الرئيسية / قراءات / المسرح الفلسفي عند الحكيم

المسرح الفلسفي عند الحكيم


سالي شعرواوي *

( ثقافات )

تعددت الكتابات التي تتناول أعمال الكاتب الكبير توفيق الحكيم وتحلل فلسفته من خلالها، ومن وحي قراءتى للعديد من هذه الكتابات، أود أن القي الضوء على تلك الفلسفة العميقة التي تتجاوز الزمان والمكان لعدم ارتباطها بسياق تاريخي معين لأنها تتناول علاقة الإنسان بالكون بوجه عام .
بداية يمكن القول أنه توجد ركائز فكرية أساسية للحكيم وهي:
– التوازن بين القوتين العقل والقلب .
– الإيمان بالعالم الميتافزيقي مكملاً لعالم المادة .
– سعة أفق الحكيم حيث يرى العالم بقلبه، واتصالاً بذلك يرى أن الايمان هو الدائرة الواسعة التي تدخل منها كافة القوى غير المنظورة والغيبيات، أما العقل فدائرة أضيق من أن تتسع لما هو غيبي فوق حدودها .
من هذا المنطلق فإن الحكيم صاحب رؤية خاصة للكون بأبعاده المختلفة وهي الزمان ، والمكان ، والقيم الإنسانية التي تحكم حركة الإنسان في هذا العالم. الحكمة في مواجهة القوة ، كذلك موقف الإنسان الفاني من الإله الخالد، وحيرة الإنسان الأبدية بين المثال الذى يرتقى بروحه والواقع الذي يجسد له ما يريد لكنه يطفئ شعلة السمو في روحه من خلال الحقائق الحياتية التى قد تعلو فيها السلبيات على الإيجابيات .
واستطاع الحكيم من خلال أعماله المسرحية أن يوظف التراث من خلال استخدام الإطار القصصي المستمد من القرآن الكريم ، التوراة ، أو من وحي المسرحيات العالمية الشهيرة والأساطير .
حيث عبر الحكيم عن موقفه من الزمان والمكان على أساس أن الفكاك منهما لا يحدث على الأرض ، فالإنسان محكوم بإطار زمنى يعيش فيه من الميلاد وحتى الوفاة ، فالخلود محال ، ولذلك فأهل الكهف لم يتأقلموا مع الزمن الجديد ، وحتى ميشلينا العاشق الذى ارتبط بمن يحب انطلاقاً من أن الحب طائر يحلق فوق الأجيال ولا يعترف بحاجز الزمان ، لم يستطيع الصمود حتى النهاية تسليماً بالحقيقة التي تجزم بعدم صلاحيتهما للزمان الجديد .
كذلك فشهريار الذي سعى للتخلص من آدميته والانطلاق إلى السماء سعياً وراء المعرفة ورغبة في التحرر من الجسد، انتهى به الأمر إلى أن اصبح على حد قول شهرزاد ” معلقاً بين السماء والأرض ” فلم يستطع ابداً أن ينزع عنه رداء الجسد ولم يصل إلى السماء .
وكذلك ترسياس في اوديب الذي أراد أن يكون صنواً للآلهه يغير الأقدار ووشى للملك بأن ابنه سيقتله عندما يكبر ، وعليه أن يتخلص منه ، وذلك لأنه كان يهدف لإقصاء صاحب الحق عن العرش ، انتهى الأمر بسخرية السماء منه عندما تكشفت الحقائق عن أن ابن الملك الحقيقى هو الذى يحكم بالفعل ( اوديب) ، ايضاً يرى الحكيم أن السعي الزائد وراء الحقيقة يهلك صاحبها، فوجه الحقيقة لا يريد ابداً أن يتم العبث به ، فعندما أصر أوديب على معرفه أصله تكشف الأمر عن حقيقة مروعة وفى هذا محاكاه للمعنى الذى يقول ” أمور إن بدت لكم تسؤكم ” .
إذن فالإنسان لا يستطيع أن يكون صنواً للآله ، وعليه ينبغى أن يتمسك بالحكمة فى مواجهة القوة الخارقة ، وهذا الأمر لم يستطيع الحكيم الوصول إليه لأن فقد حكمته سعياً وراء حب بلقيس مستغلاً قدرته الخارقة متناسياً قانون الحب الذي سنه الله فى الكون .
أيضاً شكلت حيرة الإنسان بين المثال والواقع مأزقاً فكرياً عند الحكيم عبر عنه في بجماليون الذي رأى أن الآلهه عندما استجابت لدعائه وحولت التمثال إلى امرأة لم تستطع أن تفعل سوى أنها هبطت بالمثال الراقي إلى الدرك الأسفل ، لكن الواقع يبقى ذو بريق خاص فالإنسان بتركيبته الآدمية لا يقنع بالخيال وحده ومن هنا يتولد الصراع.
وكان للحكيم فلسفته الخاصة القائمة على التعادلية ، فالعقل إذا طغى تذهب طمأنينية الإنسان ويختل عنصر الإيمان ، وكذلك فطغيان القوة لدى الساسه بدون قوة موازية من العلماء ودعاة السلام لا يلبث أن يؤدي بالعالم الى الكوارث ، ويمكن القول أنه رغم الانتقادات التى سيقت للحكيم على أساس أن قوة الخيال لديه طغت على الواقع وتفاعله مع الأحداث إلا أنه يظل له الفضل فى إنجاز أعمال عبرت عن الحياة الإنسانية بكافة جوانبها ولذلك فهى صالحة لكل زمان وذلك على العكس من أية كتابة أخرى مرتبطة بتسجيل الواقع التي قد تفقد جزءا من بريقها طالما خرجت عن سياقها التاريخي الذي كتبت فيه نظراً لالتزامها فقط بالواقع كما هو وما يشتمل عليه من أحداث .
______
* كاتبة من مصر 

شاهد أيضاً

صدور كتاب “وعي الهزيمة- إعادة اختراع المعنى” لأحمد زكارنة

صدر مؤخرا الكتاب الثاني للكاتب والإعلامي الفلسطيني الصديق أحمد زكارنة والذي يحمل عنوان: ” وعي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *