الرئيسية / مقالات / هاملت لاجئا

هاملت لاجئا


*خيري منصور


ليس من هدفنا في هذه المقاربة المشاركة في إحياء ذكرى شكسبير بعد أربعة قرون ونصف القرن من ميلاده، فقد تولت هذه المهمة منابر عديدة في مختلف أنحاء العالم وبعدة لغات.
«هاملت» هي أطول مسرحية كتبها شكسبير بعد «أنطوني وكليوباترا» وكان هو نفسه قد وصفها بأنها مسيرة ساعتين على خشبة المسرح، ولم تكن هذه المسرحية مرجعية للتحليل النفسي فقط، لأنها أمثولة في التردد قبل اتخاذ القرار، إنها أيضا مرجعية نقدية وجمالية، فمن خلالها توصل ت. س. إليوت إلى ما يسميه المعادل الموضوعي في الشعر، وهو فائض الانفعال في غير مقامه أو سياقه، فكيف أصبح هاملت بعد أربعة قرون لاجئا عربيا بعد أن كان نموذجا للتردد في الأخذ بالثأر لأبيه؟
الإجابة قد تتلخص في إشارات التعجب على وجوه اللاجئين السوريين الذين شاهدوا المسرحية في أحد مخيماتهم، وقدمت شكسبير غلوب بعرض «هاملت» لمدة عأمين في أنحاء مختلفة من هذا العالم، ومخرجها في العرض الخاص باللاجئين السوريين هو دومينيك دروموغول، وعرضت أيضا مسرحية الملك لير للأطفال في المخيم ذاته، وهذا بحدّ ذاته يعد من المبادرات الثقافية لكن ما يثيره من أسئلة تصل حدود المساءلات هو التعامل الواقعي مع اللاجئين من مختلف الجنسيات والذين ابتلعت البحار أطفالهم وسال لعاب سمك القرش على رائحة دمهم مثلما سال لعاب المهربين على ما جَنوه من عرقهم.
لقد تردد كثير من اللاجئين العرب قبل اتخاذ القرار بمغادرة مسقط الرأس وليس من أجل الثأر، ثم اكتشفوا بعد أن وقعت الفؤوس في الرؤوس أنهم أصبحوا في هذا العالم مهاجرين بلا أنصار، وربما وجد طفل من هؤلاء اللاجئين في صمت كورديليا الابنة الصغرى للملك لير معادلا موضوعيا لصمته، خصوصا إذا كان من كاظمي الغيظ، أو ممن يصدق عليهم القول تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها.
في «الملك لير» يظفر الأعلى صوتا والأقدر على مَسرَحة الحزن بالغنيمة، بينما يخسر من لا يضطر إلى هذا التمثيل، والأصوات الصاخبة سواء تعلقت باللجوء والنزوح القسري أو بأي تراجيديا تحجب وراءها همسا شجيا ونبيلا، ومقابل الطبول هناك على الدوام نايات، وكم تمنيت لو أن اليونسكو ومنظمة الإغاثة الدولية تذكرت مسرحية «المهرج» لمحمد الماغوط، أو «الفيل يا ملك الزمان» لسعد الله ونوس، ليس لأن تكون بديلا لهاملت بل لتكون الأقرب إلى الهواجس وكل ما يدور داخل الذات الجريحة.
إن ما قاله الماغوط عن النهاية المأساوية أو بمعنى أدق التراجيكوميدية لعبد الرحمن الداخل يصلح لهذا الأوان، كما أن ما رأوه عن الفارس الدّحام يليق بهذه الحقبة التي تحولت فيها الأوطان إلى خوذ قد تعشش فيها الأفاعي والغربان لكن الحمام يتردد أكثر من هاملت قبل أن يبيض فيها. 
لدى الماغوط ومن خلال سخريته الجادة واللاذعة تمت مقايضة صقر قريش بشاحنة قمح اسبانية، وهذا النمط من السخرية كما وصفه بول فاليري هو أقصى التراجيديا، وبالمقياس الماغوطي ذاته فإن عودة صلاح الدين إلى عصرنا، وهي التي يتباكى عليها الباحثون عن بطل، أو سلفادور من أجل الخلاص، قد تنتهي إلى ما هو ابعد من مقايضة صقر قريش، ويتيح لنا الخيال التاريخي أن نتصور عشرات المصائر من هذا الطراز، لكن على الطريقة التي تحدث فيها الطاهر وطّار عن الشهداء إذا عادوا، وكيف سيقتلون مرة أخرى من ذويهم وأراملهم وكل من حوّل موتهم إلى مكاسب.
قبل أربعة قرون لم يخطر في بال شكسبير أن عصرا سيأتي يصبح فيه قتل الأب والأم وذوي القربى أمرا عاديا ومتكررا ولم يخطر بباله أن مسرحيته سوف تعرض على لاجئين منهم من لاذ من النار بالرمضاء، ومنهم من ابتلعته البحار، تماما كما أن الأسطورة بنيلوب وعوليس قد أعاد العرب المعاصرون صياغتها، لكن على نحو لم يفتضحه أحد كما افتضحه الشاعر اليوناني ريتسوس حين أعاد عوليس إلى امرأته بعد أن شاخ وتهدم وامتلأت ساقاه النحيلتان بالندوب فأنكرته وندمت على ما لم تظفر به من العشاق أثناء غيابه.
ولو تخيل شكسبير هاملت لاجئا في عقر وطنه وداره لكانت مسرحية كوميديا الأخطاء هي ما يليق بهذا الوقت، قبل عقدين فقط كان لكلمة لاجئ في لغتنا دلالة واحدة، هي اللاجئ الفلسطيني الذي صدرت من سيرته طبعة ثانية ونقحة بعد عشرين عاما من احتلال فلسطين عام 1948 بعنوان آخر هو النّزوح، لكنها الآن متعددة الدلالات بحيث يختلط الأمر علينا كما يختلط على اليونسكو ومنظمة الإغاثة.
عن أي لاجئ تتحدثون؟
الفلسطيني أم العراقي أم السوري أم اليمني أم الليبي؟
إنها أمّة من اللاجئين.
__________
*القدس العربي

شاهد أيضاً

قد جاء وقتي وآنَ لي أن أكشفَ

* أحمد الشهاوي عاش النفَّري صاحبُ ” المواقف ” و ” المُخاطبات ” يسترُ معانيه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *