الرئيسية / قراءات / عتيق رحيمي يكتب نشيد المنفى

عتيق رحيمي يكتب نشيد المنفى


*أنطوان جوكي


منذ العنوان، «موشّح اليراعة» (La ballade du calame)، يكشف الكاتب الأفغاني عتيق رحيمي مشروع كتابه الثالث باللغة الفرنسية، ونبرته. فكلمة «ballade» بالفرنسية تعني قصيدة سردية قصيرة تتألف من ثلاثة مقاطع شعرية ولازمة موحّدة تستحضر الشكل الأصلي المغنّى لهذه القصيدة. وفي كتابه الجديد الذي صدر حديثاً عن دار «L’Iconoclaste» الباريسية، يعزف رحيمي موسيقى خاصة، موسيقى الشكوى، مستعيناً باليراعة (أو قلم القصب) كأداة رسم لتزيين نصّه، وأيضاً كناي ينشد ألم الفراق عن أهله وقريته ووطنه الأم.

وبالتالي، نصّ رحيمي الجديد ليس رواية، بل نشيدٌ حول المنفى يسرد فيه ما فقده وأيضاً ما وجده، وسيرٌ روحي يتركّز على الفقدان لمعرفة من هو في نهاية المطاف. وفي هذا السياق، نختبر في الصفحات الأولى تيه الكاتب وعجزه عن ترجمة ما يريد تقاسمه معنا، أي تجربة المنفى وآثارها على روحه وجسده في آن:
«المنفى لا يُكتب. يُعاش. لذا أخذتُ اليراعة، تلك القصبة الرفيعة والمشحوذة التي كنت أستخدمها طفلاً، وبدأتُ بخطّ حروفٍ، متوسّلاً كلمات لغتي الأم/كي أسمو بها، وأمجّدها/كي تعود إلى داخلي/كي تصف منفاي».
الخطوط الموجّهة للسرد في هذا الكتاب هي الطفولة، المنفى، الكتابة، الصورة، فن التخطيط. خيوط منسوجة بمهارة كي تشكّل حبكة حياة إنسان وفنان. خيوط تقودنا إلى معرفة كيف انساق رحيمي إلى ممارسة الكتابة والإخراج السينمائي، وكيف ابتكر فن «التخطيط الشكلي» (callimorphie).
من طفولته، يستحضر الكاتب تجربته في مدرسة كابول، وتحديداً ضعفه آنذاك في فن التخطيط الذي كان يفضّل عليه فن الرسم لتقدّمه بسرعة فيه بفضل مساعدة أمّه التي كانت تعلّم الفنون الجميلة في مدرسة البنات. يستحضر أيضاً قصة والده الذي كان قاضياً في المحكمة العليا قبل أن يتم توقيفه عام ١٩٧٣ ويُحكَم بالسجن عشر سنوات من دون تحديد تهمته: «كان جدّي يقول أن سبب سجن والدي قوله بأن أفغانستان فقدت مع الانقلاب الأخير حرفها الأول وأصبحت «فغانستان»، ما يعني في لغتنا: أرض الصراخ والشكوى». السجن عشر سنوات من أجل تلاعبه بكلمة! وهذا ما يفسّر رحيل الوالد مع زوجته إلى الهند فور إطلاق سراحه بعد ثلاث سنوات، قبل أن يطلب من ولديه الالتحاق به لدى وقوع الانقلاب اللاحق – الشيوعي – عام ١٩٧٨.
أما رحيمي، فغادر وطنه بعدما رفض الاختيار بين العقيدة الشيوعية – التي تبنّاها شقيقه الأكبر وقُتل في سبيلها – وعقيدة المجاهدين الأفغان. «ما أن عبرتُ الحدود حتى امتصّني الفراغ. إنه دوّار المنفى، تمتمتُ في أعماقي. وجدتُ نفسي بلا أرض تحت قدميّ، بلا عائلة تحيط بي، بلا هوية في جعبتي. مجرّداً من كل شيء»، يقول الكاتب، قبل أن يضيف: «فجأةً، أمسكت يدي، التي كانت ترتجف مثل ساقاي خلال عبوري الحدود، بريشة معدنية وخطّت بارتباكٍ خطّاً عمودياً أخرق على ورقة بيضاء». إنه الحرف الأول الذي خطّته البشرية في أوّل أبجدية، ألِف الأبجدية العربية والفارسية، «خيط أريان» الذي عاد بالكاتب لاحقاً إلى سنواته الأولى في كابول، إلى دروس التخطيط التي تلقّاها وهو صغير، وإلى الشعر الفارسي وشاعره الكبير جلال الدين الرومي الذي كتب: «مَن نحن في هذا العالم المعقّد؟ إننا كالألِف، فماذا تملك الألِف من الحركة؟ لا شيء قط».
ويتوقف الكاتب في نصّه عند منفاه الأول، الهند، حيث اكتشف هويته الحقيقية واقتنع، لدى تأمّله لوحات الحب المنقوشة على حجارة المعابد، بأن الحب ليس خطيئة، ثم عند منفاه الثاني، فرنسا، حيث اختار العمل في المجال السينمائي، قبل أن يلجأ إلى الكتابة عام ٢٠٠٠، إثر مقتل شقيقه، فيضع روايتَي «أراضٍ من رماد» ثم «حجر الصبر» التي نالت جائزة «غونكور» عام ٢٠٠٨. نصّان حوّلهما إلى فيلمين حصدا بدورهما جوائز عديدة.
لكن عناصر السيرة الذاتية تحتل حيّزاً صغيراً في كتاب رحيمي الجديد الذي يتركّز خصوصاً على اهتمامه في فرنسا برمزية الحروف وعلاقتها بالمقدّس في الديانات التوحيدية، وبالتالي على ابتكاره «التخطيط الشكلي» الذي يختلف عن التخطيط الحروفي (calligraphie) بقدرته على التعبير عن الغياب والمنفى. ابتكار يرتكز على حقيقة أن العلامات والخطوط قادرة على تشكيل شيءٍ آخر غير الكلمات. هكذا، انبثقت تدريجاً تحت ريشته أشكالٌ، قاماتٌ، وجوهٌ، أجساد. باختصار، خطوط شكلية يقدّم رحيمي في كتابه عشرين منها، واصفاً بإسهاب ولادتها على الورقة البيضاء.
يُذكر أن لا بُعد دينيا في هذه الرسوم، بخلاف فن التخطيط العربي الذي هو فن إسلامي بامتياز. «وحدها المرأة تهمس لي بهذه الحروف»، يقول الكاتب، «المرأة التي ترفرف في عرين رغباتي». وبالتالي، تخطيطه الشكلي هو عبارة عن إروسية أجساد نسائية تستحضر في التواءاتها وتعرّجاتها جبال أفغانستان التي وُلد في ظلّها. «نساءٌ ـ جبالٌ» تقول رغبة الوطن الضائع ودوّاره، وتحضر خفيفة ومأسوية مثل خطوط اليراعة ونوتات الناي.
ليست سهلة قراءة هذا الكتاب لأنه، مثل قطعة فنية، يتطلّب منّا أن نقرأه أكثر من مرة للإمساك جيداً بمضمونه الغني. وعند كل قراءة، نعثر على شيء جديد فيه أفلت منا لدى قراءاتنا السابقة. إنه أداءٌ من أجل إيصال صوتٍ، صوت جميع المنفيين، عبر تهجين منهجي وملهَم للكلمات والأشكال والصور. وأي مشروع أجمل من هذا العمل المشحون بالدلالات، في زمنٍ يجبرنا بسطحيته وسرعته وتفاهاته على البقاء على سطح الأشياء؟
حين نغوص في «موشّح اليراعة»، لا نقرأ كتاباً بل نعيش تجربة مثيرة تضعنا أولاً في حالة ارتباكٍ، قبل أن تقودنا إلى تأمّلات خصبة لا تنتهي.
_________
*الحياة

شاهد أيضاً

راشد حسين في دائرة الضوء من جديد

(ثقافات) *فراس حج محمد صدر عن دار الرعاة للدراسات والنشر وجسور ثقافية رام الله وعمان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *