فلسفة توماس هوبز ومفهومه عن القانون

(ثقافات)

فلسفة توماس هوبز ومفهومه عن القانون

حاتم السروي

حين تنتشر الفوضى وتضيع الحقوق ويسأل الناس عن الأمان؛ فلابد من الحسم بالقانون حتى لا تنفلت الأمور فيأتي الخراب المستعجل؛ والحسم في الأمور العامة لا يملكه الأفراد بطبيعة الحال؛ وإنما تملكه الدولة بسلطانها الذي  تستخدمه لانتظام سير الحياة في القُطْر الذي تحكمه، وعلى كل الأفراد أن يدينوا لها بالولاء والطاعة في إطار القانون، ومن هنا نشأت فكرة “العقد الاجتماعي” عند الفيلسوف العقلاني “توماس هوبز” وملخص هذه الفكرة أن المواطنين يتنازلون بإرادتهم عن أجزاء من حريتهم – وليست كل الحرية- للدولة العادلة في مقابل توفير الحماية والأمن اللازمين لحصول الاستقرار الضروري من أجل استمرار الحياة؛ فالمواطن يجب عليه الخضوع لقوانين منطبطة تنظم الشأن العام؛ لأن الحرية الزائدة عن الحد تخرج عن مجال الحرية لتدخل في إطار الفوضى، والفوضى تهدر الحقوق وتجلب الفشل وتنشر الإحساس بالظلم والخطر، ومن المعلوم بالضرورة أن طلب الأمان هو الغريزة الأولى عند الكائن البشري، فطلب الأمان مقدم على طلب الطعام؛ لأنه بلا أمان لا يمكن للإنسان أن يفعل أي شيء حتى تناول طعامه.

والفيلسوف الإنجليزي “توماس هوبز” رائد نظرية “العقد الاجتماعي” قدم لنا عبر مؤلفاته نموذجًا للفيلسوف العبقري العقلاني، والعقلانية في الأساس هي الموقف الفكري الذي يعتز بالعقل ويجعله حكمًا ومرجِعًا في جميع نواحي الحياة، وبذلك يكون كل الفلاسفة عقلانيين؛ إلا أن عقلانية “توماس هوبز” تعني أيضًا انتماءه للمذهب العقلي في الفلسفة والذي يختلف عن المذهب التجريبي الحسي؛ فيرى “توماس هوبز” أن المعرفة تكون بالعقل وليست بالحواس؛ ومن هنا يتخذ المنهج الاستنباطي ويعتبره منهج اليقين، وتصبح “الرياضيات” هي ملهمته لأنها عقلية تجريدية تمامًا لا مجال فيها للتجربة، فهي تستنبط نتائجها من خلال التفكير غير المشوب بالحس.

 أما التجريبيون فيرون أن المعرفة تأتي عن طريق الحواس، وللعقل دوره في المعرفة حيث إنه يستقبل ما أدركته الحواس من خلال التجربة ويرتبه ويحلل أبعاده ومن ثم يفهمه؛ فالعقل إذن عند توماس هوبز وأمثاله من أتباع المذهب العقلي هو طريق المعرفة؛ أما عند التجريبيين فهو أداة للفهم.

  • سمات الفيلسوف العقلاني:

ونحن عندما ننظر إلى خصائص الفيلسوف العقلاني نجدها جميعًا تنطبق على “هوبز” وهذه الخصائص يمكن تحديدها فيما يلي:

  • الاستقلال الذهني: حيث إن الفيلسوف العقلاني في جميع الظروف والأحوال يفكر بطريقة مستقلة بعيدًا عن التقيد بالسلطة، ومعنى السلطة: الفئة التي تملك القوة بحيث تلزم الآخرين بتوجهاتها، ومن هنا يصبح العرف الاجتماعي سلطة قاهرة، والفيلسوف العقلاني لا يهتم بالعُرف عند النظر في القضايا، فالسلطة الوحيدة بالنسبة له هي سلطة العقل.

  • ولذلك تجد الفيلسوف العقلاني مشاكِسًا كثير الخصوم؛ فهو خصم للسلطة المجتمعية ويختلف مع رجال الدين، وإذا آمن بالدين فإنه لا يؤمن إلا باقتناع تام، كما أن هذا الفيلسوف يرفض التسرع في الأحكام، والتحيز في الآراء، والجمود على التراث، والتوقف عند العادة.

  • ويتخذ الفيلسوف العقلاني موقف الشك والتفاؤل في وقتٍ واحد: أما الشك فسببه عدم ثقته في القديم؛ حتى إنه ليذهب إلى عدم وجود رأي ولا مُعتقَد مهما بلغت درجته في القِدَم أو الانتشار لا تجوز مناقشته أو إخضاعه لحكم العقل، فالفكرة أيًّا كانت لابد أن تقدم للعقل أوراق اعتمادها حتى يمكن قبولها. وهو متفائل لأنه لا يشك أبدًا في قدرة العقل على الوصول إلى تحديد لقيمة الأشياء والآراء والمعتقدات إذا ما استخدم المرء عقله استخدامًا سليمًا.

  • يؤمن الفيلسوف العقلاني بأن العقل واحد وعام عند جميع أفراد البشر، وهو أعدل الأشياء قسمةً بين الناس كما يقول “ديكارت” وأن الناس متساوون في قدراتهم جميعًا كما يقول “هوبز”.

  • ويترتب على هذا إيمان الفيلسوف العقلاني بأنه ما من شخص يُحَكِّم عقله بأمانة ونزاهة وإخلاص إلا وصل إلى نفس النتائج التي يصل إليها الفيلسوف العقلاني نفسه.

  • ليس من الضروري أن يرفض الفيلسوف العقلاني كل ما تأتي به التجربة؛ لكنه كثيرًا ما يدافع عنها بناءً على أسس عقلية خالصة.

  • المادية في فكر “توماس هوبز”:

ومن سمات “هوبز” أيضًا أنه “مادي”وماديته مرجعها إلى أمرين: الأمر الأول هو ازدهار العلوم الرياضية في عصر النهضة لأسباب كثيرة؛ منها انحسار الفكر الأرسطي بسبب ثورة الأوربيين العارمة على فلسفة أرسطو، وإحياء التقدير الأفلاطوني والفيثاغوري للرياضيات في المقابل، وكذلك استخدام الهندسة في إعداد الجسور والطرق واختراع الآلات والأدوات ورسم الخرائط وغير ذلك، وكانت النتيجة الحتمية لذلك هي تطبيق علوم الرياضيات على ظواهر الطبيعة التي اعتبرها العالم “جاليليو” كتابًا مفتوحًا كُتِبَت عباراته بلغة رياضية، وأصبحت الطبيعة عند العلماء والفلاسقة العقلانيين ساعة هائلة دقيقة الصنع تعمل وِفْقَ نِسَب رياضية محسوبة، وارتبط هذا كله بفكرة “الآلية الضرورية” فكل شيء في العالم يسير سيرًا ضروريًّا، ولم يَنجُ من هذه الآلية الضرورية سوى “النفس البشرية” عند “ديكارت” لتأثره بالديانة المسيحية حسب المذهب الكاثوليكي، ولأنه تربى في مدارس اليسوعيين؛ أما “هوبز” فإنه يرفض تلك الثنائية الديكارتية “الجسد والطبيعة مقابل النفس والروح” فهو مادي صرف لا يؤمن بروحانية النفس ولا بحرية الإرادة، بل يؤمن فقط بـ “الجبرية المادية” والتي تقابلها “الجبرية القدرية” عند بعض فرق المسلمين.

ولم يكن “هوبز” إلا صورة لعصره الذي انتشر فيه الفكر المادي، والعجيب أنه مع ماديته تلك لم يلحد؛ بل كان يؤمن بوجود الله، ولكنه تصور الله جسمًا؛ فكل ما يشمله الكون عبارة عن أجسام مادية تشغل حَيِّزًا من الفراغ، والجوهر عنده جسم أيضًا؛ فإذا كانت نفس الإنسان هي جوهره؛ فإن جوهر الإنسان مادة نعرفها جميعًا؛ فالنفس هي الروح عند “هوبز” والروح تعني وجود الحياة، والحياة في جسم الإنسان تكون بالدم؛ إذن فالنفس هي الدم.

وعند الوقوف على سيرة “هوبز” تبين لنا أنه كان ماديًّا في أفكاره وليس في أخلاقه؛ فقد عرفنا عنه أنه لم يتهالك على المتع والملذات والجاه والمناصب، ولم يعتقد أن الغاية تبرر الوسيلة؛ وإنما عاش حياة النظر الخالص، أي إنه عاش للفكر وحده، حتى أنه لم يتزوج وينجب أطفالًا، ولا سعى للوصول إلى أي منصب أو جاه، مع أن هذا كان ممكنًا بالنسبة له؛ حيث إنه في فترة من فترات حياته كان معلِّمًا لأمير “ويلز” في بريطانيا، وهو الأمير الذي اعتلى عرش إنجلترا باسم الملك “شارل الثاني”.

  • ليس شيطانًا:

لقد جعلت فلسفة “هوبز” منه شيطانًا في نظر البعض؛ فقد أطلق عليه بعض معاصريه لقب “وحش مالسبري” و”مالسبري” هي المدينة التي وُلِدَ “هوبز” في قرية تابعة لها ثم تربى في “مالسبري” نفسها، وقد رماه رجال الدين في زمانه صراحةً بالكفر فقالوا عنه: “رسول الكفر وزعيم الملاحدة”! وقال عنه أعداؤه إنه مصدر إزعاج في البلاد بلا حدود، بل وأشارت إليه أصابع البرلمان الإنجليزي وإلى نظرياته الفلسفية باعتبار أنها ربما تكون سبب وقوع وباء الطاعون والحريق الكبير الذي اندلع في لندن سنة 1666م!!

ولكل ما سبق فقد حُرِّمَت كتب “هوبز” ولُعِنَت في الكنائس وأُحرِقَت أمام الناس، وبلغ الأمر أن جامعة “أوكسفورد” منعت قراءة مؤلفاته وتداولها، وأسوأ من ذلك أن بعض اساتذة “أوكسفورد” طالبوا بحرق “هوبز” شخصيًّا! فهل كانت آراؤه بشعة إلى هذا الحد؟!

لا يسعنا إلا أن نقول بوجود مبالغات في ردود أفعال الكنيسة وأساتذة “أُوكسفورد” فلقد كان “هوبز” أحد الذين نبهوا العقول وحاربوا الظلام والانغلاق، وإن المطالبة بإعدام مفكر من أجل فكره هي في حد ذاتها جريمة، وقد أوضحنا أن “هوبز” وإن كان ماديًا إلا أنه لم ينكر وجود الله، ومع ذلك وللأمانة العلمية نذكر أن بعض الباحثين يعتقد بإلحاده، ولنا أن نقول إنه كان لفترة غير قصيرة من حياته إلى الإلحاد أقرب، وذلك لأن الإيمان بوجود الإله مع سلبه من أي تأثير أو فعل في الطبيعة هو إيمان بوجود إله سلبي غير مهم، ومحال أن يكون الإله خلق العالم ثم تركه يحرك نفسه بنفسه وتحكمه قوانين مادية مطلقة لا دخل للإله فيها، إن هذا الإيمان الذي يسلب الإله قدرته هو والإلحاد سواء، ومع ذلك فإن من حق “هوبز” علينا توضيح أنه قبل وفاته وفي ملحق الطبعة اللاتينية من كتابه “اللوياثان” والتي صدرت عام 1688 كتب أن الله قادر على التأثير في كل العالم إلا أنه أصر على فكرة أنه جسد له ميزة الامتداد وليس له مكان ينفرد به في العالم!

وعلى أية حال فإن الآراء التي عرضها “هوبز” بأسلوبه القوي الذي اكتسبه من قراءته للأدب قد ظلت موضعًا للعداء المستمر منذ عام 1650 وهي السنة التي ظهر فيها كتابه “اللُّويَاثَان” حتى سنة 1700م، ثم أصبحت موضع نقد ومناقشة على مدار القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

غير أن آراء “هوبز” لقيت تقديرًا حين طُرِحَت للنقاش الفلسفي المتعمق بعيدًا عَمَّا ساد في عصره من انفعالات دينية حكمت على فكره بالكفر وعليه بالإلحاد، ولم تناقشه مناقشة حقيقية، وحين نوقشت فلسفته بعيدًا عن تلك الانفعالات رآها بعض الباحثين صادرة عن عبقرية فَذّة كانت تسبح وحدها ضد تيار عصرها، كما وصفه الفيلسوف “هيجل” بأنه فيلسوف يتميز بأصالة أفكاره.

  • القانون والعقد الاجتماعي:

 وندخل الآن في نظرية “هوبز” عن القانون و”العقد الاجتماعي” وهي النظرية التي تميز بها والتي ساهمت في إرساء مفهوم الدولة الحديثة وكان لها أثر طيب في النهضة الأوروبية، رغم أن “هوبز” اعتقد أن “الملكية” هي أفضل أشكال الحكم، فنقول إنه لما كان “هوبز” يرى كل شيء ماديًّا، فإنه اعتقد أن الأصل في الناس هو الشر! فالرومانسية لا وجود لها في تفكير هذا الفيلسوف الذي اعتقد أن الأحاسيس تعود إلى ذرات الجزء القائم على الإحساس في الجسم البشري! وهذه الذرات عندما تتحرك ينشأ عن حركتها إحساسنا، وعن طريق هذه الحركة لتلك الذرات بين الدماغ والقلب ينعكس هذا الإحساس على مظهرنا الخارجي.

وانطلاقًا من هذا المنحى المادي الصميم يواصل هوبز فلسفته في أنثروبولجيا النوع الإنساني ليصل إلى نتائج ساقته إليها تلك المقدمات المادية التي وضعها وافتتح بها تأملاته النظرية. فقد رأى “هوبز” أن الإنسان مطبوعٌ على حب الذات والأنانية؛ ولذلك فأفعاله مدفوعة دائمًا بمصلحته الشخصية، وبالتالي فالإنسان يميل نحو الأنانية وليس حياة الاجتماع لأنه بطبعه شرير ومتوحش!

وللدكتور “إمام عبد الفتاح إمام” تعقيبٌ ونقدٌ على هذه الفكرة الأخيرة؛ فيقول في معرض دفاعه عن “هوبز”: “أما القول بأن الإنسان عند “هوبز” همجي شريرٌ بطبعه، غير مدني بفطرته، فذلك أيضًا تصويرٌ خاطئ لنظريات “هوبز” والحق أنه كان يعارض الفكرة الأرسطية الشهيرة التي ذكرها “أرسطو” في الفصل الأول من “الأخلاق النيقوماخية” وهي العبارة التي رددها الفلاسفة في العصور الوسطى – مسلمون ومسيحيون على حدٍّ سواء- ترديدًا بَبَّغَاوِيًّا في الأعم الأغلب؛ وهي أن “الإنسان مدنيٌ بالطبع” أو أنه “حيوان سياسي بفطرته” لكن علينا أن نفهم جيِّدًا ما يريد “هوبز” أن يقوله برفضه لهذه العبارة. إن ما ينكره هو القول بأن “الإنسان مخلوق يولد صالحًا للمجتمع” وهل يمكن لأحدٍ أن يقول إن الطفل اجتماعيٌ بطبعه، أو أنه يولد مفطورًا على حياة المجتمع؟! ألسنا في هذه الحالة نلغي دور التربية: دور الأسرة والمدرسة والمجتمع بصفة عامة؟ ألسنا بذلك نتغاضى عَمَّا تقوم به التنشئة الاجتماعية من إعدادٍ للطفل وتهيئة للمجتمع..؟!”

ولسنا نرى كلام الدكتور “إمام” إلا محاولة للدفاع عن “هوبز” ناشئة من الإعجاب الخاص بهذا الفيلسوف العقلاني. والحقيقة أنه كان ينكر فكرة الاجتماع الإنساني، والإنسان عنده ليس كائنًا اجتماعيًا بطبعه؛ وبالتالي ليست أنثروبولجيا النوع الإنساني لديه سوى حرب الكل ضد الكل، وهو الأمر الذي لخصه “هوبز” في عبارته الشهيرة “الإنسان ذئبٌ لأخيه الإنسان” فالاجتماع والتعاون بين الناس ليس هو الأصل الوجودي للعالم المعيش؛ بل “الحالة الطبيعية” هي الأصل، وهي طرف نقيض للحياة المدنية، إنها الأساس الوجودي للإنسانية في كل زمان ومكان.

والحالة الطبيعية لدى “هوبز” تعني الحياة بمقتضى غريزة حب الذات والسلوك المتوحش، ولذلك من الصعب أن توجد قاعدة أخلاقية عامة للسلوك الإنساني؛ فالقوة وليست الأخلاق، وحال الطبيعة وليست حال المدنية، هما من يحملان الإنسان نحو تحقيق رغباته الخاصة ضمن فضاءات سلوك حيواني أقرب ما يكون إلى الصراع في الغابة!

ولإثبات صحة مذهبه الذي يقضي بأن الأصل في البشر وسلوكهم هو الأنانية والشر، يستشهد “هوبز” بتاريخ البرابرة والأباطرة وما امتلأ به تاريخ الإنسانية من الحروب الدموية والدسائس الاجتماعية والمؤامرات السياسية، ومن المعلوم أن الدسائس والمكائد يقوم بها الفرد أحيانًا، ويعتمد عليها بعض رجال الدول سواءً لما يرونه مصلحة عليا للدولة أو لمصلحتهم الخاصة؛ فكأن شعار “الغاية تبرر الوسيلة” هو لسان حال الجميع.

ورغم كل ما سبق إلا أن العقل وليس الغريزة كان لابد أن يتدخل في نهاية المطاف لإنهاء هذه الفوضى المدمرة، والعقل كما يقول “هوبز” مقود بمنطق يُفْضِي إلى ضرورة السلام، أي ضرورة الخروج من الحال الطبيعية والكف عن السلوك المتوحش الذي يشعل الصراع بين البشر، وبالعقل وحده يرتقي الإنسان إلى سلوك مدني متحضر، ولتحقيق هدف أن يكون هذا الارتقاء عمليًّا ولتخليص الإنسان مما تجنيه نوازع الشر عليه كان لابد من موافقة الإنسان على أن يخضع لسلطة قانونية مطلقة؛ مما يعني عملية تفويض جماعي يقوم بها الناس بمحض إرادتهم، ومن خلالها يعترفون بتنازلهم عن وضعهم الطبيعي للحكم السياسي الذي يُحِدُّ من حريتهم لمصلحتهم.

وبعد عملية التفويض أو “المبايعة” ينخرط كل فرد في مجتمع مدني تقوده سلطة عليا مهمتها إدارة شئون الدولة، ولتحقيق هذا الهدف تبرز لدى “هوبز” فكرة العقد الاجتماعي- السياسي.

وبحسب التقسيم الكلاسيكي للدول فإنه توجد ثلاثة أشكال للدولة: الملكية – الأرستقراطية – الجمهورية، ورأى “هوبز” الذي عاش في المملكة البريطانية أن الحكم الملكي هو أفضل النظم السياسية القادرة على تخليص البشر من الحال الطبيعية حيث الفوضى وغياب القانون، وذلك بالخضوع التام لسلطة مطلقة تفرض النظام على الشعب بقوة القانون، وما الوحش أو “اللوياثان” الذي جعله عنوانًا لكتابه الشهير إلا رمز لكائن خرافي برأس تِنِّين يرمز به المؤلف إلى ما يجب أن تكون عليه سلطة الدولة في تطبيق القانون لتخليص الإنسان مما ترسَّخ في أعماقه من الشر والأنانية.

ويخلص “هوبز” من تأملاته السياسية إلى أن القانون الذي تطبقة السلطة الملكية هو الوحيد القادر على إنهاء الصراع بين أبناء المجتمع، وهذا من خلال خضوع الكل لحكم شخص واحد وهو الملك الذي تقع عليه مهمة دستورية متمثلة في إنهاء التنافر والصراع بين البشر حتى يعيش الكل في سلام تحت حكم القانون.

والحقيقة أن التاريخ الحديث للدول الغربية التي تخلت عن الملكية واحدةً تِلْوَ الأخرى؛ حتى أن بريطانيا نفسها أصبحت الملكية فيها رمزية، هذا التاريخ الحديث يؤكد لنا أن الديمقراطية هيأت مناخ التقدم والازدهار والوفرة والنجاح في مختلف المجالات، وهذا هو أفضل رد على أفكار “هوبز” التي نرى أنها لا تخلو من النظرة المتشائمة؛ فالحكم المطلق لا يحل المشاكل، ونظرة سريعة إلى أحوال دول العالم الثالث تؤكد لنا أن “الحكم المطلق” يزيد الطين بلة، فالسلطة المطلقة مفسدة مطلقة.

ورغم ذلك يُحسَب لـ “هوبز” أنه كان من أوائل القائلين بفكرة “العقد الاجتماعي” التي سيكون لها أهمية كبيرة في فلسفة “جان جاك روسو” الفيلسوف الفرنسي المعروف.

__________________

  • اعتمدت في هذه الدراسة المستخلصة من كتابي “آباء الفلسفة الغربية الحديثة” على كتاب “تاريخ الفلسفة الحديثة” للأستاذ “يوسف كرم” وكتاب “توماس هوبز فيلسوف العقلانية” للدكتور “إمام عبد الفتاح إمام”.

شاهد أيضاً

(ثقافات) النقد الرقمي والناقد الرقمي والنقد الثقافي التفاعلي    قلولي بن ساعد  قاص وناقد / الجزائر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *