الرئيسية / إضاءات / المكتبات ترفع الراية البيضاء في دمشق!

المكتبات ترفع الراية البيضاء في دمشق!


*صبري عيسى


تنفرد (مكتبة نوبل) الواقعة وسط السوق التجاري في دمشق ومقــــابل فندق الشـــام والشوارع المحيطة بمبنى البرلمان بحضور متميز في ذاكرة مثقفي العاصمة وكتابها، على مدى أكثر من أربعين عاماً.
المكتبة لا زالت صامدة تواجه أعاصير التغيير التي شملت الوسط التجاري، ولم ترفع راية الاستسلام، في الوقت الذي أُغلقت فيه كل المكتبات في المنطقة وآخرها (دار اليقظة العربية) التي كانت من أهم دور النشر في المنطقة العربية، وتعيش في ذاكرة جيلنا عناوين متميزة أصدرتها الدار خلال فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي ـ تأسست عام 1939 – ولا زلت أذكر أنني اقتنيت رائعة مكسيم غوركي «الأم» من اصدار الدار وعشرات غيرها من العناوين المهمة، التي شكلت تواصلا ثقافيا بين مختلف الأجيال السورية وثقافات العالم، ونتذكر وباعتزاز كبير ترجمات الأديب سامي الدروبي، الذي كان له الفضل في ترجمة كثــــير من روائع الأدب العالمي، المكتبة رفعت الراية البيضاء بعدما أصيبـــت بالموت السريري منذ توقفت عن النشر قبل حوالي عقدين من الزمن، وتم تحويل نشاطها لأعمال أخرى قبل حوالي شهرين، وقبلها بسنوات رفعت (مكتبة ميسلون) راية الهزيمة وأغلقت أبوابها أمام غزو العولمة، وثقافة الاستهلاك الجديدة، وتحولت إلى مكتب لصرافة العملة!
في عام 2007 وجه الأديب ياسين رفاعية عبر صحيفة «تشرين» السورية نداء إلى وزير الثقافة يناشده فيها إنقاذ (دار اليقظة العربية) وتقديم المساعدة لها وقال: إن إغـــــلاق هذه الدار عار علــــينا نحن المثقفين وعار على الدولة وعلى الوزارة، وهي الدار التي كانت لها السمعة الطيبة ليس في الوطن سورية، بل في العالم العربي كله، ويشهد على ذلك هذا الكم الكبير من الكتب التي نشرتها خلال ثلاثة أرباع القرن بكل مسؤولية، لا تبغي الربح ولا التجارة وإلا لما وصلت إلى حالة الإفلاس الآن !
السوق يفرض قوانينه بقسوة على الثقافة بمختلف أشكالها من مكتبات وصالات فن تشكيلي وغيرها، لأن السلعة الأكثر رواجاً وربحاً تفرض نفســـها في السوق، والكتاب يأتي في آخر قوائم السلع ذات المردود الاقتصادي، وأمــــام ارتفاع بدلات فراغ المحلات التجارية بعشرات الملايين من الليرات، تتراجع الثقافة وتنسحب من السوق لتحل محلها السلع الاستهلاكية الكمالية، ولم تنفع عشرات المقالات والحملات التضامنية التي شنها صحافيون وكتاب وقراء منذ سنوات من الحفاظ على وجود مكتبة ميسلون.
سلسلة المكتبات التي أسسها المرحوم حسين النوري وتوزعت على عدة مواقع ما بين محطة الحجاز ومنطقة فكتوريا لا زالت صامدة، تقوم بدورها في تأمين الكتاب للسوريين، وكان للمرحوم النوري الفضل في نشر عشرات العناوين لكبار الكتاب السوريين منذ عشرات السنين، مثل نزار قباني وحنا مينة وغيرهما، وإلى جانبها لا زالت دار الفكر التي كانت من أكثر دور النشر السورية نشاطاً في مجال النشر، تراجع نشاطها في الفترة الأخيرة بسبب حالة الركود التي تسيطر على سوق الكتاب. 
من يقصد مكتبة نوبل لشراء أي كتاب، يكتشف قدرة صاحبها على تقمص دور مؤلف الكتاب في شرح مستفيض لمضمون الكتاب، بهدف تسويقه بحرفية متميزة، ولا يفرق بين كاتب وآخر، وقد يتردد الزائر بتحديد نوع وعنوان الكتاب الذي يريده، لكنه لن يخرج من المكتبة وهو خالي الوفاض، فصاحب المكتبة يعرض عليه خيارات أخرى، وإذا لم يكن الكتاب موجوداً، فما على الزائر إلا انتظار بضع دقائق ليتم إحضار الكتاب له من الجهة الناشرة.
علاقتي مع مكتبة نوبل تعود لصداقة العمر مع الأخوين جميل وإدمون نزر، وأعرف عن قرب الإغراءات الكبيرة التي تعرض لها الأخ جميل لتغيير طبيعة عملها لتلحق الموجة الاستهلاكية التي تسود منطقة السوق التجاري، لذا أقدر صمودها أمام موجة التغيير، واستسلام المكتبات لإغراءات السوق والربح.
يقصد المكتبة كثير من الشباب والصبايا الذين يطلبون كتباً عن تاريخ سورية، وهناك كثير من الزبائن يختارون كتباً متميزة لإهدائها لأصدقائهم، وهناك إقبال على اقتناء مؤلفات ومجموعات لكبار المبدعين السوريين أمثال نزار قباني وزكريا تامر ومحمد الماغوط.

نتمنى أن تستمر مكتـــــبة نوبل والمكتــبات الأخرى في ممارسة دورها، وتواصل نشر وتوزيع الكتاب وتوفيره للقارئ السوري، وأن ندعم جميعاً صمودها بمواجهة ثقافة الاستهلاك بدلاً من نعيها لاحقاً كما فعلنا بعد إغلاق مكتبة ميسلون، واستسلام دار اليقظة.. !
مكتبة في حاوية!
منذ عامين وجدت مكتبة في الحاوية القريبة من بيتي، ولم يخطر في بالي ان أرى هذا الكم من الكتب والعناوين معبأة في أكياس للقمامة، تعلو بارتفاع متر عن سطحها، ويبدو أن الباحثين عن الخردوات وبقايا الحاجات المنزلية التالفة، لم تغرهم الكتب الموجودة في الحاوية، وعندما شاهدتها اتصلت بالصديق عدنان علي، الذي كان يسكن قريبا من بيتي، ولم يصدق ما رآه، وبدأنا التفتيش في الأكياس وأفرغنا ما هو ثمين وله قيمة فكرية وإبداعية، لكنني أعترف بالتوافق بيني وبين الزميل عدنان على ترك قسم من الكتب في الحاوية، ومنها بعض إصدارات ودوريات وزارة الثقافة وكتب عن المنطلقات النظرية والأيديولوجية، وبعض إصدارات اتحاد الكتاب، خاصة دواوين شعرية لا تصلح، ووجهت يومها نداء للأصدقاء واضعا الكتب برسم الإعارة لمن يرغـــــب، رغبة مـــني في أن يستفيدوا منها في حياتي أفضل من قيام أحد برميها في الحاوية بعد وفاتي، ومن هذه العناوين «ابن خلدون- مختار الصحاح ـ مشيدات دمشق ذات الأضرحة لقتيبة الشهابي ـ تاريخ الحروب الصليبية ـ حركة التصوف الإسلامي ـ الفن في العصر الحديث ـ الحلال والحرام في الإسلام – وغيرها من الكتب». مفارقة ساخرة جعلتنا أنا وعدنان نتلفت حولنا أثناء التنبيش في الحاوية خشية أن يرانا أحد (النبيشة) فيعتقد أننا تركنا العمل في الصحافة الرسمية لعمل أكثر جدوى ومصداقية !
_______
*المصدر: القدس العربي

شاهد أيضاً

الشاعر أحمد الشهاوى: كيف نطلب التنوير وطلاب الجامعات والمدارس لا يلتقون المفكرين والأدباء والكُتّاب؟

حاورته: بشرى عبدالمؤمن يعدو كالخيل، يومض كالفراش، يطن كالنحل، لم ينصره الليل ولم ترحمه سوى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *