الرئيسية / قراءات / فارس يرصد إنجازات الحضارة القبطية في الحضارة الانسانية

فارس يرصد إنجازات الحضارة القبطية في الحضارة الانسانية


محمد الحمامصي


يلفت الكاتب د. عماد جاد في تقدمته لكتاب “الأقباط وإسهاماتهم في الحضارة الإنسانية” للكاتب والباحث عبد صموئيل فارس المدير الإداري لمركز دراسات أحوال مصر أنه في الوقت الذي تخصِّص فيه كبرى جامعات العالم في أوروبا وأميركا الشمالية أقسامًا مهمة لدراسة الحضارة المصرية القديمة، ويتخصص علماؤها في “علم القبطيات”، فإن جامعات مصر ذاتها تتوارى خجلًا، فلدينا ذخيرة تتمثل في اللغة المصرية القديمة، التي تعد القبطية امتدادًا طبيعيًّا لها، وما من اهتمام بها سوى من قِبَل الكنائس وعدد من الأسر القبطية في صعيد مصر تحديدًا.
وفي تقديري أن محصلة كل ذلك تتمثل في عدم معرفة المصريين بإنجازات أجدادهم الفراعنة، ونقصد بذلك جميع المصريين، فالأصل العِرْقي للغالبية الساحقة من المصريين واحد، ولكن في زمن الانحطاط والتدهور باتَ قدر لا بأس به من المصريين ينظر بسلبية إلى أجداده، فقد ألحُّوا عليه أنهم كانوا وثنيين، وأخذوا يحاسبون الأجداد برؤى الأديان الإبراهيمية التي لم يكن قد ظهر منها سوى اليهودية فقط، وهي ديانة مغلقة وأتباعها متعالون على باقي البشر.
وأكد أنه آن الأوان للاهتمام بتاريخ مصر القديم وتقديم صورة حقيقية موضوعية له؛ وأن هذا الكتاب “الأقباط وإسهاماتهم في الحضارة الإنسانية”، يمثل محاولة من شاب مصري مثقف لتقديم حافز للشباب المصري للقراءة في تاريخ بلاده وأجداده وإسهاماتهم في الحضارة الإنسانية.
يتناول الكتاب الصادر حديثا عن دار صفصافة أبرز الانجازات في الحضارة القبطية على مختلف المستويات من ثقافية وفنية وأدبية وصناعية ولغوية وما يخص تطوير أدوات الكتابة.
يبدأ الباحث من اللغة وأدواتها والتأثيرات المختلفة التي دخلت عليها من اللغة اليونانية خاصة حيث يشير إلى أن اللغة القبطية هي المرحلة الأخيرة من مراحل تطور اللغة المصرية التي تكلم بها وكتبها قدماء المصريين منذ أكثر من خمسة آلاف سنة، والرأي السائد لدى العلماء أنها تنحدر من اللغة المصرية المتأخرة Late Egyptian مباشرة، حسبما كانوا يتحدثونها في القرن السادس عشر قبل الميلاد مع بداية الدولة الحديثة.
ويضيف “اللغة القبطية الحالية تعتبر اللهجة العامية للغة المصرية القديمة، وقد كتبت هذه اللغة بعدة خطوط مصرية، ومرت بمراحل مختلفة كان الخط القبطي هو آخر مرحلة مر بها”.
ويرصد الباحث للخطوط المصرية وهي: ـ الخط الهيروغليفي: كان مقدسًا عند المصريين، وكانوا يستعملونه أمام معبوداتهم ـ الخط الهيراطيقي: وهو أسهل من سابقه، وقد استعمله الكهنة في كتاباتهم ـ الخط الديموطيقي: وهو الذي استخدمه الشعب المصري في العصور المتأخرة، ويعني باليونانية: الخاص بالشعب، وظهر في الأسرة الـ 25 من سنة 715 إلى 666 قبل الميلاد ـ الخط القبطي: في القرن الثاني الميلادي قام القديس بنتينوس مدير مدرسة الإسكندرية اللاهوتية بترجمة قبطية للكتاب المقدس.
ويلاحظ الباحث أن الكتابة القبطية هي الوحيدة بين صور الكتابة المصرية التي تسجل الحروف المتحركة، فتعطينا فكرة دقيقة عن طبيعة نطق الكلمات المصرية، وبالتالي فإنها تُظهر أيضَا اختلاف نطق اللغة من منطقة إلى أخرى، فتتضح في الكتابة القبطية فوارق اللهجات، ولهذا نستطيع من قراءة الوثائق القبطية أن نحدد اللهجة المكتوبة بها، هل هي بحيرية أو صعيدية أو فيومية أو بهنساوية أو أسيوطية أو أخميمية، أو واحدة من اللهجات الفرعية الموجودة في نقاط التلاقي بين المناطق الناطقة باللهجات الرئيسية”.
ويتوقف الباحث عند الحياة اليومية والاجتماعية حيث يرى أن استخدم الأقباط العديد من الأدوات الكتابية، والتي مازالت محفوظة بالمتاحف القومية أو الدولية، وهي:
البردي: وكان الأكثر استعمالًا من بين المواد الأخرى. وكان قد بُدئ استخدامه في الكتابة من حوالي عام 3000 ق. م إلى ما بعد 1000 بعد الميلاد. ولأن أوراق البردي تفقد مع الوقت مرونتها؛ لذلك لم تكن جيدة لعمل الكتب أو اللفائف.
الرَّق: ويصنع من جلود الحيوانات، وهو أكثر مرونة من ورق البردي، ولا يتلف بسرعة؛ لذلك استخدم بكثرة في صناعة الكتب، وبالأخص في الكتب الدينية. ونظرًا لارتفاع أسعاره؛ فلم يستخدم في الكتابة في أمور الحياة اليومية العادية.
الأوستراكا: وهو اسم يطلق على شقف الفخار وقطع الحجر الجيري وحجر الصوان. وكانت أسعاره زهيدة، وكان يستخدم عند عدم توافر ورق البردي، فقد عثر على أوستراكا يعود تاريخها إلى القرن السابع الميلادي سجل بها خطاب جاء فيه: “أنا آسف لأني لا أملك بردية في الوقت الحالي. أوَدُّ أن أبلغك بالمستجدات في الأمور التي كتبت لك عنها في خطابي السابق”.
الورق: ظهر الورق في مصر في القرن التاسع الميلادي، وبدأ يتفوق على البردي حتى انتشر استخدامه، بينما توقف استخدام البردي.
الألواح الخشبية: وهذه استخدمت في كتابة النصوص المستديمة، مثل قطع الصلوات، والصيغ القانونية الثابتة، في مكاتب الكتبة أو مكاتب الشهر العقاري.
الألواح الشمعية: وهي عبارة عن ألواح خشبية سميكة كانت تُصَبُّ عليها طبقة من الشمع ثم يُسوَّى سطحه، ثم بقلم مصنع من الخشب أو المعدن كان يتم الكتابة عليه. وعند الاستغناء عن المكتوب فيه، يمكن تسوية الشمع من جديد ثم يعاد الكتابة عليه مرة أخرى.
الأقلام: استعمل القبطي “القلموس” المصنوع من الغاب في الكتابة على البردي والورق والفخار والحجر الجيري وحجر الصوان. ولكن للكتابة على لوح الشمع فقد استخدم “الأستيلوس” وهو قلم مصنوع من مادة شديدة الصلابة.
في أوستراكا “قطع الفخار المكسور” يعود تاريخها إلى القرن الثامن الميلادي مساحتها 10 – 16 سنتيمترًا، وردت الأسماء الآتية: شنوتي، بتروس، كوزما، هارون، نيوسجوروس (ديسفوروس)، فييي، نازه، قلته، بيشا، سويروس، جيراجوس (جوارجيوس أي جورج)، ستيفانوس، باولا (بولا)، ميناس (مينا)، هيلياتس.
ويؤكد الباحث أن الثقافة الشعبية القبطية هي ثقافة شعبية مصرية، وهي لا تعني ثقافة دينية أو ثقافة مسيحية، بل هي ثقافة شعبية لكل المصريين، جزء مهم من تاريخهم وحياتهم اليومية، فكلٌّ منَّا يحمل في تكوين ثقافته حضارات متراكمة من عصور سالفة وحاضرة، من العصر الفرعوني والقبطي والإسلامي، أثرت في تفكيرنا ووعينا.
ويقول “ترتبط الثقافة الشعبية القبطية في أحيانٍ كثيرة منها بالديانة المسيحية في مصر، وهي ناحية مميزة لها منذ دخول المسيحية مصر، حتى الآن، وفي نفس الوقت لا تنفصل أبدًا عن الثقافة الشعبية المصرية كجزء منها. وما يؤيد ذلك، التقويم القبطي للشهور القبطية الذي مازال فلاحونا يستخدمونه في مواعيد الزراعة والحصاد والدورة الزراعية وأوقات البرد والحرّ والرياح، مثل “توت – بابه – هاتور – كيهك – طوبة – أمشير”. وكذلك الأمثلة الشعبية المرتبطة بهذه الشهور: “بابه، ادخل واقفل البوابة”، “كياك، صباحك مساك”، “طوبة تخلي الصبية كركوبة”، “برمهات، اطلع الغيط وهات”، “أمشير أبو الزعابير الكتير”. بالإضافة إلى الألفاظ القبطية التي تجرى على ألسنتنا دون أن ندري أنها قبطية مثل: وهناك أكثر من 5000 كلمة في العامية المصرية الحديثة أصلها فرعوني أو قبطي، مثل: إمبو “يشرب”، مم “أكل”، تاتا “يمشي”، واوا “وجع”، نونو وننوس “ولد صغير”، أيقونة “صورة”، بامية “نوع من الخضر”، بتاو “خبز”، بح “خلاص”، بخ “عفريت أو شيء مخيف”، بشبش “مبلول بالماء”، بكَّاش “كثير الكلام”، بصارة “أكلة”، عيِّل من “أيل” بمعنى ولد صغير، ياما بمعنى: ما أكثر، عصلج “أي لم يتحرك”، مركب من حرف النفي “عص” بمعنى بغير، و”لج” بمعنى حركة، آه، آخ للتوجُّع، شوبش يقال للعروس، أي: سعة العيش للعروسين، مونولوج “بمعنى كلام واحد”، ديالوج “محاورة بين اثنين”، يرمح “يجري”، فول مدمس”: “أي الفول المدفون”، يس “تقال للحصان كي يقف”، إف “للاشمئزاز والتأفف” إش “أي شيء جميل”، كيك “أي كعك”، لافيني “أي أعطني”، نيلة “بمعنى: طين أو وحل”، وهناك أسماء كثيرة مثل: بلح، برسيم، شونة، إردب، نبوت، شبورة، سوسن “زهرة”، أبنوس… إلخ.
أما عن الأدب والثقافة فيشير الباحث إلى تأثر الأدب القبطي بتأثيرات يونانية، وخاصة في الإسكندرية، التي انتشرت فيها الثقافة الهيلينية، حتى اضطر كثير من الآباء إلى الكتابة باللغة اليونانية المنتشرة في العالم وقتذاك، وترجمت كتاباتهم إلى القبطية.
ومن أمثلة الأدب القبطي الصميم كتابات الأنبا أنطونيوس، والأنبا باخوميوس، اللذين لم يعرفا غير القبطية، وخطب ومواعظ الأنبا شنودة الذي لم يشأ أن يكتب بغير القبطية. وقد كان الأنبا شنودة زعيمًا شعبيًّا، يكلم الأقباط المضطهدين على يد حكامهم بلغتهم القبطية لا باللغة اليونانية لغة الحكام.
ويضيف “هذا الأدب القبطي الصميم كان له مركزان، هما وادي النطرون للهجة البحيرية، والدير الأبيض والأديرة الباخومية بالصعيد للهجة الصعيدية. وهكذا نرى أن أديرة الرهبان كانت معاقل للأدب القبطي الصميم بلهجتيه الأساسيتين.
وفي بعض المخطوطات القبطية سميت اللغة القبطية لغة أهل الجبال. ولعل المقصود بذلك الصعيد؛ لارتفاعه، وأديرة الرهبان لوجودها في الجبال. وقد تولى الأنبا شنودة رئاسة الدير الأبيض سنة ثلاثمائة وثلاثة وثمانين ميلادية، وقد أضحى ذلك الدير مركزًا للأدب الصعيدي، وفيه أصبحت اللهجة الصعيدية هي اللغة الأدبية للكنيسة القبطية في عصرها الذهبي.
وأمام هذه النهضة الأدبية التي تزعمها الأنبا شنودة أخذت اليونانية تتقهقر وتتراجع بمقدار النمو المطرد الذي انتشرت به المسيحية بين الريفيين، وبعدول الناس إلى استخدام اللغة القبطية كلغة أدبية، وبازدياد عدد الأقباط وشعورهم بكيانهم وقوميتهم. ومع دخول العرب مصر، كانت اللهجة الصعيدية هي لغة الأدب القبطي عامة.
وكل نهوض بعد ذلك للهجة البحيرية كان على أساس ترجمة الآداب الصعيدية، التي أصبحت ظاهرة في القرون الستة الأولى للمسيحية. وتعتبر ترجمة الكتاب المقدس أهم إنتاج أدبي لأقباط مصر، وقد أخذت هذه الترجمة عن اليونانية منذ القرن الثاني الميلادي، وتعتبر من أدق الترجمات؛ لأن الأشخاص الذين قاموا بها كانوا مُلِمِّين إلمامًا تامًّا باللغتين القبطية واليونانية.
ميدل ايست أونلاين

شاهد أيضاً

أفانين الهرب من الرواية أو ما تبقى من أيام بلا صباحات

* نبيل سليمان (1) تتوقف السيارة عند الحاجز، وتحيي العسكري. لستُ من أوقفها، ولا من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *