الرئيسية / قراءات / التأويلي نصر حامد أبو زيد في 13 بحثا تناقش أفكاره ورؤاه

التأويلي نصر حامد أبو زيد في 13 بحثا تناقش أفكاره ورؤاه



محمد الحمامصي


منذ أربع سنوات تم تأسيس مؤسسة نصر حامد أبوزيد للدراسات الاسلامية، أسستها د. ابتهال يونس زوجة د. نصر حامد أبوزيد بمساندة عدد من أصدقائه وتلاميذه، وقد استهلت المؤسسة نشاطها العلمي والبحثي في خريف العام 2014 بمؤتمرها الأول “التأويلية ونصر أبوزيد” الذي شارك فيه باحثون من مصر والمغرب والجزائر والسودان، تناول فكر نصر أبوزيد عبر ثلاثة عشر بحثا، تم جمعها أخيرا بين دفتي كتاب بعنوان “أبحاث مؤتمر التأويلية.. ونصر حامد أبوزيد” صدر عن دار العين، وقدم له د. عماد أبو غازي مؤكدا أن قضية التأويل كانت محورا لأهم أعمال المفكر الراحل “نجدها تمثيلا وليس حصرا في دراسته للاتجاه العقلي في التفسير من خلال دراسة قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة، ودراسته لفلسفة تأويل القرآن عند محيي الدين بن عربي، ودراساته المتعددة في نقد الخطاب الديني”.
وأضاف أن امتداد عطاء نصر حامد أبوزيد الفكري والعلمي على مدى أكثر من ثلاثين عاما، وكان علامة من علامات الاستنارة في الفكر العربي المعاصر، ربما يمكن أن نعتبره معتزليا جديدا، حاول باجتهاداته تجديد الخطاب الثقافي العربي والإسلامي، فواجهته قوى الظلام، وتصدت لمحاولته بالتكفير والملاحقة القضائية بدلا من المواجهة الفكرية التي تعجز عنها هذه القوى.
وقد أكد د. مجدي عزالدين حسن أستاذ الفلسفة بكلية الآداب جامعة النيلين بالخرطوم في بحثه “المنهج التأويلي عند نصر حامد أبوزيد” ضرورة تأسيس خطاب ديني جديد يعتمد على أحدث المناهج وما تمدنا به معاجم العلوم الاجتماعية والإنسانية من أجهزة مفاهيمية ويوظف آليات التفكير التحليلي النقدي ضمن مناهجه في دراسته للفكر الديني الإسلامي.
وقال: “يهدف أبو زيد من خلال مشروعه التأويلي إلى تحرير الوعي الإسلامي لا من سلطة النصوص وحدها وإنما من كل سلطة تعيق تطور وتقدم الإنسان، وهو الهدف الذي يستوجب إثارة التساؤلات التي ظلت غائبة في الخطاب الإسلامي المعاصر، ويتطلب التفكير فيما لم يفكر فيه بعد داخل التراث الديني الإسلامي. وبالتالي لا بد من إعمال النقد للخطاب الديني المعاصر، خاصة من جهة قراءة هذا الخطاب الإسلامي، ومن جهة انغلاقه وتعاطيه السلبي عن الإمكان الغني والثري والذي بإمكان معاجم العلوم الاجتماعية والإنسانية المعاصرة أن تمدنا به”
ولفت د. مجدي إلى ضرورة خلق وتشكيل وعي إسلامي جديد لا يكتفي بالترديد والتكرار، وتكون لديه القدرة على الفهم العلمي للتراث والتجادل معه بكل حرية، وله القدرة على التعاطي معه بشكل عقلاني نقدي يكشف عما في التراث من جوانب ضعف وقصور ويستهلهم ما فيه من إيجابيات. ومن دون التناول النقدي للتراث الديني لن يكون بوسعنا تجديد طرائق التفكير للفكر الديني، ولن نتجاوز حدود التناول التقليدي ذي الطابع الاحتفالي الذي يكتفي بترديد الأفكار التراثية بعد أن يقوم باختزالها واختصارها، فتفقد حيويتها وخصوبتها وتصبح أشبه بالمعرفة المجمدة”.
ورأى “رفض ومجابهة أي خطاب ديني يسعى إلى تكريس سلطة خطابه على أسس دينية على بقية الخطابات المنافسة له في القضاء العمومي ومجال التداول العام، زاعما أن ما يقدمه لا يمثل اجتهادا بين اجتهادات أخرى، وإنما يتماهى ويتطابق بشكل مطلق واستثنائي ودلالات ومعاني النص. ناظرا إلى الامتثال لخطابه هذا إنما هو حقيقته امتثال للأمر الإلهي، وبالتالي يصبح الخلاف معه ليس مجرد اختلاف في الرأي والاجتهاد وإنما كفر وإلحاد”.
وفي بحثه المعنون بـ “الضلع المفقود: علاقة المفسر بالنص” قال د. عبد الباسط سلامة الأستاذ المساعد في قسم الأدب والنقد كلية اللغة العربية جامعة الأزهر إنه “إذا كانت تأويلية نصر حامد أبوزيد تخاصم المدرسة الظاهرية قديما وحديثا، فإنها تعارض محاولات تلوين التراث، وتراها عملية تلفيقية لإحداث توافق بين الأطراف لقراءة التراث قراءة مرضية للجميع، لذا تقف التأويلية على الجانب المقابل من المدرسة المتمثلة في المدرسة الأشعرية قديما واليساري الإسلامي حديثا، الذي لم يظهر بوصفه اتجاها فكريا إلا في أوائل الثمانينات، فكلاهما لا يختلف ـ من منظوره ـ عن اليمين المحافظ الرافض للتأويل، فينتقد محاولاتهم تلوين التراث، مميزا بينهما وبين القراءات التأويلية، فالتلوين نوع من القراءة المغرضة للنصوص على نحو تتخفى فيه التوجهات الأيديولوجية تحت شعار الموضوعية العلمية والحياد المعرفي.
ويرى أن هذه المدرسة تمثل بمجملها لونا من التوافقية بين السلفية الدينية والاتجاه العلماني مما أوقع تيار اليسار الإسلامي ـ من منظور نصر ـ في كثير من المتناقضات منها إهدار الدلالة التاريخية في قراءته للنص التراثي، والنظرة إلى التراث على أنه بناء شعوري مع رفض منهج التحليل التاريخي، وبهذا يصبح ما طمح إليه اليسار الإسلامي من إعادة بناء التراث مجرد عملية إعادة طلاء وذلك بوضع لافتات جديدة للموضوعات الخمسة التي يتضمنها علم الكلام الإسلامي بحسب التصور الأشعري بحيث تتجاور المصطلحات القديمة والمفاهيم العصرية في علاقة لا تتجاوز المشابهة، فمثلا: الموضوعات الطبيعية تساوي المقدمات النظرية، والإلهيات تساوي الإنسان الكامل، والسمعيات تساوي التاريخ”.
وقال د. يوسف محمد بناصر الباحث بجامعة السلطان مولاى سليمان بني ملال المغربية في بحثه “إشكالية الإيمان دراسة تأويلية في مشروع الباحث نصر حامد أبوزيد”، أن نصر حامد أبوزيد واجه صراعات مريرة مع الخطاب الديني خصوصا منه السلفي إثر تجربته النقدية والمنهجية، فكانت ثمارها أن بلور رؤية للإيمان أكثر نضجا وانفتاحا مما كانت عليه مقولات بعض التوجهات التقليدية. واستفاد من الصوفية بحثا وتجربة وهذا مكنه كذلك من بناء توجه تأويلي ونقدي خالص، وتقديم مشروع في الفكر الاسلامي المعاصر له مميزاته وامتداداته.
وأشار بناصر إلى أن التفكير خارج النص المقديس ممكن، إذا نظرنا إلى الإيمان بأنه يمثل حاجة الإنسان إلى الوجودية من جهة، والنص فقط يلعب دور الموجه لذلك الإيمان والمرشد له نحو الوجهة الصحيحة، من جهة فلا يتكاملان إذن إلا في لحظة التلقي ليبدأ تفاعلهما، ثم إن حرية التفكير والاعتقاد في المطلق لا تتأتى إذا سيّج العقل والوجدان بدوائر مغلقة تصادر حق الإنسان في المعرفة والتحقيق من صدقيتها، وتجربة الرسل خصوصا منهم إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام أنموذج تاريخي ومعرفي ومثالي يحتذى به”.
وحول الدين والفن يأتي بحث د. سلمى مبارك أستاذ مساعد الأدب المقارن بقسم اللغة الفرنسية جامعة القاهرة حيث تتساءل كيف يمكن تصور حالة الخصام التي أراد البعض أن تدب بين علوم الدين وعلوم الأدب؟ كيف يمكن للقرآن أن يعادي الشعر الذي هو فن الفنون؟
وقالت: “من يعادي الشعر والفن هم من يتصورون أنفسهم حماة الدين والأخلاق وهم يضعون رؤاهم وتأويلاتهم في مقام الحقيقة الدينية المطلقة، والحقيقة ليست وحيدة ولا مطلقة بل تتعدد بالتفسيرات والتأويلات التي أطلق عليها ابن رشد كلمة عقائد في كتابه مناهج الأدلة في عقائد أهل الملة، هذا هو الصراع الذي يتحدد طرفاه منذ العصور الأولى للإسلام حتى اليوم بين من يريدون فرض رؤاهم باعتبارها الطريقة الوحيدة للنظر وبين من يعتقدون بتعدد الرؤى مع الفن بين طرفي هذا الصراع، فيخرج التحريم الذي هو معيار شرائعي من إطار الخطاب الديني كي يقتحم الخطاب النقدي للفن”.
وأضافت مبارك “ينبغي بالنهاية إقرار بأن هذا الصراع لن يجد طريقه للحل وسيظل قضية إشكالية، فبعيدا عن الرؤية المثالية للفن التي تتراءى أحيانا في خطاب نصر حامد أبوزيد، والتي تجعل منه تجاوزا دائما للقواعد وكسرا للحدود في حرية تبغي الاكتشاف واسقاط الأقنعة وتحقيق إنسانية الإنسان، إلا أنه يوجد أيضا الفن الذي لا يتجاوز ولا يسعى للحرية ويكرس للزيف والظلم، ويظل رغم ذلك فنا في عيون من يتذوقونه”.
ميدل ايست أونلاين

شاهد أيضاً

قراءة في “الرحلة الناقصة” لفاطمة محسن

أين الحياة التي أضعناها في العيش؟ قراءة في «الرحلة الناقصة» لفاطمة المحسن   شوقي عبد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *