الرئيسية / مقالات / تلك كل المسألة..

تلك كل المسألة..


آسيا رحاحليه



خاص ( ثقافات )
أن تكون متميزا أو تكون عاديا …تلك هي المسألة . 
أن تعيش الحياة شيء, و أن تعيشها بحسّ فنّان و رقّة شاعر و رهافة موسيقار شيء أخر .أن تنجح في انجاز أمر ما شيء, و أن تنجح فيه بامتياز شيء أخر.أن تكون من بين الأوائل شيء, و أن تكون أنت الأوّل شيء آخر .هو ذا ايماني . هي ذي عقيدتي . لا. أنا لا أدّعي التميز و لكنني أعشقه .لا أدعي التفرّد و لكنني أتمناه . قد أُتّهم بالكبْر أو المغالاة أو التطرف و لكنني منذ صغري سحرتني المثالية و أسرني الكمال .
كنت حين أقرأ عن سيَر العظماء و قصص العباقرة و أخبار المتميزين أنبهر و أفكر أنه هكذا يجب أن يكون المرء و إلاّ فلا…
” خيرٌ لك أن تكون الأول في عمل صغير من أن تكون الأخير في عمل كبير ” …هذا منطق يرضي المنكسرين القانعين و لكنه لا يعجبني إذ لماذا لا تسعى لأن تكون الأول سواءً في أصغر الأعمال أو أكبرها؟ و لماذا لا تأخذ بفلسفة المتنبي : 
إذا غامرت في شرف مَروم…. فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر صغير…. كطعم الموت في أمر عظيم 
لا أدعي التميز و لكنني أحب من الأرقام رقم واحد و من الرتب الأولى و من التقديرات شهادة ممتاز . أحب من الألوان الأبيض الناصع ومن الأماكن أهدأها و أنظفها و أوسعها و من الكتب أجودها و أرقاها .أعشق في القمر لحظة اكتماله و في الورود أوج تفتحها . لا أحب الفاكهة التي في غير موسمها و لا أن تأتي حرارة الصيف في فصل الخريف و لا كل ما هو مقلد او مصنع او مستعار. أحب الليل لأن منه يولد النهار , و الشتاء لانه سر الربيع . أحب من المفردات ‘ممتاز’ و ‘رائع ‘ و مذهل ‘ و لا أستسيغ ‘عادي ‘ و ‘لا باس ‘ و مقبول ‘ .
يعجبني الترتيب و الانتظام والتجانس و أكره الفوضى و التشتت و اللاتناسق .
خذ أروع لوحة في العالم و ثبتها على الحائط بطريقة خاطئة مائلة منحرفة و سوف ترى أنها ستفقد نصف جمالها.
أن تعيش الحياة شيء و أن تعيشها بفن, و في أبسط تفاصيلها شيء آخر .حتى الأمور العادية يمكن, و بلمسة فنية ,أن نجعلها راقية و رفيعة و شتان بين نظرة المتشرد و نظرة الفنان للحياة. القضية قضية ذوق و رؤيا و مستوى.
هناك علاقات سطحية, تافهة و ساذجة و هناك علاقات عبقرية, عظيمة, راقية و ذكية . و الفرق بين حب و حب هو تماما كالفرق بين نصين أدبيين…بين قصيدتين..أغنيتين..لوحتين أو قطعتي موسيقى ..هناك قصيدة ثخينة و أخرى هزيلة و هناك أغنية جميلة و أخرى سَمجة .
الذوق وحده يصنع الفرق و في كل الأمور .
فهل يتساوى بوح محمود درويش / عيناك شوكة في القلب توجعني و أعبدها / أو شدو كوكب الشرق / من أجل عينيك عشقت الهوى /…هل يتساوى هذا الرقي مع ما غنته يوما احدى ” فناناتنا ” / عينيك حَبْ رْصَاصْ و أنا البارود كْوَاني / ؟! كأن الرصاص في بلادي يجب أن يطول كل شيء حتى أشعارنا و أغانينا .! 
وهل جمالية / يا ريتني طير أطير حواليك / مثل سوقية / يا شبشب الهنا , يا ريتني كنت انا / ؟!
شتان ! لا يستويان !
و أن تكون صاحب ذوق أو لا تكون….تلك كل المسألة.
______
*أديبة جزائرية

شاهد أيضاً

مصر تترمل

 أ. د. رشيد العناني من الصعب تصور مصر بدون نجيب محفوظ الذي رحل قبل أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *