الرئيسية / قراءات / آن في المرتفعات الخضراء

آن في المرتفعات الخضراء




*رشا المالح

«كتبت عن حب وليس لأجل المال». الكتب الأكثر نجاحاً ومثل كل الأشياء العظيمة في العالم، ولدت من حب حقيقي لتملك حياة خاصة بها »، قول للروائية وكاتبة القصة القصيرة الكندية لوسي مود مونتغمري، وتقصد به روايتها «آن في المرتفعات الخضراء» التي حققت نجاحاً فور صدورها عام 1908، أعيدت طباعتها عدة مرات حتى اليوم.

وتعتبر مونتغمري التي ولدت في 30 نوفمبر 1874 في قرية قرب نيو لندن، من مؤسسي ورواد رواية اليافعين. وقد أصدرت بعد روايتها الأولى السابق ذكرها عام 1908 ستة أجزاء على التتالي لذات البطلة آن. وأسوة ببطلة روايتها آن، عاشت مونتغمري يتيمة بعد وفاة والدتها وانتقالها إلى كنف جديها في كافنديش. وعلى الرغم من الحياة الصارمة التي فرضها عليها الجدان، كانت سعيدة بالطبيعة المحيطة بها، وبالأصدقاء في الجوار والأقرباء الذين كانوا يترددون على المزرعة بصورة دورية. وكانت دائمة الهرب من شعور الوحدة الذي لازمها في طفولتها.وفي الخامسة عشرة من عمرها نشرت أول قصيدة لها في إحدى الصحف المحلية، وتأهلت كمدرسة عام 1895 ودرست في برنس إدوارد آيلند.
وفي عام 1895 درست الأدب في جامعة دالهوسي في هاليفاكس. لتعود بعدها وتعتني بجدتها المريضة إلى جانب العمل في مكتب البريد والاستمرار في كتابة مجموعة من القصص. وهناك كتبت روايتها الأولى الشهيرة وتقول بهذا الشأن، «سرعان ما بدت لي آن حقيقية أكثر مني وهيمنت علي بصورة أكثر من عادية».
وقد سلبتها القضايا القانونية التي رفعتها على ناشرها واستمرت لمدة تسع سنوات، إحساسها بطعم النجاح. وقد ساهم تدهور صحة زوجها النفسية وكآبته في إرباكها وتوترها. وفي عام 1925 انتقلت العائلة إلى نورفال قرب تورنتو، وبعد عشر سنوات انتقلت مجدداً إلى تورنتو حيث نشرت الجزء الأخير من سلسلة روايات آن عام 1939، وتعكس فيه خيبة البطلة في الحياة.
ونتيجة الضغوطات التي عاشتها مونتغمري ومسؤوليتها بمفردها عن طفليها، أصيبت عام 1930 بانهيار عصبي، ولم تتعاف منه بالكامل حتى وفاتها في 24 أبريل عام 1942. وقد تركت عشر مجلدات من مذكراتها الشخصية (1889 ـ 1942)، بالإضافة إلى مجموعة من القصص وكتابان للبالغين مع عشرين رواية.
كانت مونتغمري أول امرأة كندية تنضم إلى الجمعية الملكية للفن في بريطانيا. وحازت على المزيد من التكريم سواء من فرنسا أو الإمبراطورية البريطانية أو من كندا حيث أعلنت الحكومة عام 1943 أن الروائية، شخصية تاريخية وطنية مميزة.
ويتميز أسلوبها بسرد ذكي حيوي بإيقاع سريع يتراوح بين اندفاع خيال الشبان وبين محاكمة الفكر والقلب. كما أن أغلب الحياة والمغامرات التي عاشتها بطلات رواياتها، مستوحى من تجربتها الشخصية. علماً أن من أسباب انهيارها العصبي أيضاً، ركود أعمالها بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى وعزوف القراء عن كتبها باتجاه أدب أكثر واقعية يتناول الحرب ورعبها.
ترصد رواية «آن في المرتفعات الخضراء» حياة إنسانة يتيمة، من الطفولة إلى نهاية مرحلة المراهقة مع التحولات التي تمر بها، وكيفية التعامل مع مواقف وظروف الحياة تبعاً لآلية التفكير في كل مرحلة عمرية. والأهم من كل هذا التركيز على إيجابية التفكير والتفاؤل ورؤية الجانب المشرق من الحياة بصورة غير مباشرة.
وبطلة الرواية طفلة يتيمة مفعمة بالحيوية والاندفاع. وهي على الرغم من فقدان والديها عندما كانت طفلة رضيعة وعملها حتى بلغت الحادية عشرة من العمر في عدة بيوت آوتها لترعى عدداً من أطفالها في مثل سنها، بقي تفاؤلها بالحياة جزءاً راسخاً من مزايا شخصيتها.
وصلت آن إلى مزرعة المرتفعات الخضراء، وفرحتها بجمال الطبيعة والمكان تفوق أي وصف، لكنها سرعان ما أدركت أنها وصلت نتيجة خطأ من مسؤولة الميتم. يشفق صاحب المزرعة ماثيو المتقدم في السن وأخته ماريلا العانس على آن التي وصلت بدلاً من صبي الميتم.
كان ماثيو قد طلب صبياً من الميتم لمساعدته في أعمال المزرعة، لكن حبور آن وحماسها وطلاقتها في التعبير عن مشاعرها، دفعوا ماثيو للتعاطف معها وسرعان ما أنس لحديثها ثم لها على الرغم من خجله وصعوبة تواصله مع النساء من مختلف الأعمار. تعارض ماريلا في البداية بقاءها، لكنها هي الأخرى تتعاطف معها بعد أن سمعت قصتها وظروفها.
تشيع الطفلة في المزرعة الحيوية والمرح ويعتبرها الشقيقان بمثابة ابنة لهما، ويتجلى حرص آن الدائم على إسعاد الآخرين واكتساب حبهم ورضاهم، وبعد أن كان هاجسها الانتماء إلى عائلة ومكان. بعد شعورها بالاستقرار وتكوين الصداقات كرست طاقتها في الدراسة وكانت تجد في كل من شخصية مدرستها ومن ثم زوجة القس نموذجاً يحتذى به.
وتتجلى المواقف الكوميدية في كل مرة تتحمس آن لشخصية ما، إذ يدفعها انفعالها وارتباكها إلى التصرف بحماقة وبصورة خرقاء، إلا أن طيبتها وإخلاصها كانا يتغلبان على كل شيء في النهاية.
وكلما مرت سنة تعمقت الكاتبة في تحليل الأحداث وكل من شخصية آن وماريلا، وبالتالي رصد تعاقب مراحل نضج تفكير آن، التي انقلب اندفاعها وحيويتها إلى هدوء واتزان، وتجلى ذلك من خلال صداقتها مع غيلبرت بلايث التي بدأت بصورة سيئة في مرحلة الدراسة الأولى. وبسبب كبريائها وعنادها تصر على تحفظها معه.
ومع وصول الأحداث إلى ذروتها حيث يفقد ماثيو وماريلا مدخراتهما عند إفلاس المصرف، تعيد آن النظر بشأن منحة آفري وحلمها بالجامعة لتعود إلى المزرعة لرعاية ماريلا بعد وفاة شقيقها. وحينما يسحب غيلبرت طلب تدريسه في القرية لتحظى هي بالوظيفة لتكون قرب ماريلا، تفكر آن بما سمعته من ماريلا عن حبها القديم لأحد الشبان وخسارتها له بسبب عنادها وكبريائها، وتعيد النظر بشأن عنادها وتقرر أن تمد يد الصداقة لغيلبرت. وتتمسك بالتفاؤل على الرغم من التضحية بالمنحة، إذ تحدوها القناعة أن الحياة تحمل دائماً الجديد والأفضل في كل منعطف لها.
الكتاب: آن في المرتفعات الخضراء
تأليف: لوسي مود مونتغمري
الناشر: ل. سي. بيج وكومباني
الصفحات: 429 صفحة
القطع: المتوسط
_______
*البيان

شاهد أيضاً

جماليات الشجرة في قصص سورية معاصرة

(ثقافات) جماليات الشجرة في قصص سورية معاصرة د. علياء الداية تشترك قصص سوريّة معاصرة في عنصر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *