الرئيسية / إضاءات / الدخول إلى غرفة.. مغلقة

الدخول إلى غرفة.. مغلقة


تقديم واختيار: إيمان محمد


كانت حياتها سلسلة من الصدمات والانهيارات العصبية التي أدخلتها في اكتئاب شديد حتى وصلت إلى حافة الجنون، وحتى لا تعيش تجربة سماع الأصوات في رأسها مرة أخرى أغرقت نفسها في النهر! لا يمكن ذكر الأدب الإنجليزي في القرن التاسع عشر دون ذكر فرجينيا وولف (1882 – 1941) صاحبة رواية «مدام دالواي» إحدى أروع 100 رواية في العالم، فقد كانت كتاباتها بأسلوب التداعي الحر فارقة في وقت سادت فيه الكتابات الواقعية، كما أنها كانت صوتاً نسوياً جامحاً بهدوء، عبر تركيزها على حقوق المرأة والتمييز على أساس النوع، لاسيما أنها عاشت في وقت مبكر من حياتها مضاضة الاعتداء الجنسي من قبل أخوها غير الشقيق، وحُرمت من دخول الجامعة؛ لأنها امرأة حسب الأعراف وقتها، وفقدت أمها وهي سن الثالثة عشرة، وعاشت الفقد بشكل متكرر لوفاة شقيقتها الكبرى ومن ثم شقيقها المقرب منها بحمى التيفوئيد، وشهدت موت والدها البطيء بالسرطان، وبين كل فقد وآخر انهيار عصبي أو محاولة انتحار.
تزوجت من الناقد ليونارد وولف، واستمرت في كتابة القصص والروايات والمقالات النقدية رغم حالات الهذيان التي أصابتها بشكل متكرر، وحافظت على أسلوبها الحديث الذي يضاهي أسلوب جويس وبروست، مستدعية الحس الإنساني والشعور العميق فيما تكتب.
بينما كانت الحرب العالمية الثانية لاتزال تدور رحاها في أوروبا، وضعت فرجينيا حداً لحياتها وهي في سن التاسعة والخمسين من عمرها، خشية السقوط في الجنون مجدداً، لقد مشت في النهر بجيوب مثقلة بالحجارة، مثل «رودا» في روايتها «الأمواج».
تركت فرجينيا وولف رسالة مؤثرة إلى زوجها، واعتبرت من أروع ما كتبه عقل واع لمريض بالرهاب الذهني، تقول الرسالة:
«إنني على يقين من أنني أرجع لجنوني من جديد. أشعر بأننا لا يمكن أن نمر في فترة أخرى من هذه الفترات الرهيبة. وأنا لن أشفى هذه المرة. أبدأ بسماع أصوات، لا يمكنني التركيز. سأفعل ما يبدو أنه الأفضل ليفعل. لقد أعطيتني أكبر قدر ممكن من السعادة، وقد كنت أنت في كل شيء كل ما يمكن أن يكون أي شخص.
لا أعتقد أن شخصين من الممكن أن يكونا أكثر سعادة منا حتى جاء هذا المرض الرهيب. لا أستطيع أن أقاوم أكثر. وأنا أعلم أنني أفسد حياتك، وأنك دون وجودي يمكنك أن تعمل. وسوف تعرف؛ ترى أنني لا أستطيع حتى كتابة هذه بشكل صحيح. لا أستطيع القراءة. ما أريد قوله هو أنني مدينة لك بكل السعادة في حياتي. وقد كنت معي صبوراً تماماً وجيداً وبشكل لا يصدق. أود أن أقول ذلك ـ والجميع يعرفه ـ إذا كان من الممكن أن ينقذني أحداً فسيكون أنت. كل شيء ذهب مني إلا اليقين بالخير الذي فيك. لا أستطيع أن أزيد إفساد حياتك بعد الآن. لا أعتقد أن شخصين من الممكن أن يكونا أكثر سعادة مما كنا نحن».
***
النساءَ بحاجة إلى دخل ماديّ خاص بهن ليكتبن، وإلى غرفة مستقلّة ينعزلن فيها للكتابة.
***
لا حدثَ يحدثُ بالفعل إذا لم يدوّن.
***
الحياةُ، هي ما تراه في عيونِ الناس؛ الحياةُ هي ما يتعلمونه ويكتسبونه، وما اكتسبوه وتعلّموه بالفعل، على الرغم من هذا يحاولون إخفاءَه، ويجتهدون في التوقف عن الوعي بماذا؟ الحياةُ تشبه تلك التي، تبدو لنا.
***
الحياة هي الطاغية، أوه، لكنها ليست مستبدّةً على الضعفاء!
***
في معظم الأحداث التاريخية كان المجهول امرأة.
***
أنا كامرأة ليس لي وطن، فوطني هو العالم.
***
لا يمكن العثور على السلام عن طريق تفادي الحياة.
***
كم من البغيض أن يسجن المرء داخل غرفة، وكم هو أسوأ، ربما، أن يحرم من دخول غرفة مغلقة.
***
ما تحتاج إليه النساء هو ليس التعليم فقط، ذلك أن النساء ينبغي أن يتمتعن بحرية التجربة، وأن يختلفن عن الرجال من دون خوف، ويعبرن عن اختلافهن بصراحة، ينبغي تشجيع النشاط الفكري بما يعزز دائما وجود نساء يفكرن ويبتكرن ويتخيلن ويبدعن بحرية مثلما يفعل الرجال، ودون خشية كبيرة من السخرية منهن والتعطف معهن.
***
لن يكون بوسعنا أن نهربَ جماعيًّا من إطار الصورة عن طريق قول كلماتٍ مألوفة.
***
تصورت أعيننا بسذاجة لعصور طويلة أن هذه الأجسام رقصت – على المسرح – من تلقاء نفسها، وتحركت وفقا لإرادتها وحدها، وأن الضوء النسبي الذي بدأ الروائيون والمؤرخون في إلقائه على ذلك المكان المظلم والمزدحم خلف الكواليس لم يفعل إلا القليل حتى الآن ليرينا كم من أسلاك موجودة، تمسك بها أيد غامضة، ويتغير شكل الرقصة برمته وفقا لهزة أولية منها.
***
يحملنا النهر الحزين ويمضي، وعندما يطل القمر خلال أغصان الصفصاف المتدلية، أرى وجهك، أسمع صوتك وصوت الطير يغرد بينما نتخطى زهور الصفصاف. بماذا تهمس؟ حزن، حزن، فرح، فرح. منسوجان معا، ممتزجان بلا انفصام، موثقان في الألم، منثوران في الحزن – تحطم! يغوص الزورق..
***
بمجرد أن يتم شيء، فلا ثمة أحد قادر أن يعرف كيف تم! وا أسفاه ذلك لغز الحياة؛ اعتباطية الفكرة! جهل البشرية! لكي نعرف أننا قليلا ما نتحكم فيما نمتلك..
***
..ونحن نواجه بعضنا بعضا في الحافلات وخطوط أنفاق السكك الحديدية ننظر في المرآة التي تضفي الغموض، وتعكس بريق الزجاج في عيوننا. سوف يدرك الروائيون أكثر وأكثر أهمية تلك الانعكاسات، لأنه بالطبع لا يوجد انعكاس واحد بل عدد لا محدود منها؛ تلك هي الأعماق التي سيكتشفونها، تلك هي الأشباح التي سيطاردونها..
***
البقاء بعيداً، تلك هي الخسارة..
_______
*المصدر: الاتحاد الثقافي

شاهد أيضاً

حكاية رام الله والذاكرة

بقلم وعدسة: زياد جيوسي “الحلقة الثانية”     أقف في زاوية الشارع أستعيد في ذاكرتي دوار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *