الرئيسية / إضاءات / خيانات إبداعية

خيانات إبداعية




*لينا أبوبكر


سأمزق هذه الكتابة، مجرد استلامي للنسخة الورقية، ولكنني سأحفظها على جهاز الحاسوب وأنا مغمضة العينين، باسم مجهول، وحبر سري، كي لا أعود إليها أبدا….
لا بد أن أكتب، وإلا قضيت العمر كله أعيد قراءة الرواية ذاتها وذات القصيدة وأتابع الفيلم ذاته…
الآن، بعد كل هذا الجلد الخشن على رهاب الكتابة بلا لغة، واستعصاء التحايل على الكبت، واصطكاك الروح بين فكي القشعريرة، وكز الألم تحت ناب القلم، لابد أن أتخلص من تجنب الموت الأخير، فالتحضير النفسي للكتابة والشحن العاطفي الذي يسبقها أشبه باحتضار طويل ترى فيه الموت ألف مرة دون أن تموت، إنه الرهاب الأصغر، الذي يأتيك على هيئة صحوة موت قبل الرهاب الأكبر: الكتابة باللغة، هنا تدخل فعليا في غيبوبة ناقصة، بعد استنفاذ ذخيرتك التحضيرية، ما دمت تهرول إلى خلاصك طائعا، تحفر قبرك بيديك، تغلق دفته وتهيل اللغة عليك، ثم ترحل إلى العالم الآخر..أنت الآن وجها لوجه مع المقبرة، فأي العذابين أعذب وألذ: عذاب الصحوة (الإنذار الطنيني اللحوح بالنوم)، أم عذاب القبر (الهروب المستحيل من عينيك وهما تتابعان حفلة الأفاعي على مائدة الدرك الأسفل)؟ !
بصراحة، أختار احتضارا طويلا، ألهث وراءه لأنتهي منه، فالموت بدونه لا يريح بل يبدو باردا جافا مباغتا، لا يستحق أن يتحقق، لأن الحقيقة بلا استحقاق مرة، ولئيمة، لا تبدو كافية، البحث عنها أجمل من التوصل إليها، تماما كرحلة إيثاكية….
المهم أن ترحل لتعود في لعبة الكتابة…فإن عدت ليس لكي تحقق هدف الرحلة إنما لكي تبدأها من جديد.
وجوه آنا كارنينا أبكر إنتاج سينمائي لرائعة تولستوي «آنا كارنينا» كان في العام 1935، للمخرج الأميركي كلارنس براون، الذي اختار أيقونة من كلاسيكيات السينما الهوليودية وعصر السينما الصامتة وهي السويدية (غريتا غاربو) التي صنفتها مؤسسة الأفلام الأميركية بالمرتبة الخامسة في قائمة أعظم الممثلات على مر العصور، لتجسد دور أيقونة عميد القياصرة الروس في أشهر روايات التاريخ، وقد حققت الباكورة السينمائية إيرادات ضخمة في ذاك الوقت تجاوزت المليوني دولار.
كان لهذا العمل طابعه الخاص بزمنه، والذي عبر عن رؤية اللغة بعين العصر الذي خرجت فيه من دفتي الرواية إلى شاشة السينما، ليعاد إنتاج الحكاية عام 1948 بإمضاء فيفيان لي، ثم عام 1997، ببطولة أكثر من آسرة للفرنسية «صوفي مارسو»، بميزانية وصلت إلى العشرين مليون دولار، من خزينة «الأيقونة للإنتاج» التي شارك في تأسيسها صديقها المقرب ميل جيبسون بعد أن جمعتهما ملحمة القلب الشجاع قبل عامين من كارنينا، بإمضاء كاتب النص ومخرج العمل برنارد روز، لتأتي «كيرا نايتلي» في العام 2012، بذات التقمص، وتعيد آنا كارنينا للحياة من جديد في عمل سينمائي ضخم، أخرجه جو رايت وكتب لغته السينمائية توم ستوبارد، منطلقا من حفل افتتاحه في لندن ليجوب العالم حاصدا إيرادات إجمالية بلغت تسعة وستين مليون دولار، وما نسبته 64% من موقع الطماطم الفاسدة، ولكن..!
مرايا مُبهرجة
كانت المفاجأة بالنقد القاسي للمخرج الذي تبنى الأسلوب التفخيمي والمسرحي، مستعينا ببهرجة الأزياء، وتلميع المرآة الخارجية للشخصية (النجمة) مما ساهم في خفوت نجم بطلته، في حين رأى البعض الآخر أن الفيلم سينماتيكي، وأداء نجمته مشع وبراق. و في ظل هذا الانقسام، فاز العمل بدرجتين من أصل خمسة، محتفظا بكم هائل من التهكمات والسخرية على المبالغة والحماسة المفرطة الأقرب إلى البهلوانية في استعراض حكاية الطيش العاطفي، بل إن الكثير من التعليقات الواردة للمواقع الاستقصائية جنحت إلى رفض الرؤية التعبيرية المعاصرة عن شخصية كارنينا ورأت فيها تشويهاً للرؤية الروائية، واستجداء للتأثير باستخدام الزخم السردي على حساب سبر أغوار الصراعات النفسية العميقة.
تشريحية مارسو
———–
من رأى «صوفي مارسو»، وتعلق بها، لا يمكن أن تهز فيه «كيرا نايتلي» قصبة! فرغم الفارق الكبير بين كارنينا (1935 و1997 و 2012) وربما نسخاً أخرى لم أطلع عليها – من حيث التقنيات السينمائية والإبهار الدرامي وما إلى ذلك من عناصر الصناعة السينماتية – يبقى الانحياز لخيانة كارنينا في عامها الـ 1997 أميناً أكثر، لأنها الأقرب إلى لغة تولستوي، وعمقها الروائي، وقد قبضت باستحكام على جملتها العصبية، دون أن تقفز عن حواجز الاضطرابات النفسية بتراخ يسوق إلى الضعف التدريجي في الأداء، الذي لا يقدم لك فرضيات فسيولوجية لتحديد موضع الألم التشريحي في الحكاية.
القصة المرضية كانت تحتمل بساطة مارسو التي نجحت بتقديم معلومات أو بيانات عاطفية تكفي المشاهد للتشخيص الإبداعي المقارن، وإمداده بوظائف الاستعراف ليتبيَّن قدرته على التجريد وتحديد مستوى الوعي واليقظة أثناء التأثر بالتوترات الحسية لهذه الملحمة.
وأنت تتابع صوفي مارسو توزع حواسك فوق خريطة الكرة الدماغية، مستجيبا لتغيرات الوعي عند الشخصية السينمائية، يحتد قرص بصرك، وتتدحرج نتوءات مائية خارج مضيق دماغك بعد انتحار (آنا) لتكتشف أن دموعك مجرد ورم كاذب، تقوم بإعادة التشخيص مرة أخرى، لتطمئن على خلو الخيانة من أية خدع بصرية، مصرا على ضبط النواقل العصبية باتجاه سكة القطار، ومتابعة الفيلم من جديد.
تفاعل إشعاعي
——–
الخيانة آفة يزداد خطرها كلما حاولت تطويقها، لأن حصارها لا يمنع تفشيها بل يطور أدواتها، فنقلها من وضعية الانتشار الأفقي، يحشرها في كتلة حرجة، تتصاعد بها طاقتها الحرارية عموديا في تسلسلات تفاعلية متواصلة تحفز نشاطها الإشعاعي الذي يتمتع بخواص مؤكسدة قابلة للتفاعل والتخصيب، بالتالي الانفجار في أقل من ثانية..
انس كل الاعتبارات الأخلاقية وأنت تتابع عملا سينمائيا أو دراميا عن الخيانة، وتذكر فقط الأمانة الوحيدة التي يجب ألا تخونها: أن تتفاعل انشطاريا مع القنبلة!
عادة لا يستفزك العمل المصور حين يكون مقتبساً من عمل روائي يلعب باللغة مع اللغة، ويحبك مشاهده المتخيلة عبر صورتها الزئبقية التي يصعب الإمساك بها، وهذه متعة لا يمكن لأي فن أن يضاهيها حتى لو كان الفن ناطقا بمرئياته الغاوية وليس صامتا على طريقة الكتابة، ولابد لك إن كنت صاحب لغة أن تنحاز لابنة جنسك، أن تعود إليها وتبحث عنها وعن تفاصيلها المضمرة في مخيلة الروائي، في المحصلة لن يكون الحكم عادلا على الدراما أو السينما، ولكن على الأقل لن يكون ظالما أو مجحفا، في حال نجح، ولو في بعض لقطاته، أن يفقدك إدراكك الانتقائي مراهنا على حدثية التخزين لديك، بمهارة المراوغة بين وظيفة الحس باللغة ووظيفة الحس بالصورة، ليضعك على المحك بينهما وأنت مصاب بـ زهايمر استيعابي وخلط عاطفي بين المخزونين.
دراما روائية أم لغة درامية؟ تريد أن يغشى عليك؟ تعال معي إذن لرؤية الخيانة على طريقة العاشقين المحرمين في رواية التركي «Halit Ziya Usakligil، والتي كتب أحداثها بين عامي 1899-1900.
لن أحمل القصة أبعادا سياسية تبعا لموقف الكاتب من السلطان عبد الحميد الثاني الذي صادر عددا من أعماله ولم يطلق سراحها إلا بعد تحلل الامبراطورية المريضة وسلطانها. سأتناول القصة تماما كما هي على الصعيد الدرامي، دون إسقاطات ولا فذلكات.. ففي حين غاب عمل الروائي، أُخذنا بالأداء التعبيري عنه، الذي حقق نجاحه الباهر أول مرة العام 1975 بالأبيض والأسود، ثم ومع تطور الدراما التركية وسرعة انتشارها وتأثيرها بين ثقافات وبلاد واسعة، جاء المسلسل بحلة درامية حديثة ذات رؤية معاصرة، مراهنا على طاقات فنية واعدة وأخرى صاحبة مراس طويل، بنص تلفزيوني لـ « آجي يورانتش وملك غينتش أوغلو»، وإخراج هلال سارل، على جزأين (بنسخته التركية)، بمعدل تسع وسبعين حلقة لكل منهما بين العامين 2008-2010، ولكنه في نسخته العربية بث دفعة واحدة على مدار مئة وخمس وستين حلقة، متجاوزا كل التوقعات، ومحققا أكبر نجاح درامي تركي عبر التاريخ، متخطيا الأرقام والإيرادات والأرباح الخيالية، جاب أغلب المدن والبلاد حول العالم فترجم ودبلج للإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية والبرتغالية والتشيكية والسويدية واليابانية والصينية والهندية والإيرانية والعربية، شوهد في الباكستان وحدها من أكثر من تسعين مليونا وأعيد بثه لكي يلاقي مزيدا من الإقبال والنجاح…
لماذا نجحت هذه الدراما وتفوقت على العمل الروائي إلى هذا الحد من الإبهار والانتشار الذي جعل منها دراما عالمية بكل المقاييس بعكس (خائنة تولستوي)؟ هل يكمن السر في قلم هذا الذئب الأبيض الذي ظل محتفظا بالنسخة الأصلية لكارنينا رغم تعدد النسخ على مر العصور؟ كيف تهرب من المحاباة أو التفضيل بين الحكاية الدرامية والحكاية الروائية بكل إمكانياتهما؟ ثم عندما يغيب العمل الأدبي ويختفي تماما وراء ستار العمل الدرامي أو السينمائي، هل تصبح اللغة في خطر، أم أن خطر الدراما عليها هو نقطة الأمان الوحيدة لإبقائها على قيد الذاكرة؟
أغبط تولستوي، لأن الأعمال التي حاولت الوصول إلى مستوى لغته وعمقه، لم ترق تماما إلى إبداعيته، ولم تزل المحاولات مستمرة دون جدوى، لقد انتصرت كارنينا المرأة اللغة على المرأة الصورة، فهل ستتحيز بعد هذا كله للخيانة بالكلمات؟
لوركية الحرمان
————
المرأة الخائنة التي تحدث عنها لوركا في قصيدته، تشبه الشاعر أكثر من نفسها، وإن حملت بعضا من ملامح بهتر – سمر (الممثلة بيرين سات)، خاصة في مرحلة المراودة، حتى وإن اختلف ضمير الشاعر عن ضمير الشخصية الدرامية التي أداها مهند – بهلول (الممثل كيفانتش تاتليتوغ) فإن الخائنة واحدة.
لوركا الذي عذب قصيدته كثيرا حين بتر مشهد الخيانة، بموقف لا يليق سوى بمن يعف عن الغدر، فقد (كانت ذات زوج)،….
ظلم اللغة، لأنه حرمها نعمة التجربة، واكتفى بإرضاخها للأحكام الأخلاقية والمواقف البطولية. قد تسامح لوركا على أمانته الخائنة، ولكنك حتما لن تغفر للغة كل هذا الحرمان!
ميراث الحكمة والجنون
—————-
كان يمكن لبطلة العشق الممنوع أن تعيش بلا منغصات، حياة مطمئنة سعيدة حسب التصور المجتمعي لمفهوم الاستقرار العائلي، فهل هذا يرضي الجنون؟ السعادة حين تكون مملة، ورتيبة لا تخلخل موازين الوعي، لاستنباط ذاكرة مجنونة من الذاكرة الغريزية التي تتحكم بمهاراتنا السلوكية، لتكسر جليد الروتين الوظيفي للسعادة، ضمن مفهوم الوعي الجمعي لها، ولا يعني هذا أن اتفاق الأغلبية على رؤية جامعة لن يسمح بتفتق نماذج متمردة لا ترضى بالركون إلى ما هو متفق عليه، بمنطق إرثي أعمى، لأنها لا تحسه… أن تختار موتك على طريقة جنونك ألذ من أن تموت بحكمة الآخرين، فهل أنت مستعد؟
في حين أن امرأة لوركا أحبت شاعرا محاربا يتمنع من رغبة، وعفة، رأت (بهتر) في ابن زوجها بالتبني رجلا حرا، يقدم لها عند كل حكمة دعوة للجنون..
هناك أشياء تذبحك إن فكرت أن تكتب عنها، وأنت تتابع النظرات الجائعة، الأنفاس اللاهبة الكظيمة، التي تتسربل فوق جلدك كأنها قطرات من حميم، جسر كيميائي يمتد بينك وبينها، تفاعل انشطاري يتحول إلى اندماج نووي مدمر، فكيف توقفه وأنت لا تريد له أن يوقفك؟
سيظلمك عدلك لو اخترت ألا تعدل مع ظلمك، بعد أكثر من أربعين حلقة، يجن الجنون، ليدخل الاثنان في مرحلة الانقطاع الفيزيولوجي الفعال في اليقظة، شيء أشبه بالأرجحة بين نومين يستحضران الرائحة والصوت والمرايا بإيروتيكية عالية، ولكنها موشوشة، حفيفية، حارقة، فكلما تأنى المخرج ومطْمَط دون تقطع أو تراخ باستغراق التأجيج العاطفي للحالة كلما ضمن غليانا أهدأ وتشويقا لاهبا يوقع المشاهد في فخ التواطؤ مع الخائنين، وترقب اللحظة الحاسمة: الالتحام الجسدي واقتراف الجريمة الكاملة..
بين خسارتين
———
قد يحسّان بالندم الذي يتبدد أمام أعاصير المتعة، تلتقط أمها التي وقعت قبلها في شراك الخيانة، كلمة السر، تحاول منعهما ولما تفشل تلجأ إلى خدعة الإيهام، تزوج ابنة الزوج من حبيب ابنتها.. لكنها أفرطت في الجرعات العلاجية لأن البطلة لم تقنع بهذه النهاية السعيدة، تريد أن تنتقم لكبرياء خيانتها، لم تبال باستعادة حياتها الزوجية، طالما أنها لم تثبت لنفسها أن خيانتها أهم من الحفاظ على سعادتها، صوبت قلبها باتجاه العيار الناري في منطقة وسطى بين الحبيب الذي خان الخيانة، وبين الزوج، ثم تموت اللبلابة السامة… تموت يا إلهي…فمن انتصر ومن خسر؟
لا أحد، ولكن الجمال دائما يتحيز للموت.. فهو الشجاعة الوحيدة في كل هذا الخسران الجبان.
الهروب من أسباب الخيانة التي كانت الدافع لوقوعها، إلى فتاة أخرى أكثر أمنا عاشتها آنا كارنينا بكل تهاوياتها المتشظية في رواية تولستوي، وجسدتها صوفي مارسو بكل الألم المستحيل الذي لا يحس به سوى من يمشين إلى حتفهن على أطراف أصابعهن فوق خيط الماء كبجعات سوداء في بحيرة الدم.
رعاف اللغة
——-
لم أكتف بعد… النزيف يأبى أن يتوقف ولن تتسع الصحائف لمداد كلماته الراعفة!
الخيانة التي تجرك إلى الاصطدام مع الوعي، واضطراب في الإدراك وخلل وظائفي في الحس، هي الأخطر على الإطلاق، لأنها لن تحترم تنازلاتك، بل ستهينها، وكلما أصريت على الفوز بما يليق بكرامتك، زادتك هوانا، وأنت تترفع على الندم.
لن تطلب التوبة، فمن يوقن بانحدار الهاوية إلى شفا سقوطه، يفلت من مركزية التوازن فيخلط بين توهانيْن، الأول والأخير، الانسياق والانهيار، يظن لهول الصدمتين أنه مصاب بدوخة، أو بعسر استيعاب لكذبة لا يريد أن يصدقها، يقنع نومه بأرق عارض، سرعان ما يكتشف بعد ليلة طويلة من الموت أنه العدم، فالإصابة بليغة في الذاكرة، والخراب لا يمكن أن يولد ذكريات جديدة متعافية، في الأفكار الباطنة بمركباتها المتمايزة لإدراك التجربة ثم تسجيلها ثم استرجاعها، وقد يهيأ لمن يرى خائنة، أنها مصابة بعوارض متلازمة (كورساكوف) تفقدها ذاكرتها القريبة مع نقص في البصيرة وتوهان في المكان والزمان.
انحراف ذاكراتي يفضي إلى رضوض في المخيلة وتصدع في العاطفة لا يمكن إصلاحه، وحين تتبدل آليات الوعي يصير التشوش طاغيا، بين خرف وعَمَهْ وعوز للأكسجة وخمود نفاسي ناجم عن مبالغة بردود الأفعال اتجاه الأحداث، استجابات غير ثابتة، اضطرابات في الاهتداء، وتأخر عقلي، يعطل أجهزة الإنذار في الوعي الدماغي الفصامي، ليصل إلى عسر في الحركة، ثم اكتئاب يسطح الوجدان ويعبر عن المواقف بانفعالات مناقضة لها، وهنا يأتي التقهقر الاجتماعي، وتدني تقدير الذات، الشعور بالفشل والهذيان، تبدلات كهربائية وكيميائية تعزف اللحن الأخير لرقصة التانغو القاضية: الانتحار..
كله نقيض الهوس الذي يصيب البطلة في مستهل علاقتها المحرمة، فالابتهاج الدائم، والفعالية التي لا تهدأ، شدة الانتباه، ازدياد الطاقة النفسية، ومع تدرجات التخلي، تقف (بهتر) في منطقة وسطى بين عارضي الفصام والهوس، تتكلف العظمة، تكذب، تتلاعب، تنفر من حولها، تتغير مزاجاتها وتصر على إنكار الهزيمة.
بين الاضطرابات القلقية والعصبية والتوتر الوسواسي خطر وشيك، تنظر الخائنة إلى المرآة، ترى وجه أمها، الآن فقط لابد لها أن تقبل الفصام العاطفي كجين وراثي، إنها ابنة فيروز خانم، حسنا إذن وداعا لكل المرايا… وكل المرايا إلى الجحيم… لقد كسرت وجه أمها في مرآتها.
من متلازمة وجوه حواء الثلاثة تخرج من جسدها لتراقب ذاكرتها، لأن الشعور باللاحقيقية، يخل بالجملة العصبية للمخيلة.
أخيراً..أخيراً… كتبت عن أجمل الخائنات في ذاكرة الإبداعات العالمية، أخيراً يا إلهي انتصرت على احتضاري بموتي، وأجلت موتي كي أتذوق احتضاري على مهل الألم.
_______
*الاتحاد الثقافي

شاهد أيضاً

الأدب في زمن الأوبئة

الشاعر الإيطالي فرانشيسكو بترارك وهو أحد الناجين من الطاعون الأسود .. وصف ذلك الحدث بالقول: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *