الرئيسية / مقالات / الجريمة.. مشهد «يوتيوب»

الجريمة.. مشهد «يوتيوب»


نور المحمود

تأمل المشهد جيداً، أنت المتصفح «الفيس بوك» و«تويتر» وأخواتهما. انظر بعينيك وعقلك وقلبك لكل تلك الأخبار والمشاهد التي تتوالى في كل لحظة. هل يمكنك أن تختصرها بواحد يلخّص الزمن الذي نعيش فيه؟ هل يمكنك أن تستمع إلى أحاسيسك فتدوّن ما يختلج فيها بعد انقضاء يوم من «المشاهدة الإلكترونية»؟ 

أهل، وأصدقاء، وغرباء. كلهم يدوّنون، يتحدثون عن أنفسهم. لا تحتاج لأن تسأل «كيف الحال»؟ فالحال مكتوبة في عبارة، في إشارة أو رمز، في صورة وفيديو. حوائط إلكترونية يعلق عليها كل إنسان صورته، وحزنه، وفرحه، وكثيراً من أخلاقه.
تأمل تلك العبارات التي باتت تتكرر لتشير إلى هبوط حاد في معدل «الإنسانية»، والمرض يصيب كثيراً من الدول، ولاسيما العربية: إشكال ذهب ضحيته شاب في عمر الورود، حادث سير ذهبت ضحيته سيدة شابة وأم لأطفال، خلاف على أفضلية مرور أدى إلى جريمة مروعة، حريق يسقط فيه 25 قتيلاً وأكثر منهم مصابون، وفرق الإنقاذ «تأتي لاحقاً»، عنف يؤدي إلى مقتل أحد أفراد العائلة. 
كلنا شهود على هذه الجرائم الإنسانية، وكلنا شركاء في صناعة مجتمعات لا مبالية، تهتز لخبر على الشاشة ولا يحركها موت ضمير الإنسان. تتأثر فتندد وتتناقل الأخبار، وماذا بعد؟ لا شيء. كلنا شهود خرس، وأكثرنا بشاعة هؤلاء الذين يمرون من أمام الموتى بلا حراك. شهود على الحوادث لحظة وقوعها، ورغم ذلك يكملون طريقهم كأن الأمر لا يعنيهم. 
أغلبية تلك الجرائم اليومية لا تحدث وسط غابات مهجورة ولا في عتمة الليل، حيث الظلام يخفي الحقائق ووجوه المجرمين عن العيون، فكيف تختفي كل الأدلة وأين يتبخر الشهود؟ وكيف لا يتحرك أحد عله ينقذ إنساناً من قتل القضاء ليكتفي «بالقدر»؟
في أي زمن نحن؟ في زمن الصمت القاتل. كيف نصمت ولماذا، بينما كل وسائل التعبير عن الآراء وقول الحقائق متاحة ومفتوحة؟ كيف يسكت الشاهد وأمامه متسع من الفرص لكشف وجه المجرم وحماية الأبرياء؟ الحوائط الإلكترونية ليست لنشر الغسيل، ولا للتباهي بالإكسسوارات واستعراض أشهى الأطباق والأكلات. بإمكانها أن تكون ساحات للتحرر من فلتان الشارع، فرصة لصحوة ضمير وعودة روح التعاون والتضامن بين الناس، فرصة لحماية القوانين.
أيّ إنسانية هذه التي ما زلنا نتشدق بها، بينما العار يلاحق كثيرين منا؟ عار أن يُقتل شاب وسط شارع ما وفي عز النهار، والمارّة من حوله بالعشرات من دون أن يتحرك لهم ساكن. أو بالأحرى، تحركت لديهم «شهوة» التقاط الصور، وتصوير فيديو لتأريخ المشهد. اعذروا الشهود لأنهم لم يبادروا لإنقاذ أحد أو الدفاع عن أحد، وليسوا مستعدين للشهادة في حق أحد، فهم منهمكون في التقاط الصور ومشاهد الفيديو وربما «السيلفي» أيضاً. مسرعون ومشغولون كانوا من أجل اللحاق بلحظة سبق «يوتيوبية»، ضاربين بلحظة السباق بين الحياة والموت ولحظة «الإنسانية» عرض الحائط. 
في أيّ زمن نحن؟ زمن أصبحت فيه الجريمة مشهد «يوتيوب». 

الخليج

شاهد أيضاً

في مديح السرقة الأدبية

سعيد الخطيبي هل ستتحول السرقة الأدبية إلى «نوع أدبي» مُستقل؟ لقد سلكت لي إسرائيل (1939ـ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *