الرئيسية / إضاءات / يوسف زيدان: الإلحاد قضية وهمية وأقرب إلى الخبل العام

يوسف زيدان: الإلحاد قضية وهمية وأقرب إلى الخبل العام


محمد عبد الحليم


نظم الأكاديمي والكاتب المصري د. يوسف زيدان أولى ندوات صالونه الشهري تحت عنوان «الاسم والمسمى نموذج الإلحاد» وسط حضور مكثف من الكتاب والباحثين والشباب ملقيا الضوء على العديد من المصطلحات والمفاهيم التي انتشرت على الساحة الثقافية دون وجود أسس أو قواعد لها مؤكدا أن الهدف الرئيسي هو إعادة ضبطها لأنها متعلقة بالعقل مشيرا إلى أن العقل هو صانع الأفكار ومن خلاله نرى الكون كله وأفكار العقل الكبرى هي التي تشكل سلوك الجماعة.

يشرح د. يوسف زيدان: «إن لم يتم بناء العقل فلن يستطيع فهم ما يحيط به، ونأخذ على سبيل المثال قضية الإلحاد فهي قضية وهمية بالأساس وانتشرت كالنار في الهشيم في الوطن العربي حتى بدت أقرب إلى الخبل العام، ومن هنا وجب علينا أن نوضح بعض المفاهيم مثل إلحاد – هرطقة – زندقة – كفر – جحود ونفهمها من المعنى اللغوي والدلالي وتتطوراتهما.

الإلحاد من حيث اللغة، بحسب د. زيدان، مشتق من مادة «ل ح د» وتعني قبراً، ويلحد تعني يعجن غطاء القبر. أما يلحدُ فتعني يدحرج الجثة من جانب القبر لتستقر به. بالتالي، المعنى الاصطلاحي هو مال أو اتخذ طريقاً معوجاً، واستعملت الكلمة في القرآن بدلالتها في قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ (103)» وتعني لسان الذين يميلون إليه أعجمي إشارة إلى ورقة بني نوفل الذين ادعوا أن الرسول كان ينقل عنه رغم أنه كان لسانه سيريانياً، والرسول لسانه عربي وقرآنه عربي، ونستخلص من هذا أن يلحد معناها يميل والدلالة الاصطلاحية للقرآن أن يميل الشخص عن الرأي الصواب.
يتابع د. زيدان: {لفظ {هرطقة} ليس واسع الانتشار لكنه مستخدم بشكل أو بآخر، ولا بد من أن نعرف أنه لفظ استخدم قبل ظهور الإسلام. لجأ إليه آباء الكنيسة القدامى (هرسي)، إذ كان يستخدم أيام اليونان للإشارة إلى الأحزاب والجماعات والتنظيمات، وكل شخص ينتمي إلى جماعة لها أفكارها الخاصة سياسية أو دينية أو أدبية أو حتى رياضية كان ينعت بالهرطوقي. ولم يكن للمصطلح أي مدلول سلبي آنذاك إطلاقاً، وكان آباء الكنيسة يناقشون تلك الجماعات بالحجة والقياس والمثل، كما كان يفعل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مع غير المسلمين. وبامتداد الزمن أصبح يستخدم للإشارة إلى غير المؤمنين بالمسيحية، فالفيثاغوريون هراطقة والإبيقوريون هراطقة. 

هكذا أخذت الكلمة {هرسي} أو هرطقة دلالة جديدة، أي بمعنى غير المتوافق مع الرأي السليم أو الإيمان القويم، وهو أمر طبيعي يرتبط بتطور اللغة ومن الضروري بمكان أَن نتفهم دلالة المصطلح وتطوره كي لا تحدث قطيعة بيننا وبين تراثنا}.

ويؤكد د. زيدان أن هذه الأمور تعتبر أمثلة واضحة على استخدام رجال الدين للعبة اللغة أو المراوغات اللغوية، لتحقيق مصالح غالباً لا علاقة لها بالدين إنما بالسلطة، وبالتالي فإن تطور الفكر الديني وتغير مواقف المفكرين وأهوائهم ومصالحهم السياسية هو الذي أعطى المعنى السلبي لكثير من هذه الألفاظ كالملحد أو الهرطوقي… إلخ..

أما راهناً فالإثارة المنتشرة حول فتاوى قطع الرقاب هي حملات كاذبة لفرض سلطان سياسي لجماعة ما. وأشير هنا إلى الجدل بشأن حلمي النمنم، وزير الثقافة الذي بدأ عهده دون قصد بصدام مع السلفيين بسبب مقولته الشهيرة {إن معظم المصريين علمانيون}، قاصدا بذلك أنهم يفصلون وقائع حياتهم اليومية ووقائعها القانونية عن الدين، فأؤكد أن الهدف هو عدم الانجرار إلى مشاكل هامشية تسمح لشيوخ السلفية باستغلال انتشار حالة الجهل عند الناس لترويج مفاهيم من نوع الاستتابة والارتداد وما شابههما، فنحن نريد الحفاظ على توازن المجتمع من دون استثارة أي طرف من الطرفين للمشاعر السلبية لدى الآخر، ويكفي أن نشير إلى أن انتشار الأفكار السلفية المتشددة صنع ظاهرة علياء المهدي، وكلاهما ضد توازن المجتمع}. 

وختم الدكتور يوسف زيدان بتأكيده أن الهدف الحقيقي من إثارة هذه الاضطرابات والقلاقل إبعاد الناس عن واقعهم ومشاكلهم الحقيقية وإلهائهم عن تطوير مجتمعاتهم.
——
الجريدة

شاهد أيضاً

الأدب في زمن الأوبئة

الشاعر الإيطالي فرانشيسكو بترارك وهو أحد الناجين من الطاعون الأسود .. وصف ذلك الحدث بالقول: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *