفة، الذين يتجاوز بعضهم زمنه ويحلق في جماليات إنسانية راقية تخرق الزمان وتحتل مكانها الرفيع في الحاضر وفي المستقبل أيضاً. – 
لكن ذاك الفريق الذي لا يتمثل أهله زمننا الراهن إلا بما هو زمن قبيح، ضال، ولا تسكن نفوسهم إلا الكراهية لهذا الزمن وأهله – زمن العلمانية والليبرالية و”الخروج من الملة” والسفور.. لا يتمثل “الزمن الجميل” إلا في مضادات هذا الزمن، وهو لا ينحصر في إدانته وشجبه وتزييغه وتكفيره، إنما يذهب إلى “الخروج” المادي وإلى “الثورة” العنيفة وإلى استحضار مفهوم ” تقليدي” للجهاد، على النحو الذي ظهرت فيه سنو العقد الثاني من قرننا الحالي. أساطير العودة للزمن الجميل لا شك في أن المتمثلين لأزمنتنا الحالية، بما هي أزمنة زيغ وفساد وضلال وخروج من حظيرة الدين، يشخصون في صور شتى، غارقة في الكراهية والخصومة وكارهة لأية صورة من صور “الاعتراف”، والفروق بينهم تظل فروقاً في “الدرجة” لا في “النوع” والماهية، إذ يجمعهم كلهم النفور من الزمن الشاهد والشوق المستبد إلى العودة أو إلى إعادة “الزمن الجميل”. وهذا العود ليس عوداً إلى الطبيعة وإلى الرومانسية الحالمة، الطيبة، إنما هو عودً إلى ما يمكن أن أنعته، قسراً وكرهاً، برومانسية “ثورية” لا تخلو من المفارقة، إذ تتعلق بشكل من أشكال الدين والشريعة الغارقة في “متعة الجهاد” الذي تبدلت صورته “الروحية” واستوطنته إغراءات السبي والقتل والذبح. وحين يتعلق الأمر بالتراث فإن المشهد لا يخلو من مواقف ماجدة وتصورات إيجابية ومعان جميلة.
وليس سراً أن العقود الأخيرة من القرن المنصرم قد كانت مسكونة بحمى التراث، ولأقل “فتنة التراث”، وأن الارتكاسة الشاملة في قبالة العالم الحديث وثقافته “الحداثية” قد تجسدت في “حملة تراثية” هجوم اتخذت أشكالاً شتى: إحياء التراث، إعادة قراءة التراث، تثوير التراث، إبداع التراث.. وغيره. ولم يكن لذلك كله من معنى سوى الاعتقاد بأن حل الأزمة العربية الحديثة والمعاصرة لن يتحقق إلا بالعودة إلى التراث، أو بالتوسل بالتراث بما هو “وسيط ” حامل للخلاص، على الرغم من ” تاريخيته ” الصريحة. في حدود هذه المعطيات جميعاً تبدو وجوه هذا الطيف ارتكاسة في وجه “العدمية” مثلما كانت الحال في الطيف الأول. الرومانسية الثورية الطيف الثالث هو الطيف “الوجودي”، الذي يقترن بما هو “وطني”، وبما هو “قومي” ويضرب جذوره في هاجس “الهوية”، إذ لم يعد يخفى أن “العدمية” التي لمّح إليها ابن خلدون قد تلبست الأوضاع العربية في جملة أشكالها، وأننا نشهد اليوم، على الرغم من القرائن التي بشرت في مطالع هذا القرن بوعود طيبة، حشداً من الانهيارات والتفككات والانحلالات الصارخة. لقد كشف ابن خلدون عن الدور الحاسم الذي تؤديه “العصبية” في بناء الدولة والعمران – وفي انهيارهما أيضاً – وفي الأطوار والأجيال التي تحكمهما. 
ومع أن العصبية، بالمعنى الخلدوني، لا تفسر كل شيء، إلا أنها تظل مبدأ رئيساً في حياة ومصير الدولة والعمران والاجتماع البشري، سواءٌ أتعلق الأمر بحياة العمران العربي – الإسلامي -الذي انطوى – أم بحياة النهضة الوطنية والقومية التي شهدها العصر الليبرالي العربي الحديث وبلغت أوجها في “المعجزة الناصرية”، التي، على الرغم من كل ما شابها من نقائص بنيوية واعتورها من عقابيل عربية وغربية، ردت إلى الهوية العربية شبابها وألقها وعنفوانها ومجدها حتى باتت زمناً ينعته فريق واسع منا بـ “الزمن العربي الجميل”، الذي يثير إخفاقه “مفارقة” المرارة والغضب والأسى وخيبة الأمل عند فريق، والغبطة الآثمة عند فريق آخر. لا شك في أن “حديث الزمن الجميل” يطيق ألواناً أخرى من القول، كالحنين إلى الأوطان، أو الحنين إلى الطبيعة، أو ذكرى “الحب الضائع”، أو هجر المدينة واللجوء إلى الريف أو إلى الفيافي، أو إطلاق مرافعة في وجه التكنولوجيا وآفات العصر.. أو غير ذلك. لكن ما سقته من مقاربات مبتسرة يبدو لي كافياً من أجل الإبانة عن “غائية” هذا الحديث وعن مقصده النهائي، وهو التنبيه إلى أن “الإجابة المطابقة” والرد السديد في قبالة “عدمية” الزمن الشاهد، لا ينبغي أن تفضي إلى الوقوع في “عدمية” الزمن الماضي أو الآفل، زمن الرومانسية المستقيلة، أو الرومانسية الثورية العنيفة الهوجاء، أو طوباوية “خير القرون” أو إخفاقات الهوية والنهضة.
فلا تلك ولا هذه بقادرة على تزويدنا بزمن حقيقي جميل، زمن منتج، فاعل، بانٍ .. لأنها جميعاً “افتراضية” متخيلة، موهمة، خادعة.. حتى حين تمنحنا المتعة العابرة واللذة الاستيهامية ” التعويضية “. نحن نحيا في الآني، الحاضر، المشخص، المباشر، ونطلب أن يكون هذا كله “جميلاً”، وأن يكون هذا الجمال مقترناً بما سماه (الماوردي) قديماً “صلاح الدنيا”، مؤسساً هذا الصلاح على ثلة من القواعد ساق من بينها العدل والخصب الدار والأمل الفسيح. ولقد أغنى العقل الحديث هذه القواعد بقواعد أخرى، كالحرية والإرادة الخيرة، والاستقلال الذاتي، والكرامة الإنسانية.. وغير ذلك. وكل ذلك يجري في حدود رؤية جمالية جديدة للوجود وللإبداعية الإنسانية. رؤية لا تتنكب أبداً عن أن تستقبل المتنبي وأبا العلاء والجاحظ وعبد الوهاب وليلى مراد وعبد الحليم حافظ وسعاد ماسي .. وكل المبدعين الذين تحمل أعمالهم ما هو سار ولاذ وممتع ونبيل وباعث على
الرضى والسمو والتفتح الأخلاقي والإنساني والجمالي والتقدم الشامل للفرد والمجتمع والدولة. وأن يكون المبدأ في هذا كله إقصاء “الجماليات” الزائفة، التافهة، الرديئة، العارية من المعنى والقيمة، السادرة في الخسة والبذاءة والتدلي.
وبكل تأكيد، ليس يفوتني أن أؤكد أن الأشكال “الهابطة” من الفنون السمعية والبصرية على وجه الخصوص، الشائعة اليوم، وندرة الأعمال الأدبية والثقافية والفكرية الأصيلة، تواكب النظم السياسية والاجتماعية “الفاشلة” التي تشجعها وترعاها وتشد من أزرها المناهض للقيم الرفيعة النبيلة. ومن المؤكد أيضاً أن من الضروري، في جميع الأمور المتعلقة بالإبداع الفني، إقامة علاقة وشيجة بين الفن والجمال والرغبة والحرية والمتعة. لكن الأعظم خطراً وأهمية و”قيمة” و”معنى”، أن نكون قادرين على إبداع زمن حاضر جميل، وزمن قابل أجمل، لأن حياتنا ستكون أفضل إن كان الجمال جزءاً منها، وإن كان “الزمن الجميل” زمناً حاضراً وقابلاً، لا زمناً طوباوياً أو افتراضياً أو منبت الصلة بالواقع المباشر والقابل، وإن كان الجمال أميناً على معاني الرائع والبديع والسامي والنبيل والطيب والخير، ولا يسقط في مرامي الابتذال والتفاهة وخيانة القيم الرفيعة وإصابة الذائقة الفنية والجمالية في الصميم.
______
*العرب الجديد

شاهد أيضاً

رولان بارت : اللغة جسد

 *ترجمة:  سعيد بوخليط تقديم : تحفة رائعة صادفها ثانية الأدب الشبقي :هكذا،يعمل الباحث إلوار لوني،خلال كل أسبوع،على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *