الرئيسية / إضاءات / مناجيات مع كازانتاكيس (5)

مناجيات مع كازانتاكيس (5)



*لطفية الدليمي


كافحت بأقصى ما أستطيعه لبلوغ ما لا أستطيعه
وجدتك تهمهم وأنت تنصت إلى الشيخ الصيني البوذي : أنا أعرف التاو الذي كتبه لاوتزو ، ولكن أسلافي اليونانيين قالوا قديماً : إن الروح تمرين مشترك للحواس الخمسة ، فأنا روح كهذه ، حيوان بخمس مجسات تداعب العالم ، حواسي مجساتي لاكتشاف العالم.
– انت المخلوق الذي تنصل من القرد ذات صباح ووجد نفسه عاريا بلا حماية ، بلا انياب او مخالب لا يحمل سوى نار متقدة في رأسه الهش.
– أجل ،ها أنا ممثل البشرية وسلالة الانسان بأجمعها تصرخ من أعماقي ، ففي داخلي تصطخب وتتصايح أجناس لا تحصى من البشر، بيض وصفر وسود ، ولكني تحررت منها ، تحررت من السلالة كلها ، جاهدت كي أحس بالانسان المكافح في كل مكان ، وأتأمله كيف تفوق على سلفه الحيوان ، وكيف يناضل ليبقى واقفا بقامة منتصبة ، وكيف ينظم الصرخات العشوائية ويحمي الشعلة المتوهجة ويحافظ على العقل سليماً بين عظام رأسه.
– هل تشعر بالشفقة على ذلك المخلوق ؟
– أشعر بالأسى والحنان والمشاركة وأحاول أن أفهم ما الذي يريده في مسافة الحياة بين هوة الرحم المظلمة وهوة القبر.
– وهل توصلت الى خلاصة عن هذا الكائن ؟
– أظنني فهمت شيئا عندما تحررت من عبء السلالة كلها فقررت ان لا أطمع بشيء ولا أخشى شيئا ، لقد تخطيت العقل والقلب وصعدت الى أعلى فأنا حر تماماً ، وهذا ما ابتغيته ولا أبتغي شيئا آخر عـداه ، لقد كنت أطلب الحرية وحدها.
وبماذا توصي الكائن البشري كخلاصة ؟
– أتمنى أن نغادر الأرض لا كعبيد ممزقين ومجلودين ، بل كملوك ينهضون عن المائدة وهم ليسوا بحاجة الى شيء بعد ان أكلوا وشربوا حتى الإمتلاء و لكن القلب سيظل يخفق داخل الصدر ويقاوم صارخاً : إبقَ قليلا ..
– وقلبك أيطمح الى تخطي كل شيء لينال كل شيء ؟
– أوصاني جدي حين تراءى لي في حلمي قائلا: توصّل إلى ما لا تستطيعه ، أي لا تستسلم للحدود ، امضِ قدماً ..
– وهل فعلت ، هل كافحت لقهر مستحيل لا تقدر عليه ؟
– كافحت بأقصى ما أستطيعه لبلوغ ما لا أستطيعه ، وجعلت هذا واجبي ، ولا أدري إن كنت نجحت أو فشلت ، لكني لم استسلم للحدود المفروضة على البشر.
تذكر في ما تذكره أن ثمة دم عربيٌ امتزج بدمك الأغريقي ، وتروي ان الامبراطور الروماني نيقفوروس الثاني فوكاس استعاد جزيرة كريت من العرب في القرن العاشر ووزع العرب الناجين من المعركة على قرى عديدة أسموها بارباري وفي احدى هذه القرى عاش أجدادك ..
– نعم إن في آبائي جذورا عربية فهم كالعرب فخورون وعنيدون ، معتدلون في طعامهم ومعادون للجميع ومرتابون ، كانوا يخزنون حبهم وغضبهم لسنوات عديدة ثم فجأة ينفجرون ، كانت العاطفة أهم شيء لدى أسلافي، ولكنهم يكتمون الغضب والغيظ وبينما هم موشكون على الاختناق ، يتحولون فجأة إلى قراصنة أو يفصدون دمهم ، وقد يقتل أحدهم المرأة التي يحب خشية أن يصبح عبداً لحبها.
ماذا ورثت من هؤلاء الأجداد ؟
– جاهدت لتحويل ذلك الثقل القاتم إلى روح ،حولت أسلافي الشرسين إلى روح وطمستهم وأخضعتهم إلى امتحان علوي..
وهل بقيت ثمة أصوات تهب في أعماقك من اؤلئك الأسلاف ذوي الدم العربي؟
– نعم فما زال قلبي يخفق جذلا كلما شاهدت شجرة نخيل.
 يتبع
_________
*المدى

شاهد أيضاً

رحلة السّفير المغربيّ ابن عثمان في القرن 18 لتسريح أسرىَ جزائرييّن في السّجون الإسبانية

* د.محمد الخطّابي السّفير إبن عثمان المكناسي– فى فقرات تدخل فى صميم مأموريته لدى العاهل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *