الرئيسية / مقالات / خطوط حمراء كثيرة في داخلنا

خطوط حمراء كثيرة في داخلنا


*كمال العيادي


في بداية هذه السّنة قمتُ بنشر مجموعة قصصيّة بالقاهرة بعنوان «اعترافات الفتي القيرواني»، تدور أحداثها عن العشوائيات، وما يدور فيها من موبقات وممارسات يوميّة مرعبة وبشعة من زنا محارم وخطايا وإجرام وفواحش واستغلال أطفال وشعوذة وسحر وخيانة وغيرها. وفضلا عن أن سقف لغتها الذي يمكن إعتباره بلا سقف تقريبا، كونها مجموعة نصوص تغرف من عمق عالم واقعي داعر وبذيء وشرّير، فقد اخترتُ أن يكون غلافها أيضا صادما بشكل ما، ذلك أنّني اخترتُ صورة بارزة لقطعة من الملابس الدّاخليّة النسائيّة لتغطّي كامل مساحة الفراغ فيه. وللمزيد من التأكيد أو التحذير، أو الإستفزاز ربّما، اخترتُ وتعمّدتُ أن يكون لون الغلاف كلّه أحمر كلون الدّم المسفوح.
وحدث فعلا ما توقّعتُ، ونفدت الطّبعة الأولى منها كليّا خلال الأسابيع الأولى بعد عرضها بمعرض الكتاب بالقاهرة خلال شهر مارس الفارط.
ولكنّ المدهش حقيقة والمفاجأة المذهلة فعلا هي أنّ مجلّة عريقة ومعروفة برصانتها وخطوطها الحمراء مثل مجلّة (العربي – الكويتيّة) اختارت هذه المجموعة بالذات في عدد (يونيو) الفارط ضمن أفضل الاصدارات المتميّزة للمكتبة العربيّة، ومن ضمن ستّة عشر مؤلفا تجمع أهمّ التراجم العربيّة المتينة للأدب العالمي. وكان اختيار مجلة العربي لهذه المجموعة بالذات، والتنويه بها وبمضمونها فضلا عن نشر صورة غلافها الصاخب، سببا في تندّر العديد من كبار المبدعين الأصدقاء بالقاهرة والعالم العربي، حتّى أنّ الشاعر الكبير أدونيس الذي كان قد أتمّ قراءتها قبل ذلك في ليلة واحدة، ونحن نحضر فعاليات معرض الكتاب بتونس، عبّر عن ذلك بألمعيّته وسخريته النافذة قائلا: (هل نحن قادمون على عهد يبشّر بإمكانيّة المُصالحة بين سُلطة ما نهيم به بيننا وما علينا أن نختاره لنا بحذر ونحن بينهم؟؟).
نحن إذن لا نعني القارئ حين نتحدّث عن الخطوط الحمراء التي لا ينبغي تجاوزها، أو ما يُسمّونه بالتابو تضليلا. بل نحن نعني ونشير أكثر إلى السُلطة الموجّهة، السُّلطة بكلّ أشكالها بداية من السلطة الأبويّة للمُربيّ والموجّه أو الأخ الأكبر الوصيّ في جميع أشكاله مُرورا بسلطة النّفاق الإجتماعي ووصولا إلى سلطة الناشر والمنتج والموزّع المسكونين بدورهم بهاجس الخوف والتوجّس من سلطة المنع والمصادرة وقطع الرّزق وإثارة الزوابع والتوابع وخيمة العاقبة.
هرم الخطوط الحمراء
لقد علّمونا في البداية أنّ هرم الخطوط الحمراء ثلاثيّ الأبعاد، وأنّه علينا أن نكون حذرين ونحن نتقاطع مع أحد التابوهات الثلاثة: الدين والسياسة والجنس. لكنّ الحقيقة أنّ الخطوط الحمراء
متشابكة وكثيرة حتّى ليمكن القول أنّها باتت تشكّل نسيجا كاملا ومن الصّعب تبيّن بدايات الخيوط المتشابكة فيه وتقاطعها. وهي بالمناسبة تذكرنا دائما وبفجاجة بأخطائنا منذ سنوات الدّراسة الأولى حيث يطيب للمُعلّم أن يُشهر قلمه الأحمر ليثخن أوراق اختباراتنا مهددا ومنذرا.
فحين كنتُ أعيش في تونس مثلا، كان الخطّ الأحمر للدّين يعني لنا أنّه لا ينبغي التجديف بالقول في موضع يتعلّق بالموروث الاسلامي وخاصّة القرآن أو السنّة أو الصحابة الأوّلين.
لكن حين ضربتُ في الأرض سائحا ومقيما، ثمّ حين استقرّ بي المقام في القاهرة كان عليّ أن أفكرّ مائة مرّة قبل كتابة شيء قد يكون فيه إساءة ولو من بعيد لجيراني وأصدقائي وقرّائي المسيحيين. وزاد الأمر تعقيدا حين تقاطعتُ مع مواضيع لا علاقة لها لا بالدّين ولا بالسياسة، وإنّما هيّ بقايا إرث وثنيّ وتقاليد فرعونيّة تداخلت عند العامةّ وفي وجدان الشعب البسيط بالدين، مثل موضوع ختان البنات مثلا. وكنتُ حقيقة وبالفعل أتحرّج كلّ الحرج حتّى من مجرّد التفكير في تناول هذا الموضوع في نصوصي أو في أحاديثي اليومية العابرة مع زملائي وأصحابي في المقاهي. فكلّ من يجلس معي لديه بالتأكيد ابنة أو أخت أو أمّ أو خالة أو عمّة أو زوجة مختونة بشكل بدائي وإجرامي. ولكن الكلّ يلوذ بالصّمت حين يطرح هذا الموضوع بينهم، فما بالك إذا كان بينهم غريب عن تقاليدهم ونواميسهم وتواطئهم العام؟
ولكنّ المصيبة لم تقف عند هذا الحدّ الذي يلجم قلمي ويجرجرني أن ألجمه بنفسي وأمتنع عن الخوض في أيّ من هذه المسائل التي تصبّ في صميم اختياراتي وطبيعة كتاباتي الصادمة، ويقيني ككاتب بأنه لا يمكن أن يتغيّر أيّ شيء طالما تعاملنا معه كأمر مفروض ولم نقلّبه ونجابهه ونكشف كمّ التضليل والزّور والظلم فيه، إحتراما لقرائي الذين أتقاطع معهم يوميا وأصدقائي الذين أعيش بينهم وأقاسمهم الأفراح والأتراح. بالعكس. زاد الطّين بلة أنّ رقعة القراء الذين احترمهم اتّسعت، وبانت خطوط حمراء أخرى كثيرة. عليّ أن أنتبه جيّدا قبل كتابة أيّ نصّ جديد قد أخسر معه فريقا من أحبّة أعتزّ بصداقتهم وقربهم.
القبلية والعرقية
ولم يعد الدين والسياسة والجنس والتقاليد البالية والموروث الوثني هي وحدها الخطّوط الحمراء التي تقيّدني. فقد نبتت في جدول التابوهات كوارث أخرى مثل القبليّة والعرقيّة والجهويّة والمذهبية وغيرها. فعليك أن تفكّر عشرات المّرات مثلا قبل أن تستعمل عبارة أدباء الأقاليم حين تشير لزملائك ممن يكتب من خارج القاهرة. ولو أشرت بعبارة بريئة واحدة في هذا الموضوع فأنت ستحسب أنّك تنتصر لفئة متعالية على حساب أغلبيّة مهضومة الحقّ. هذا في داخل البلد الذي أعيش فيه، فما بالك لو أخطأت يوما وتحدثت بالسوء أو بالخير عن جماعة في بلد مثل اليمن أو ليبيا أو غيرها حيث تتناحر القبائل بشكل دمويّ، وحيث تسيل الدّماء يومياّ بين هؤلاء وهؤلاء، ولك في كلّ قبيلة صديق أو رفيق أو قارئ قريب؟
كلّ هذا يُضاف إلى خطوط أخرى مسكوت عنها بتواطؤ عام. فالحديث عن زنا المحارم في الأحياء الشّعبيّة والعشوائيات يعتبر خطا أحمر وتابو، والكتابة عن اللّواطيّة وتفشيها في مجتمعاتنا العربيّة أيضا خطّ أحمر، رغم أنّ القرآن نفسه ذكّرنا وأكّد لنا تفشيها منذ بداية التعايش الجماعي وفساد الطويّة وجنوح النفس البشرية إلى الفواحش والشذوذ. أولم تُشتقّ عبارة اللّواطيّة من اسم نبيّ ورسول كريم هو سيّدنا لوط، للإشارة إلى قومه الفاسقين في نصّ يستعصى حتّى على أكثر المبدعين السرياليين جنوحا للخيال تصوّره؟!…وهل أكثر غرابة وشذوذا من تصوير فسق ولؤم وشذوذ قوم لوط حين طمعوا في اغتصاب ملاكين مرسلين من السمّاء هبطا الأرض ضيفين على رسول ونبيّ الله، وأصرّوا على الاجهار برغبتهم الخسيسة حتّى اضطرّ النبيّ لوط إلى عرض بناته الصبايا كبديل مشفقا على ضيفي السمّاء؟
فهل كتب كائن بشريّ بعد هذا النصّ القرآني الصريح المباشر شيء أكثر حبكة وغرابة وإدانة جماعيّة ؟؟…وفضلا عن ذلك فذاكرتنا وموروثنا مليء بالنصوص الفُصوص التي تخترق الحدود الحمراء والتابو. ويكفي هنا أن نذكر ما ندين به لكتاب ألف ليلة وليلة وإشارات التوحيدي وكتب رائدة مثل مؤلفات العالم والإمام الجليل جلال الدين السيوطي، وهو أحد أشهر مفسري القرآن الكريم وخاصة في تفسير الجلالين، وهو نفسه الذي ترك للمكتبة العربيّة إرثا عظيما ومؤلفات ضربت بكلّ الخطوط الحمراء عرض الحائط. وهل هناك مثقف أو مبدع أو كاتب أو ناقد أو مستشرق لم يقرأ مؤلفاته المتينة في علم الجنس وخاصة كتبه الأربعة: «نواضر الأيك فى معرفة النيك» و «رشف الزلال من السحر الحلال»، و «الوشاح فى فوائد النكاح» وكتاب «شقائق الأترج فى رقائق الغنج» ؟؟
دون أن ننسى النوّاسيّات طبعا والكلّ يعرف أن علّة أبي نواّس لم تكن الخمر فقط، وأنّ أغلب قصائده الفاتنة التي رجّت الشعر العربي رجّا كانت في مراثي الغلمان أو التضرّع لهم والتشبيب بهم وفي تمجيده للفاحشة والموبقات في عصره.
أعتقد أنّه آن الأوان فعلا لأن نعيد النّظر في تحديد حدود هذه الخطوط الحمراء اللّعينة، ذلك أنّ الأمور التبست علينا وكثرت وتداخلت وأصبحت نسيجا خانقا وبشعا ومؤذيا. ولو استمرّ الحال على ما هوّ عليه الآن وزادت عفونة الوضع والانقسامات والتشظي والعصبية والجنوح للإقصاء ووضع العلامات الحمراء فمن المؤكد أنّنا سننتهي إلى الصمت الكامل. وربّما عدنا للاكتفاء بالكتابة عن القمر، رغم أنّ علماء الغرب «الكافر» حرمونا فعلا حتّى من ذلك، وأرسلوا الكلبة الهجينة (لايكه) لتدور حوله قبل إرسال السيد (لويس امسترونغ) وقبله الرفيق (يوري غاغارين) ليثبتوا لنا وبشكل قاطع بأنّ القمر نفسه قبيح وموحش وغير ملهم.
_______
*السفير

شاهد أيضاً

في تأمّل تجربة الكتابة

في تأمّل تجربة الكتابة منّك لله يا سهر… منّك لله! *فراس حج محمد نشرت صحيفة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *