الرئيسية / فنون / الصورة الذاتية.. وهم خداع النفس والآخرين

الصورة الذاتية.. وهم خداع النفس والآخرين


*د. عمران القيسي


يتنبه الكاتب والروائي الإيرلندي الكبير «أوسكار واليد» إلى العالم النرسيسي الذي يحف بالفنان، فيكتب عن صورة الفنان في شبابه، حيث يهرم صاحب الصورة، والصورة معاً، وحيث الإشارة الحيّة على حيوية العلاقة بين الفنان وذاته، لكن للفنان حساباته الأدق في مجرى السرد التأليفي للنص التصويري، تماماً كما للروائي حساباته الدقيقة في سرد النص الروائي الذي يحكي عن هذا الجسر الزماني الذي يربط بين طرفي البداية والنهاية فإذا كانت الصورة هي بصمة آنيّة لزمن لا يتقدم، بل يبقى مستقراً كما لحظة ولادته، فإن الفنان راسم النص التصويري، هو المشروع الأوحد لمسايرة الزمن تقدماً وتجاوزاً للزمن الشبابي.
من هنا ندرك أن الصورة الذاتية هي شهادة ذاتية، وهي بالتالي وثيقة تصويرية يرفعها الفنان بوجه العالم كله، لكي يبرهن على الأمور التالية:
أولاً إن راسم الصورة الذاتية هو كائن إنساني مبدع مهمته رصد العالمين الذاتي والموضوعي، ولكن الصورة الذاتية هي التي تتحول تلقائياً من شهادة ذاتية، إلى إعلان موضوعي.
ثانياً إن البراعة التصويرية ليست بالتشابه الكلي (التطابق) بين الصورة الحقيقية للفنان والصورة المرسومة وإن كانت بريشته. بل بمدى نجاح الفنان التشكيلي بالولوج إلى مبدأ المحاكاة المطلقة للحالتين الجسدية والنفسية للفنان في مدة معينة.
ثالثاً يتحول الفنان خلال مراحل عمله الفني، من مرحلة فنية إلى أخرى، تماماً كما تحوّل «بابلو بيكاسو»، من المرحلة الزرقاء إلى المرحلة الوردية، ومن التكعيبية السطحية إلى التكعيبية الضمنية كاشفاً البعد الزمني الرابع، فإن صورته الذاتية هي التي تكشف عن كل هذه المراحل، لأنه مكرس لأن يشيد عمارته الفنية الإبداعية انطلاقاً من تجاربه المعمقة على ذاته أولاً، وعلى موضوعاته ثانياً، فالصورة (البورتريه) هنا هي البصمة الزمنية لعمر (بيكاسو) الفني.
رابعاً يذهب بعض الفنانين الانطباعيين، وربما في مقدمتهم الهولندي (فنسنت فان كوخ) إلى الانتماء لعالم الصورة الذاتية، لكي يكشف عن علاقة (نرسيسية) أو (نرجسية) مع نفسه، قوامها التعلق بالحياة ورفضها في آنٍ واحد.
إنه متعلق بها لأنها مرآة شبابه وحيويته، وهو رافض لها لأنها مصدر قلقه الأبدي من الوجود برمّته، لهذا السبب كانت الصورة الذاتية لفان كوخ خالية من الغنائية، بل هي حالة تحديق بوجه العالم. إنه يقذف بذاته القلقة صوب الآخرين الذين هم السبب الأزلي لكل هذا الشقاء أو القلق الذي تحول إلى حالة مرضية.
خامساً لقد عمد بعض الفنانين السورياليين مثلاً، إلى جعل صورهم الذاتية موديلاً أو أنموذجاً لغيبوبة الواقع، أو للسير في عالم اللاواقع، لذلك يرسم (سلفادور دالي) ذاته وقد وقف على شاربه الغريب غراب أسود، فيما رسوم (مان راي) ذاته عارياً في غرفة عمليات طبية تعود إلى العصر الروماني.
هنا يتمّ استخدام الصورة الذاتية لخدمة الغرض الفكري للسوريالية، وهي التي لم تفصل أيضاً بين السلوك والفن. فلا وجود لفنان سوريالي بلا أخلاق سوريالية، أو من دون العيش بعالم سوريالي بالغ الغرابة.
سادساً بعض الفنانين في أمريكا اللاتينية أو إفريقيا ذهبوا صوب أقلمة الصورة الذاتية، أي منحها الهوية الإقليمية أو القارية إذا أردنا الدقة. وحجتهم بذلك، أن الجذور الإفريقية القوية للفنان الإفريقي تجعله جزءاً لا يتجزأ من العالم المحيط به، أو العالم الذي طلع من رحمه. لذلك يمتلك الحق المطلق، بأن يعلن على العالم هويته كقديس ينتمي إلى العالم العذري، الذي تصدح فيه أصوات طبول الغابة، ورقصات البشر المتآلفين مع حيوانات المجاهل الإفريقية.
هكذا يعلن مثلاً الفنان السوداني النوبي (فتحي حسان) من مواليد 1957 عن شخصيته عبر «البورتريه» الذي يبجل من خلاله سلالته التي تنحدر إلى الجذور الفرعونية النوبية.
أما السوداني المبدع الآخر المرحوم «أحمد عبد العال» فهو ذلك الفنان التعبيري الفذ الذي رسم بريشته الأنيقة وجوه الكائنات السائرة صوب الإلهام. فيما صورته الذاتية وحدها تسير صوب الوضوح الجليل. لأنه الأقرب إلى اليقين الرباني عبر تياره التشكيلي تيار (الواحد).
لقد رسم الفنان العربي ذاته بشكل مكثف، بل إن شعوراً ينهض على أساس أن هذا الفنان العربي انطلق من مقدرته بالرسم على ذاته أولاً، ثم تحول إلى رسم الموضوعات. وعندما نراجع دراساتنا النقدية للفن العربي، عبر التواريخ الشخصية لأهم رموز الفن العربي من مصر إلى لبنان والعراق وسوريا، نكتشف أن رواد الفن العربي كرّسوا مراحل من حياتهم لرسم صورهم الذاتية، فكانت وثائق تشير إلى أن هؤلاء الذين أخذتهم حرفة الرسم أولاً، وبالتالي ذهبوا إلى التشكيل، إنما هم جوقة من المبدعين الذين سيصورون أنفسهم بأوضاع شتى، بغية الإعلان عن قوة الأداء ضمن شروط (البورتريه) الجديدة.من هنا نرى في المعارض العربية العديد من الصور الذاتية، وهي ليست ملكاً لراسمها، بل معروضة للبيع أيضاً، فالفنان هنا حوّل الموضوع الذاتي إلى موضوع موضوعي، وها هو الفنان البحريني جمال عبد الرحيم في معرضه يقدم الأنموذج الجيد على هذا الاتجاه التعبيري الناضج.
أما على صعيد المدرسة السورية في فن البورتريه الذاتي فإن الرعيل الأكاديمي الأول المتمثل «بفاتح المدرس» قدم درساً في صورة الوجه (الأنطاكي) الذي اخترعه لذاته، والجديد في الأمر والمعالجة يرجع إلى الأسلوب الذي لجأ إليه لتقديم هذا الموضوع وتصوير ذاته، تعبيراً عن المأساة الاجتماعية، متعمّداً في بعض الأحيان الدخول عبر صياغة فطرية وبدائية كأن الرسم أُنجز بريشة طفل.
بالنسبة للبنان فإن أغلب الفنانين جنحوا نحو الصورة الذاتية، ولكن بوصفها غواية نرجسية للفنان والمتلقي معاً. من هنا يحتاج الأمر إلى دراسة تفصيلية لكي نكشف عن الجوانب الإبداعية التشكيلية، بمعزل عن الجوانب التصويرية المباشرة.
إن الصورة الذاتية للفنان، هي كشف أكيد عن قضية الصراع النفسي، وإيضاح جيد للإيقاع الداخلي للفنان، وأحياناً كما كان يقول بيكاسو عن صوره الذاتية: بأن غايتها وضع المشاهد في بؤبؤ عين الفنان نفسه.
ويبدو هذا الكلام نفياً مباشراً حتى للمبدأ البيكاسوي نفسه، وهو القائل: «لنفقأ عيون البلابل حتى يجيء غناؤها أجمل»، فما بين الوضوح المطلق والغموض الخلاق تنتصب الصورة الذاتية لتعلن لعالم الفن التصويري عن حقيقة جديدة، قوامها: إن هذا الذي ترون صورته الآن ليس حضوراً زمانياً بل مكانياً يحمل صفته الأزلية».
عن المرآة ينقل صورته الذاتية في أغلب الأحيان، ذلك أن الفنان يصعب أن يلم بكافة التفاصيل الدقيقة عن وجهه الذي لا يدرك مقدار التحولات التي تطرأ عليه ما بين صباح وآخر، لذلك فإن الصورة (المرآتية) هي صورة مخادعة، ولهذا السبب بالذات تعامل معها (بيكاسو) باعتبار الإنسان كائناً مرآتياً معكوساً بالضرورة، وذلك بفعل الحضور الانعكاسي للمكان عبر المرايا، فأنت الواقف قبالة المرآة ترى صورتك المعكوسة كلياً حيث شمالك يقابل شمالك، ويمينك يقابل يمينك، أما إذا كنت تقف أمام إنسان آخر فإن المشهد سوف يتغير كلياً. إذ تقابل يدك اليمنى اليد اليسرى للشخص الواقف أمامك.
وهنا يصير الحضور المنطقي للكائن الطبيعي الذي يقابلك، لامنطقياً في الكائن المرسوم أمامك لأنه معكوس مرآتياً. ولهذا يمكن القول إن جميع الصور الذاتية للفنانين هي ثبات مكاني ووهم زماني.
وهذا الأمر حيّر أستاذ اللسانيات الفيلسوف الفرنسي «روبير مارتان» الذي قال: إن الصور الذاتية للفنانين ترتكز على زمن لم يولد بعد، لذلك فهو افتراضي يعادل الماضي فقط.
فهل أن الصور البورتريه للفنانين الذين رسموا ذواتهم، هي صور ماضوية تحكي عن زمان مضى لفنان لم يزل عائشاً الآن؟!
_____
*الخليج الثقافي 

شاهد أيضاً

قراءة في فيلم “حرب باردة”

* هاني يارد عام 2015 فاز البولندي بافل بافلكوفسكي بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *