الرئيسية / إضاءات / «سماء قريبة من بيتنا» لشهلا العجيلي.. رثاء الأمكنة

«سماء قريبة من بيتنا» لشهلا العجيلي.. رثاء الأمكنة


نازك بدير


«جمان بدران، دكتوراه في الأنثروبولوجيا الثّقافيّة، سوريّة، مقيمة في عمّان، وأعمل حاليًّا مع مؤسّسة «تضامن» الهولنديّة». بهذه العبارة تقدّم الراوية نفسها إلى ناصر العامري، الخبير الدولي في المناخ والجفاف، الذي التقته على متن الطائرة، وكأنّ قدر السّوريين، كما الفلسطينيين، البحث عن وطن ضاع.

يمكن القول إنّ «سماء قريبة من بيتنا» (منشورات ضفاف) هي رواية الأمكنة؛ لم يكن المكان فيها عرضيًّا، بل نافس الشّخصيّات في الحضور، وفرض نفسه دعامة أساسيّة في السّرد، هو الذي يدفع جمان إلى الحكي. رسمت شهلا العجيلي في روايتها خريطة واسعة امتدّت من سوريا (حلب، الرّقّة، دمشق) إلى العراق وعُمان وفلسطين وإيطاليا وواشنطن والبرتغال… ولعلّ هذا التّمزّق على الخريطة يعكس التّمزّق الذي يعيشه السوريّون بعد ترْك وطنهم. تغادر جمان بلدها، ولكنّه لا يفارقها، هو دائم الحضور في تفاصيل النصّ. وبقدر ما تهرب منه، بقدر ما تستدعيه عبر استحضار الذكريات في أحياء حلب وشوارعها، تعود بالقارئ إلى التاريخ العريق لتلك المدينة التي تتصارع فيها الذئاب. تحضر في عالم القص من خلال الحكايات التي تسردها الراوية عن عائلتها، وغيرها من العائلات التي يعود تاريخها إلى القرن التاسع عشر، وكذلك من خلال استدعاء ناصر طفولته في حلب، فيصبح النّصّ هو الذاكرة التي تلملم الأحجار والروائح، ترسّخها في الرواية، خوفًا من إلحاق المزيد من العبث بها. في حين تتمسّك جمان بمسقط رأسها الرّقّة، وتنسج حكايات في فلكها، يتبرّأ ناصر من ماضيه» أمّا أنا، فلا مدينة لي لتعلو أو تسقط، أو ليحارب أحد من أجلها. حتّى أنا لا يخطر لي أن أذكرها، ليس في حديثي فحسب، بل في عقلي أيضًا».
تبدو الأزمة، في النصّ، في الهويّة الفلسطينيّة التي ارتضت مكاناً غير القدس محجّة لها، بينما تبقى علاقة الفتاة السوريّة متجّذرة بوطنها على الرّغم من فرارها منه. هو هرَبٌ مؤقّت على أمل العودة إليه، في حين أنّ ناصراً قد استبدل مفهوم الوطن، وصار بالنّسبة إليه المكان الذي يمنحه العيش بكرامة، والأمان غير المشروط، ويحصل فيه على المعاش الذي يليق بجهده في عمله. (ص.101)
ترثي العجيلي في روايتها الحضارات العائدة إلى الألف العاشر قبل الميلاد، ولا تحمّل مسؤوليّة هذا الخراب إلى الجيش الحرّ وجبهة النّصرة والدولة الإسلاميّة وحدها، إنّما إلى الحكومة التي حينما أرادت أن تتخفف من حملها تخلّت عن الرّقّة «وسلّمتها كما تسلّم عظمة إلى كلب، لجماعات متطرّفة» (…) لا أحد يسأل عنّا، لا من قبل ولا من بعد، بل تركوا شرذمة من المجرمين يفتكون بأرواحنا كأنّنا قمل في الأرض، ثمّ يقصفوننا من فوق». (ص.91 ـ 307)
تروي «سماء قريبة من بيتنا» المعاناة الإنسانيّة على المستوى الفردي وعلى المستوى العام. تحضر مأساة اللاجئين في مخيم الزّعتري، حيث تنشطر الضّحايا والنّكبات. تترك الكاتبة لأم حسن حريّة سرْد قصّتها التي تشكّل نموذجًا للعائلات السّوريّة التي اضطرّت إلى ترك منزلها بعد دخول المسّلحين. أمّا عمل جمان مع المتطوعين المتحذلقين فقد جعلها تكفر بالعمل الجماعي، وباللجان، وبالتقارير.
وتتحوّل من متطوعة في المخيّم، تناهض الموت والإذلال، إلى رقم في مركز السرطان. تحكي تجربتها مع المرض، عذابات الكيماوي والعلاج الإشعاعي. تهرب الراوية من مرضها إلى سرْد قصة» هانوي» التي تحدّت السّرطان بالابتسامة والرقص، وقررت ألّا تتألّم. تلقى حتفها في حادث تحطّم طائرة. أمّا جمان فتتعلّم كيف تواجه المرض، وتشفى منه، وكيف تكون السّماء قريبة منها. هذا الانتصار على السّرطان تحقّق نتيجة احتوائه في بداياته، ولكن السّرطان الذي تفشّى في جسد الأمّة، هل من سبيل إلى الخلاص منه؟
السفير

شاهد أيضاً

الأدب في زمن الأوبئة

الشاعر الإيطالي فرانشيسكو بترارك وهو أحد الناجين من الطاعون الأسود .. وصف ذلك الحدث بالقول: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *