الرئيسية / إضاءات / الحزن والفن: حب الباقين على قيد الحياة

الحزن والفن: حب الباقين على قيد الحياة



بريسيلا لونغ ترجمة: آماليا داود


خاص ( ثقافات )

“جمالك فاتن، ولكنه جامد، فوتوغرافي”. هكذا تبدأ قصيدتي “الأخت الشبح” تناولت رحيل أختي سوزان. ماذا يفعل الفن- في هذه الحالة، الرثاء- يفعل للثكالى، الناجين؟ بعد بضعة أسطر تستمر القصيدة 

“موتك- هدية من الأحجار لنا.
لا لوم.
الانتحار مضطرب
مُشبع باليأس…”. 

الرثاء يبقي ذكرى سوزان في العالم. هي أكثر من إحصاء أو قصة على صفحات الجرائد. هي لم تختف بدون أثر. قصيدتي لسوزان وغيرها من القصائد تشرح كيف ماتت، اختفت في الغابة وعلى الأرجح انتحرت (ليس بسر معيب). الفنانة والمبدعة والمضحكة والجميلة قد ماتت، ولكن القصائد تحيي ذكراها، ومن كانت، وما قصتها، وقصة حبها وحياتها ومرضها العقلي وكيف ماتت؟ 

“إنه الفنان الذي يجعل المجتمع يحلم”، تقول الفنانة السويسرية ميريتا وفينايم، ولكن الجميع يحزنون: حيث يأتي الحزن عندما يقترب الإنسان أشد القرب من تجربة إنسانية عالمية: أينما يكون الحب يكون هناك خسارة – وحزن. 

الفن يحفظ المحبين، يَذكرهم ويجعلهم مرئيين. والفن يَرثي، يقرب ويضع العذاب والحزن أمام العالم ليتردد صداه مع صدى جوهر ظروفنا البشرية. قصص الجرائد ترعبنا لأنها تروي قصصاً شخصية وخاصة لأشخاص آخرين (عدا تلك القصص التي حدثت معك حقاً) ولكن الفن يعزي، ويعبر عن شيء فردي وعالمي في نفس الوقت. الفن الجيد، الفن العظيم، لن يعيد الموتى ولكنه يحمينا من الصمت والنسيان. 
أرشيلي غوركي، الرسام الأميركي العظيم، أرميني الأصل ولد في أرمينية التركية، شهد مع أخواته وأمه التطهير العنصري والاضطهاد الذي حصل عام 1915 و1918. الصدمة التي أصابته في أواخر سنوات المراهقة شملت الحصار والدمار للمدينة الأرمينية التركية “فان”، مسيرة الموت إلى أرمينية الروسية، وسنوات كان “الجوع بها هو طابع حياتهم”. في سنة المجاعة 1919 هوت والدته بين يديه جثة هامدة من الجوع. في عام 1920، وصل غوركي بصحبته شقيقته إلى الولايات المتحدة “كرجل بالغ” وفقاً لما كتب عنه هوريرا”، قَدس غوركي ذكرى والدته، وفي العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين كان يخلد ذكراها في رسومات كانت تبدو فيها شبيهة بالأم المقدسة”. قام غوركي بالعديد من الرسومات والدراسات، وعلى الأقل كان هناك لوحتان له بعنوان “الفنان ووالدته”. يُعتقد أن الأعمال التي قام بها غوركي، والتي خيمت عليها ذكرى والدته سمحت له بقضاء وقت بطيء مع ذكرى والدته، وقت من الحزن البطيء مناقضاً لفكرة التخطي السريع والمضي قدماً. 
ولكن ماذا تقدم لنا هذه اللوحات، كمشاهدين؟ لأنها فن وليست مقالة في جريدة، تسمح لنا هذه اللوحتان بالاتصال بشيء رقيق وأساسي يتجاوز الفضاء والوقت. كما يقول غوركي “العديد من التجارب والمشاعر صالحة لكل زمان”. التأمل بالفن، يطلق نيران أدمغتنا، وبذلك ندرك شيئاً من أنفسنا في الآخرين، لعله يجعلنا ندرك، عبر الزمان والوقت، أننا لسنا وحدنا.

الفن نقيض الصمت، يرفض الفن نسيان من فقدناهم. يدرك الفن حزن الناجين يحمله ويعبر عنه.

“التعابير الفنية” كما كَتب المعالج بالفن شون ماكنيف، في كتابه “الفن يشفي”، “لها قدرة نادرة وخالدة لتصل لكل فرد في وقت الأزمات الشخصية والمحن الجماعية” ويكتب ماكنيف أيضاً” العملية الجوهرية في العلاج من خلال الفن تتضمن حصاد وإطلاق الروح المبدعة. إذا استطعنا تحرير العملية الابداعية في حياتنا، ستقوم دوماً بإيجاد طريقها لكل ما يحتاج إلى انتباه أو تغيير”.

عملية صنع الفن تفتح الباب أمام قضاء الوقت، العمر بأكمله إذا لزم الأمر، في التذكر والحزن على من فقدناهم. 

فقدت الطبيبة الأميركية كلير بارنيت عام 2000 اثنين من أطفالها أثناء تحطم طائرة، بعد عامين من ذلك بدأت بصنع الموزاييك على شكل ممر حجري في حديقتها كطريقة لإحياء ذكرى ميلاد طفلتيها. في كل ذكرى ميلاد، يحضر الأصدقاء لشرب النبيذ وصنع الموزاييك لإحياء الذكرى. تتضمن العملية تكسير الزجاج باستخدام أداة (نعم، هذا يعني أن الفقدان ممزق)، وفي الخطوة اللاحقة يعاد تركيب الزجاج المكسور كقطع على ورقة لاصقة (نعم، يمكنك أن تعيد حطام نفسك ولكن كما تصوغها الكاتبة أليس واكر في عنوان أحد كتبها “الطريق إلى الأمام هو مع قلب محطم”).

قامت بارنيت لاحقاً بافتتاح استديو سياتل موزاييك أرت، حيث يقضي الحزانى الوقت بصنع الموزاييك. “هناك بعض أماكن آمنة يستطيع أن يكون بها الإنسان حزين. ما نفعله هنا هو مساعدة الناس بالقيام بما قمت به أنا. تأسيس حديقة أو ممر حجري” تقول بارنيت. 

رحلت أختي سوزان من وقت طويل. نحن أحباؤها سنحزن لخسارتها حتى موتنا، كل منا على طريقته. كما كتبت في رثائها: 

“وفاتها في الأربعين كانت منذ ثلاثين عاماً 
مع ذلك، هي تحب قصائدي
ومع ذلك، ستمشي صور الصين 
ليس لدى الميت شيء جديد ليقوله”. 

ليس لدى الميت شيء جديد ليقوله ولكننا نحن الأحياء لدينا شيء جديد لنقوله، رثاء آخر لكتابته، لصق قطعة موزاييك أخرى، لوحة أخرى لرسمها. سنبقى مع حزننا طالما هو باقٍ معنا. صنع الفن هو تحدٍّ، هو عملية ومتعة وطريقة للعيش في مجتمع، طريقة لإيصال شيء ما، وهو أيضاً طريقة لإبقائنا أحياء.

المصدر: psychologytoday

شاهد أيضاً

(أمضي وحيداً) للياسري بالفرنسية بترجمة غرافي

( ثقافات ) صدر عن دار لارماتان الفرنسية مجموعة “أمضي وحيدا” للشاعر العراقي المقيم في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *