الرئيسية / قراءات / رباعيّ ورق فكريّ عند مساء قصيد لـ” سميحة المصريّ”

رباعيّ ورق فكريّ عند مساء قصيد لـ” سميحة المصريّ”


*بديع لطيف

خاص ( ثقافات )

أولى الورقات ( ناقد وقصيدة )
الوقفة الطّلليّة ذاتها في رائعة ” المساء ” للشّاعرة العربيّة سميحة المصري
” كانت قهوتك أيها المساء
بمزاج ذاكرتين و بهجة وحيدة
بذراعَين من خلود و ذهول
و صوتين بلا حناجر / و خمسين من السّنين
تنسدل هدب القلب على تراتيلك و صلواتك و أزمنتك
يا بهيّ الحسن … حين تطاردك بالرّائحة أغمار من الزّهر
و تغري روحُك الفراشةَ يالقنديل
فتطيب رائحةً و سكينه “
غابت ” الدّمن ” و حضرت الأزمنة و سكت ” المرقّش ” فلوّحت
” حفيدة أسماء ” بِ ” مساء و ذاكرتين …” : مفرد محلّه الرّفع و مثنّى محلّه الجرّ و طلائع صلوات شعريّة وليدة وفيّة لقصيدةِ أمٍّ أزليّة مسافرة ما ظلّت تسافر الرّيح .. هو ” المساء ” عربيّ واقف . و هما الذّاكرتان.. رفيقا رحلة يمرّان حيث مرّ و يسكنان حيث سكن . و دون هذا المتأمّل الواقف و دون تبيعَيه الجليسين عين فؤاد من خلف حجاب ” لا شرقيّة
و لا غربيّة ” ، تلبس الزّهراء لترصد مشهد ” المساء ” كما هو : رفّة جناح برفّة جناح و سكينة روح بسكينة روح مادامت ” الأصوات بلا حناجر ” ، معها أضحت سميحه المصري و ” المرقّش ” شاعريْن عند محراب واحد تحترف و إيّاه الصّمت في لحظة شعريّة كونيّة قدسيّة بامتياز . 
هذا ما حدّثتني به قصيدة ” المساء ” شكلا . أمّا مضامينها فإعراب آخر.
………………………………………………………………………
ثاني الورقات
الزّمان عنوان و القهوة و القصيدة صنوان في رائعة ” المساء ” للشّاعرة العربيّة سميحه المصري
تماما مثل القهوة التي تعدّ بمقدار، ردّة فعل فؤاد في حيّز من ليل
أو نهار، تلكمُ هي القصيدة . الاثنتان توقد لهما نار فتطبخان على مهل
أو استعجال حتّى إذا ما استقامتا ناضجتين أتى عليهما اللّسان يتذوّق هذه رشفة برشفة و يتكلّم تلك همسة بهمسة : مزيج ” ذاكرتَيْ ” قهوة
و قصيدة تستهدفان العقل و القلب معا ، تتلبّسان بصاحبهما ، تذهلان لذهوله ، تشدوان لشدوه و تصابان لمصابه . حتّى إذا ما تراكم حسّه
و شفّت مشاعره انتفضتا وقفة طلليّة لكبير مرقّشيْن مع تابعَيه ، مساؤهم كونيّ لم يتغيّر ، عمره في العشرين أو الثلاثين أو ” الخمسين “
أو” الألف ألف من ” السنين ” ..
مساء ” تنسدل هدب القلب لتراتيله “. مساء برائحة قهوة و سكينة قصيدة: أمّا القهوة فربّما هي حالة تطوّر لشاي أو خمرة أو أيّ شيء آخر جُعل ليُعاقر . و أمّا القصيدة فواحدة فريدة ظلّت تتلوّن لا بحسب الزمان
إذ الزّمان كونيّ أزليّ … و إنّما تلوّنها بحسب مكان قدَره أن يتبدّل
منذ إمرىء القيس و حتّى سميحه المصريّ …
………………………………………………………………………
ثالث الورقات
المجاز مراسم و القهوة أمكنة و مواسم في رائعة ” المساء ” للشّاعرة العربيّة سميحة المصريّ
” ” لقهوة الشّتاء صقيع الأماكن تحت الشّجر العتيق
يا أخت الرّوح / كيف تجلّيت مع القصيدة ؟؟
تسيّدت فاكتظّ القلب بزوّاره و زوّادته
و صرت كعاشقة تنضج على مهل
يا قهوة اللّيل المقدّس
نبتت شجرة بين أصابعي اسمها وردك
أنتِ … لا سلطان لمرارتك إلاّ على عابري سبيلك
حين يتورّد ذاك الأبيض و ينتشي
تترك النّجمات كونها المضاء و ترحل
لتتسيّد أيّها الألق …
تحدّثني عن مسارب الوداع إذا ؟
أو الفراق المنتظر … ففي القلب شموس جديدة
لا تشربها في الموات .. حيث تطلب منك الحياة
حين يستلقي الصّمت على الأريكة
فقط سلّم على سليلة النّسب
تلك التي هي عطش لأرواح البخلاء
هي قهوة الرّبيع … هي سكن الخاطر
أغنية … لفناجين الأحلام المكتظّة بالغياب
طوبى لمن شربوها هناك أو هنا
عند الضّفة الأخرى من الرّوح
في مساءات و أسماء منذورة للرّيح و للتّيه
حيث غفت النّار
و ظمئت المواقد .. “
الآن و قد تكاثفت اللّحظة الشّعريّة . الآن و قد هفهف الوجد . الآن و قد رفرف الفّكر . الآن و قد انشطرت الشّاعرة قلبا و قهوة و قصيدة . الآن وقد أتى طرفة البكريّ على كلّ حديثه الطّلليّ . الآن وقد استعدّ المرقّش مع صاحبيْه للمضيّ . الآن فقط صار للرّحلة و قد اكتملت شروطها أن تُسأنف مسافة ” عابري سبيل ” ، إذ الرّاحلة قاطرة قهوة يمتطي الباثّ
أو المتقبّل لونها و مذاقها و رائحتها فيستغرق في سفر عميق يقلّب ناظريْه ” ذات اليمين و ذات الشّمال ” . و إذا المنتهى مواسم
بعينها . و إذا المنى – كلّ المنى – تلك الفضاءات لا غيرها . و إذا
” الشّتاء ” . و إذا ” صقيع الأماكن تحت الشّجر العتيق ” . و إذا الرّبيع ” سكن خاطر و ضفّة أخرى من الرّوح ” . و إذا القهوة موضوع خطاب و مخاطَب . فطوبى لك يا سيّدي من تعانق ” قصيدة المساء ” . فقط عدّل من جلستك . شدّ أحزمتك و حلّق بفؤادك أنّى و كيفما شئت . ما دامت الوسيلة رشفة من قهوة هي ” أغنية … لفناجين الأحلام المكتظّة ” .
و ” الفناجين ” مفرة حيّة ذاكرتها ” فنجان ” هو الآخر قاطرة زمان جلست قارئته ذات مكان تتأمّله مقلوبا ، قالت :” يا ولدي لا تحزن … “
أفلا نظرتم الآن إليّ إذن فصدّقتم تجربتي أنا المتلقّي الفاعل و المفعول به في آن . من ذات ” قهوة المساء ” شربت و قرأت فهمت فطرت بلا جناح ” كسرب حمام ” من مراسم مجاز حرف شاميّ إلى مواسم قهوة
و مقام حجاز أردنيّ .. أفليست القهوة من الفنجان ؟؟ أفليس العكس صحيحا ؟؟ . و إلاّ فلِمَ أفرغ الشّيء من محتواه ساحر قبّانيّ و لِمَ أعادت المحتوى للشّيء عينه سميحة المصريّ ؟؟ و الشيء فنجان و القهوة كما الرّوح محتوى …
…………………………………………………………………….
رابع الورقات
الأمر و سياقه القدسي في رائعة ” المساء ” للشّاعرة العربيّة سميحه المصري
” اِقْرَأْ قهْوتكَ في هبَلِ العرافات
و اكتبْ قهوتك حُبَّا مَنْقُوعا في الغياب
وَ شُمَّ قهوتَكَ من ثُقْبِ حُلْمَيْن .. لِيُطِلَّ الصُّبْح
هناك قهوة تُشْرب .. قلبك فيها بوصلة الأبد
هناك قهوة تُكتب فاكتبها لدروب ضائعه
و قهوة تُشم فعطّر بها رحلة الوداع الأخير
و قهوة تُقرأ … فاقْرأها سَلاما على منْ قبّلَ قلبَك
لِيَرْتَقَ فَتْقا هُناك .. بحجم مَجَرَّه “
هي الباثّة تستعذب ” مفردة القهوة ” فتجريها حروفا بطيئة
( قافا ،هاء ، واوا ثمّ تاء ): مربّعات سكّر أردنيّ تذوب مع حركة اللّسان مرّات فمرّات . قد نادتها ” أخت الرّوح ” أوّلا فما شفت غليلا .
و قد ألحقتها ” باللّيل المقدّس ” ثانيا و ما شفت غليلا .
هل خشيت سميحة نضوب خطابها ” حيث غفت النّار ../ و ظمئت المواقد ” حتّى تصرّح شجنة و بكلّ كشوفات العقل و القلب تبوح ؟
و ما معنى أن تُقرأ ” القهوة ” ؟ ما معنى أن تُكتب ؟ ما معنى أن تُشم ؟ هل ” القهوة ” معلّقة الأعشى مثلا ؟ هل هي عَبرة و عبارة و عرائش ياسمين تفوح ؟ و فيمَ كثافة صيغة الأمر و فيمَ تعاودها ؟ أهي بحقيق معناها أم أُخرجت في سياق قدسيّ منسجم و إفادة جميلة ، إفادة صمت مساء بهيّ ؟ أم القهوة ” قهوات ” تُغنّى ” لفناجينها ” ليحيا الكون منذ الأزل فلا من مندثر و لا من موات ؟
و ما وظيفة مفردة ” هناك التي لازمت ” القهوة ” مكرّرة ؟ أهي بمعنى الكينونة ؟ أهي تفصيل المجمل ؟ أهي توضيح المبهم ؟ أم هي إشارة
إلى مكان ” عند ضفّة الرّوح ” و ” المساءات أسماء منذورة للرّيح ” .. و أنا أنظر ” ضمّة الرُّوح ” الطّويلة كأنّها دنف يصارع فعل القيام حتّى يقوم فيسقط فيعود ليقوم من جديد .. و أنا أرصد ” كسرة الرِّيح ” الثّقيلة جريح جناح يصرعه الهيام فيهيم ..
ليس من وسيلة إذن غير التّكرار حيلة بها تحاكي الشّاعرة رقصة اليد ترفع الفنجان لشفاه ثم تخفضه و ما بين كلّ رفع و خفض رشفة تتحقّق رتيبة كخطو حادي العيس الذي يجرّ قلبه الملتفت وراءه جرّا عليلا .
” اقرأْ ، أُكتبْ ، شُمَّ ” / هو الأمر في غير معناه الحقيقي . هو الأمر أسلوب إنشائيّ . أنا المتقبّل أفهم سياقه المقدّس و لا أملك معه إلاّ أن أطبّق . خطّة أسلوبيّة رسمتها آسيّدتي الذّكيّة . عند البداية هيّأت الأفئدة طهرا و عند النّهاية أفشيت لها وحيا استوعبتْه . إذ لا غير الأنفس الذّائبة جمالا تميل حيث ما مالت القصيدة . تقرأ ” القهوة ” . تكتبها تشمّها
ثمّ تعود لتقرأها فتكتبها فتشمّها . و هكذا يستمر الحدث حياة كائن حلزونيّ أو سيرورة جدول كونيّ أو إشراقة مساء أردنيّ ظنّي بقهوته قصيدة كما ظنّي بمخاطَبكِ _ سيّدتي الكريمة _ جموع التّلقّي تردّد :
_ نعم لكلّ مقاربة فريدة .. نعم لإمرئ القيس فطرفة فالمرقّش …
نعم لشوقي لجبران لدرويش … نعم لنزار … نعم ليوسف الفلسطينيّ … نعم لأبي القاسم الشّابيّ … نعم لمن ” رتقت فتقا هناك بحجم مجرّة ” … نعم لسميحَه … سميحَه المصريّ . / ( انتهى )
واليكم القصيدة …
كانت قَهْوَتُكَ أيُّها المَساء
بِمَزاجِ ذاكِرَتَيْنِ وَبِهْجَةٍ وَحيده
بِذِراعَيْنِ مِنْ خُلودٍ وِذُهول
وَصَوْتَيْنِ بِلا حَناجِر / وَخَمْسين مِنَ السِّنين
تَنْسَدِلُ هُدُبُ القلبِ على تَراتِيلِكَ وصَلَواتِكَ وِأَزْمِنَتِك
يا بَهِيَّ الحُسْنِ … حينِ تُطارِدُكَ بالرَّائِحَةِ أغمارٌ مِنَ الزهر
وتُغْري رُوحُكَ الفَراشَةَ بالقِنْديل
فَتَطيبُ رائِحَةً وَسَكينَه
لِقَهْوَةِ الشِّتاءِ صَقيعُ الأماكِنِ تَحْتَ الشَّجَرِ العَتيقِ
يا أخْتَ الروح / كيف تَجَلَّيْتِ مع القصيده ؟؟
تَسَيَّدْتِ فاكْتَظَّ القَلْبُ بِزُوَّارِهِ وّزُوَّادَتِهِ
وصِرْتِ كَعاشِقَةٍ تَنْضُجُ على مَهْلٍ
يا قَهْوَةَ اللَّيْلِ المُقَدَّسِ
نَبَتَتْ شَجَرَةٌ بَيْنَ أصابِعي إسْمُها وَرْدُك
انتِ …لا سلطان لِمَرارَتِكِ إلا عَلى عابِري سَبيلكِ
حينَ يَتَوَرَّدُ ذاكَ الأبْيضُ وَيَنْتَشي
تَتْرُكُ النَّجْماتُ كونَها المُضَاءَ وَتَرْحَلُ
لِتَتَسَيَّدَ أيها الأَلَقْ … تُحَدِّثُني عَنْ مَسارِبِ الوَداعِ إذا !
أًو الفِراقِ المُنْتَظَرِ … فَفِي القَلْبِ شُمُوسٌ جَدِيدَه
لا تَشْرَبْها في المُواتِ – حَيْثُ تَطْلُبُ مِنْكَ الحَيَاة
حينَ يَسْتَلْقي الصَّمْتُ على الأريكَة
فَقَطْ …سَلّمْ على سَليلَةِ النَّسَبْ
تلك التي هِيَ عَطَشٌ لِأَرْواحِ البُخَلاء
هي قَهْوَةُ الرَّبيع ..هي سَكَنُ الخاطِر
أغنية … لفَناجيِن الأحْلامِ المُكْتَظَّةِ بالغياب
طوبى ….لِمَنْ شَرِبوها هناك أو هنا
عِنْدَ الضِّفةِ الأُخْرى مِنَ الروح
في مساءآتٍ وأسماءَ منذورَةٍ للريحٍ وللتِّيه
حيثُ غَفَتِ النار..
وظَمِئَتِ المَواقِدْ !
إقْرَأْ قَهْوَتَكَ في هبَلِ العرافات
واكْتُبْ قَهْوَتَكَ حُبَّا مَنْقوعاً في الغياب
وشُمَّ قَهْوَتَكَ مِنْ ثُقْبِ حُلُمِيْنِ ..لِيُطِلَّ الصُّبْح
هناك قَهْوَةٌ تُشْرَبُ ..قَلْبُكَ فيها بوصَلَةُ الأَبَدِ
هناك قَهْوَةٌ تُكْتَبُ فاكْتُبْها لِدُروبٍ ضائِعَه
وقهوة تُشَمُّ فَعَطِّرْ بها رِحْلَةَ الوَداعِ الأَخير
وقهوة تُقْرَأُ …فَاْقَرَأْها سَلَاماً على مَنْ قَبّلَ قلبَك
ليرتق فَتْقَاً هناك ..بحجم مَجَرَّه .

شاهد أيضاً

قراءة في رواية “لعنة فردوس” للكاتبة نور أرناؤوط

د. جهاد العمري من الصعب جداً ان تكون من جيل الستينات او السبعينات في اربد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *