الرئيسية / قراءات / تعالوا نلعب مع عمنا بورخيس!

تعالوا نلعب مع عمنا بورخيس!


*عبد الرحيم جيران

لا يكتب القاص خورخي لويس بورخيس قصصه كما اتفق، بل من منظور مخصوص له ميزاته المتفردة، وهي متعددة، لكن أهمها تخييل المعرفة، فهو لا يحكي بغاية إدراج منتجه ضمن نسق تنامي الجنس الأدبي بموجب اختبار إمكاناته غير المحيَّنة، سواء في الشعر أم في القصة.

ولا يهدف إلى تأكيد نجاعة الواقعية السحرية بوصفها اختيارا فنيا ارتبطت ممارسته بالقارة اﻹبيرو- أمريكية فحسب، ولكن أيضا بقصد جعل القصة القصيرة وسيلة تخييل المعرفة في مناحيها المختلفة، استنادا إلى رؤية مثالية حول الوجود، بما يعنيه ذلك من أسئلة حول المسافة بين العقل والخيال، وحول فعل الكتابة الذي ليس- في نهاية المطاف- سوى استهداف غير المحدود بوسيلة اللغة المنتمية إلى مجال المحدود، وعدم حصر فعالية الحكي في مستوى الحبكة والحدث فحسب، وتجاوزهما إلى مستوى الأجزاء بوصفها تتضمن داخل ممكنها حبكات ما، فتصير الكلمات والأرقام- بموجب هذا التصور- ذات قدرة على اﻹحالة إلى حكاياتها الخاصة، لا إلى معنى يمكن اختباره في الحد الفاصل بين العالم الواقعي والعالم المتخيل، أو في مرجعية التصديق التي تجعل من الكلمة- وما تشير إليه- شرطا لها، لكن إذ يفعل بورخيس ذلك فمن داخل الضرورة الداخلية للسرد، وتناميه.
ليس الغرض مما قدمنا به هذا المقال الموجز الفهم الموسع لعالم الكتابة عند بورخيس، والأسس الجمالية التي ينشأ وفقها، فالحيز لا يسمح بمثل هذه المهمة، وأتمنى أن يسعفني الحظ والجهد- في القريب العاجل- في أن أعد دراسة مستفيضة في هذا الباب. فلا يتعدى المعول عليه في هذا المقال نوعا من التفكير في قضية محدودة جدا، وهي خاصية تتكرر في كتابة القصص عنده، ويتعلق الأمر باستخدامه الأعداد في قصصه على نحو لافت للنظر، ودأبه هذا أثار العديد من الأسئلة، وكأن القصد كامن في لغز ما، لا يقل عن لغز بعض شخصياته.
سأل الصحافي رولان كريست ذات يوم خورخي لويس بورخيس في مجلة «فن التخييل – العدد 39»، عن هوسه باستخدامه الأرقام في قصصه على نحو متكرر، فأجابه بأنه نوع من الوله الشديد، ثم عقب على نفسه بأن سأل- في براءة الأطفال- عم إذا كان في ولهه هذا شيء من الجنون. وما كان من الصحافي إلا أن تقبل رفضه الإجابة بنوع من المراعاة المهذبة. وعلى أي حال ليس من مهام الصحافي اتخاذ قرار مسؤولية هي موكولة إلى النقاد، ومنظري الأدب. لكن الفضول المعرفي دفعني إلى القيام بالمهمة التي ظلت بين قوسين. وكان أن فكرت في محاولتي هاته بنوع من الجد يخالطه الهزل، ولا أَفْضَلُ في موقف مثل هذا من ادعاء اللعب فحسب.
أوقفني مقطع شهير من قصة «مكتبة بابل» التي استوحاها بورخيس من قصة «المكتبة الكونية» المنشورة عام 1904، وهي للكاتب والرياضي والفيلسوف الألماني كارل كيرد. هذا المقطع يرد في سياق وصف بنية المكتبة، وتكاد تطغى عليه لغة الأرقام، وأرى ألا مناص من إيراده- هنا- حتى يكون بين يدي القارئ بغاية إشراكه معي في اللعب مع بورخيس، وتحمل التبعات معي في حالة فشلي في اكتشاف سر لعبة الأرقام لديه، ونص المقطع هو الآتي: «بكل حائط من حيطان القاعة المقدسة خمسة رفوف، وعلى كل رف اثنان وثلاثون كتابا من قطع موحد، ويتألف كل كتاب من أربعمئة وعشر صفحات، وفي كل صفحة أربعون سطرا، وفي كل سطر ثمانون حرفا تقريبا، باللون اﻷسود، هنالك حروف بظهر كل كتاب؛ وهذه الحروف لا تشير أو تنبئ بما سوف تقوله صفحاته». لا بد أن نذكر بأن هذا المقطع من القصة ينفتح على إمكانات اللعب بالأرقام، وهو ممارسة توجد في الصحف اليومية من أجل تزجية وقت الفراغ، كما أنه ينفتح بوساطة هذا اللعب على الممارسة السحرية التي تتخذ من الأرقام وسيلة رمزية تنوب عن الكلمات، وينفتح أيضا على استخدام الأرقام في القبالة اليهودية، لكن ينبغي في هذا الإطار التنبيه إلى التعالق الموجود- في هذه القصة- بين كون كل كتاب شاملا لكل ما في الكتب والرقم بعدِّه متضمنا كل الأرقام، أو على الأقل بعضها. وبعد هذا التوضيح ننتقل إلى بناء اللعبة الرقمية مستخدمين لغة التعليم:
فلنأخذ العدد الأساسي للكتب في كل رف (32) الذي يبرر وجود الأعداد الأخرى، فمجموع الرقمين اللذين يتكون منهما (2+3) يساوي (5)؛ أي عدد الرفوف في كل حائط، ورقم (5) هو مجموع أرقام عدد صفحات كل كتاب (410)؛ أي (0+1+4)، كما أن ضرب رقمي عدد (32)؛ أي (2 X 3) يساوي (6)؛ أي عدد أضلاع المكتبة. وإذا فكرنا في العدد (32) من خلال عملية الضرب نجد أنه مضروب (4 X 8)، وإذا أخذنا مجموع أرقام العدد (32)؛ أي (5)، ومجموع أرقام العدد (410)؛ أي (5) نحصل على العدد (10). وإذا ضربنا هذا العدد (10) في رقمي مضروب العدد (32)؛ أي (4 X 8) نحصل على عدد السطور في كل صفحة (40) بضرب (4) في (10)، وعلى عدد الحروف في كل سطر (80) بضرب (8) في (10). وإذا ضربنا عدد السطور (40) في كل صفحة في عدد الحروف في كل سطر (80) نحصل على العدد (3200)، وبقسمة هذا العدد على العدد (100) نحصل على عدد الكتب (32) في كل رف.
قد يتساءل المرء: ما الغاية من هذا التحليل، إذا لم يكن مجرد إثارة صداع في الرأسcasse- tête؟ ويحق للباحث الأدبي الذي لم يألف مثل هذه اللغة أن يذهب إلى أبعد من ذلك، فيتساءل: عم الفائدة التي تعود عليه بالنفع في عمله البحثي؟ قبل الإجابة ينبغي أن أنبه إلى أنني بنيت تعاقدا مع القارئ، مفاده أننا سنلعب فقط مع عمنا بورخيس. ومع ذلك فالهزل لا يخلو من الفائدة، بل من الجد أحيانا. صحيح أن المقطع الحكائي المستشهد به لم يعد مجرد حكي، بل تحول إلى خطاب رقمي يضطلع بمهمة إمتاع ذهنية تتجاوز طاقة اللغة، ومثل هذا الإجراء اللعبي يعد مهمة تختص بها الصحف وكتب الألعاب الذهنية، لكن انفتاح المجال الإبداعي على إمكانات اللعب لا يقف عند حدود اللذة الذهنية، بل يتعداها إلى فعل السرد ذاته؛ حيث نكتشف- من خلال تفكيك مركزية العدد (32)- أن القصة لا تحكي العالم باعتماد إمكانات اللسان أو تقاطع اللغات، أو استيراد الكلمات، أو معانيها من لغات أخرى فحسب، بل تفعل ذلك أيضا بلغة الأرقام، ومن ثمة تتضمن القصة حكاية متخيلة لرقم هي حكاية اللعب به، ولا يقتصر الأمر على ما تحيل إليه الأرقام من دلالة سحرية؛ فحين يحيل هذا اللعب بالأرقام إلى الممارسة السحرية فإنه يفرغها من هذا المحتوى. وحتى نبرر الانسجام بين عالم الرقم الممكن (32) وعالم المكتبة- كما هي مجسمة في القصة- تنبغي الإشارة إلى أن هذا الرقم يحيل- في أثناء تنامي النص- إلى لغة المكتبة التي تحيل بدورها إلى كل شيء في الكون، بل لا تحيل إلا إلى نفسها بوصفها الكون ذاته، وهنا يظهر مدى استثمار المعرفة من قبل بورخيس، فوراء لعبة الأرقام يتخفى شبح الفيلسوف الإغريقي فيثاغوراس، الذي يبني تصوره للكون على العدد والنغم. وإذا أردنا أن نذهب بالتأويل مذهبا موغلا في الربط الإحالي بين الأرقام والأفكار الثقافية والدينية، فإن العدد (32) يحيل مضروب رقميه (6) إلى أيام خلق الكون في الديانات السماوية، ومن ثمة يعد شكل المكتبة السداسي محيلا إلى الكون، ومشابها له في لانهائيته. كما أن مجموع رقمي هذا العدد (5) يحيل إلى النجمة الخماسية التي تُسْتَخْدَمُ رمزا في السحر، وفي الإشارة إلى بعض المنظمات العقائدية السرية. إذن لم يكن هذا المقطع الرقمي عبثا، بل مفكرا فيه، وبغاية ما، ولا يخرج عن منطق الكتابة الذي يتحكم في قصص بورخيس.
لا شك أن اللعب مع بورخيس لم يكن فعلا ذهنيا فحسب، أو تأويلا يستند إلى خيال يلاعب تخييلا، بل تمرينا يغترف من تصور يجعل من النص ممتدا في سياق قارئ لا بد أن يكون شبيها بالمستكشف، ولا بد للنصوص فائقة الصياغة الفنية من أن تدفعنا إلى الخروج بخلاصات حول ما ينبغي أن يكون عليه الإبداع، وما يلزمنا حين تروم الكلام عنه، ومن ضمن ذلك أن الكاتب الحق لا يأتي إلى الكتابة مستجديا ما يجود عليه به البياض، وإنما يأتي إليها مزودا بفكرة حول ما يريد تسويده، وبرؤية واضحة حول ما ينوي فعله، وكل قول يدعي أن النص ينكتب من تلقاء نفسه هو مجرد ادعاء فارغ يعبر عن فراغ ما يُكْتَب. وتفضي هذه القناعة إلى اقتضاء مُفاده أن النقد لا يكون منتِجا إلا إذا توافر للنص البناء الجمالي الجيد المستند إلى معرفة ورؤية ووعي؛ فالنص الجيد هو الذي يصنع الناقد، لا العكس، وبالمقابل على النقد أن يكون في مستوى النص، والتجربة التي تكمن خلف إنتاجه، بما يعنيه ذلك من ضرورة إعادة تكوينه، بغاية الاهتداء إلى الأسرار التي تتخفى وراء صياغته.
________
*القدس العربي

شاهد أيضاً

“مهموس رخو من أقصى الشعر” للشاعرة المغربية مالكة العلوي

( ثقافات )  صدر عن مطبعة الشركة المصرية بالقاهرة، عن منشورات القلم العربي بالقنيطرة المجموعة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *