الرئيسية / نصوص / مثل أميرة تتجرّع المنفى

مثل أميرة تتجرّع المنفى


*محمود شقير

خاص ( ثقافات )

ست قصص قصيرة جدًّا

منذ الآن

اسمها ميرال .
كانت تنتظرني في المطار. فتاة ممشوقة القوام، لها عينان زرقاوان وشعر أشقر يترامى على الكتفين. قالت إنّها طالبة في الجامعة وهي تعدّ رسالة الدكتوراه عن تاريخ القدس، وتعمل في أوقات فراغها مرافقة للوفود القادمة إلى البلاد.
كنت قادمًا لحضور مؤتمر للتضامن مع القدس. غادرنا أنا وميرال المطار إلى الفندق الذي سأقيم فيه خمسة أيّام. قلت: سأروي لك قصصاً وحكايات عن القدس، وعن نساء ورجال مرّوا بها أو عاشوا فيها. شكرتني وكانت اسطنبول تنتشر من حولنا في كلّ الجهات.
تركتني وحدي في المساء. تمشّيت في شارع الاستقلال وسط جموع من الرجال والنساء. ستقول لي في اليوم التالي إنّها كانت مشغولة في مكان آخر. وكان عليّ أن أتوقّع تكرار غيابها منذ الآن.

إيقاع

في الصباح، ذهبنا إلى الباب العالي.
مشت إلى جواري، وكانت كلّما خطر ببالها سؤال حول القدس سألته كما لو أنّني أنا مرافقها ودليلها. ولم يسؤني ذلك. وكنت كلّما خطر ببالي سؤال عن أيّ شيء سألتها من غير تردّد كما لو أنّني أعرفها منذ عام.
شاهدنا على حيطان القصر رسومًا لرجال معمّمين حول موائد الطعام. شاهدنا قدورًا وأواني للطبخ. أشارت إلى وعاء من البورسلين تمّ إحضاره إلى الخليفة مع أوعية أخرى من الصين. هذا الوعاء قادر على كشف السمّ، ما جعل الخليفة مطمئنًّا أثناء تناوله الطعام. وفي القصر عروش وسيوف وتحف وأساور وخواتم من ذهب. التقطت ميرال صورة لي وأنا واقف أمام إحدى اللوحات. شكرتها، وطلبتُ من أحد الأشخاص أن يلتقط صورة لي ولها.
تجوّلنا في ردهات القصر وفي حديقته الفسيحة. هناك، كانت فرقة موسيقيّة عسكريّة تعزف ألحانها، والماضي ينبعث عبر شتّى التجلّيات، وكنّا أنا وميرال نصغي لإيقاع الماضي، وميرال تبدو كما لو أنّها واقعة تحت سطوة ذلك الإيقاع.

جزر

هي تسع جزر استخدمها السلاطين منفى للأميرات. قلت لميرال: هذا منفى بعيد، وهو على العكس من قصر الحمراء في غرناطة، هناك، كان سجن الأميرة المحبّة مجاورًا لقصر السلطان. قالت إنّها لا تملك تفسيرًا لهذا التباين في المسافات.
مشينا في شوارع الجزيرة الكبيرة، وهي عامرة بالناس وبالمتاجر وبالمطاعم وبكلّ منتجات الحضارة. قلت: إنّها خسارة، خسارة لا تعوّض. سألتني: عمّ تتحدث؟ عن الأميرات وحرمانهنّ من متع الحياة. قالت: لا تقلق عليهنّ، أكيد، نلن ما يكفيهنّ قبل نفيهن. أضافت وهي راغبة في تغيير مسار الكلام: كم تتوق نفسي لزيارة القدس! (مساء أمس، افتتح المؤتمر وقيل كلام كثير دفاعًا عن القدس). قلت لها: أدعوك لزيارتها من الآن.
شكرتني، وواصلنا المشي في الشوارع. دخلنا مطعم “علي بابا” لتناول طعام الغداء وجلسنا متقابلين. تأمّلتها في صمت.كانت واجمة مثل أميرة تتجرّع المنفى دون أمل في الخلاص، أو هكذا خيّل إليّ وأنا أرنو إليها باحتراس.

عربة

ركبنا عربة يجرّها حصان. جلست إلى جواري وراحت تشير إلى الأشجار التي تتكاثف هنا وهناك. قالت إنّها تحبّ أن تجرّب المنفى في غابة. قلت لها: عليك أوّلاً أن تصبحي أميرة. ابتسمت وقالت: سأتخيّل أنّني أميرة. ولم أعلّق على كلامها لأنّ الحصان توقّف عن السير لسبب ما.
راح الحوذيّ يشدّ لجامه برويّة ورفق، فانطلق مواصلاً السير من جديد. قلت: ربّما ساورته فكرة ما فاضطرّ إلى التوقّف لاستيعابها. قالت: ربّما. وكان المشهد من حولنا ممتعًا ومريحًا للأعصاب.
توقّفت العربة عند مقهى يحتسي فيه السيّاح ما طاب لهم من شراب. شربنا أنا وميرال زجاجتيْ عصير. كانت تصغي إليّ وأنا أحدّثها عن القدس، وكنت أصغي إليها وهي تحدّثني عن حبّها للشجر والغابات.
اقترب المساء، وكان علينا أن نغادر الجزيرة إلى اسطنبول. قالت لي: بعد يومين تعود إلى القدس. هززت رأسي وأنا أتأمّل ما في عينيها من أسى وعذاب.

العشيقة

ركبنا السفينة التي قطعت بنا مضيق البوسفور. كانت اسطنبول الآسيويّة على يميننا واسطنبول الأوروبيّة على يسارنا، وميرال تتنقّل مثل فراشة داخل السفينة المليئة بالمتنزّهين. جلستُ في مقعد محاذٍ للشبّاك ورحت أفكّر في أشياء لا رابط بينها: في البلدان التي تنشطر، وفي البلدان التي تتوحّد، وفي الناس الذين يأتون إلى هذه الدنيا ثم يمضون.
أحضرتْ لي كأسًا من الشاي، وضعتها أمامي. شكرتها وابتسمتْ ولم تجلس إلى جواري مع أنّني كنت راغبًا في ذلك. اعتقدتْ أنّني ما زلت منهمكًا في التفكير، ولم تشأ أن تقطع عليّ حبل أفكاري.
بعد دقائق، جاءت وجلست. أنت تفكّر في القدس. في القدس وفي اسطنبول وفي الناس هنا وهناك. هل يروقك مضيق البوسفور؟ يروقني بالتأكيد. قالت: بحسب الأسطورة، كان هناك إله وقع في حبّ امرأة جميلة. خاف الإله من اكتشاف زوجته الإلهة لحبّه. حوّل عشيقته إلى بقرة، وأصبح اسم المضيق: عيني البقرة.
نظرت إليّ لترى تأثير الأسطورة عليّ، فلمّا لاحظت صمتي سألتني: هل ترغب في أن تكون قادرًا على تحويل الكائنات؟ ابتسمتُ: لا. ليس إلى هذا الحد! نظرت نحو البعيد ثم نهضت وهي تقول: هذا أفضل لي ولك. قلت: لماذا لنا نحن الاثنين؟ قالت بشيء من النزق: لك وحدك، لك وحدك. ثم قالت: هيّا بنا، انتهت رحلتنا.
نهضنا وغادرنا السفينة. تكدّرتُ لأنّ الحوار بيني وبينها بدا مضطربًا على نحو ما.

اختفاء

دخلنا قصر السلطان عبد المجيد. تحوّل قصره منذ سنوات إلى متحف يرتاده الناس. كان السلطان رسّامًا عاشقًا للأحمر من الألوان، تأمّلنا أنا وميرال لوحة رسمها لزوجته التي كان متيّمًا في حبّها. حدّثتها عن روكسلانة التي أحبّها زوجها السلطان، وعن أوغستا فكتوريا زوجة الامبراطور.
هزّت رأسها وقالت: توجد في هذه الدنيا نساء محظوظات.
تجوّلنا في أنحاء القصر. قالت: استدان السلطان اثني عشر مليون ليرة من ذهب لكي يبنيه، واستخدم في بنائه أربعة عشر طنًّا من الذهب لتزيين الصالات والحمّامات وغرف النوم وأماكن استقبال الضيوف. قبضت على يدي وقالت: هذا تبذير وجنون. وبعد لحظة صمت: هذا الكلام أقوله لك وحدك.
شكرتها على ثقتها بي وواصلنا التجوال في ردهات القصر. وبعد وقت، انتبهتُ إلى أنّني أمشي وحدي. تلفتّ في كلّ اتجاه لأراها فلم أرها. عدت إلى الوراء لعلّها تأخّرت في تأمّل مشهد أو قطعة أثاث، ولم تكن هناك. بحثت عنها في البهو القريب، بحثت داخل القصر وخارجه ولم تكن هناك.
غادرت اسطنبول في اليوم التالي وفي نفسي أسف وأسى وفضول.
________
* روائي وقاص فلسطيني

شاهد أيضاً

النقيق – قصة قصيرة

محمد الكريم أبحث عن طريقة توصلني إلى بيت أبي الضفادع، وأبو الضفادع يمشي وينق مثل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *