الرئيسية / إضاءات / حوار مع بول أوستر – القسم الثاني

حوار مع بول أوستر – القسم الثاني


*ترجمة وتقديم: لطفية الدليمي

× يبدو ان لك ولعا طاغيا مع كتّاب القرن التاسع عشر الأميركيين الذين تتواتر أسماؤهم بتكرار يبعث على الدهشة في رواياتك : بو ، ملفيل ، ويتمان ، امرسون ، ثورو ، هوثورن و بخاصة منهم هوثورن الذي يتردد اكثر من غيره . هل يمكن ان تخبرنا عن السبب الكامن وراء ولعك العظيم بـ ( هوثورن ) ؟

• أرى ( هوثورن ) من بين كل الكتاب القدامى هو الكاتب الأكثر قربا لي وأشعر به وكانه يخاطبني بعمق ، وثمة شيء ما في الخيال الذي يكتب به يتناغم مع خيالي الشخصي وانا دائم الرجوع اليه والتعلم منه . انه كاتب لا يخشى الأفكار وبالإضافة لكل هذا هو سايكولوجي عظيم المراس وعارف عميق بخفايا الروح الإنسانية ولا تزال رواياته هي الأكثر ثورية ولا أرى ان ثمة روايات تدانيها في أميركا . أقول هذا و انا اعلم ان همنغواي قال مرة ان كل الادب الأميركي قد خرج من معطف ” Huck Finn ” ( شخصية خيالية مختصرة عن Huckleberry Finn ابتدعها مارك توين وظهرت أولا في كتابه مغامرات توم سوير الذي صدر عام 1845 ، المترجمة ) ، وانا اعتقد ان الأدب الأميركي الحديث بدا مع ” الرسالة القرمزية The Scarlet Letter ” التي كتبها هوثورن . لم يكن هوثورن تلك الشخصية الكئيبة المعذبة كما يظن معظم الناس بل كان أبا محبا وزوجا محبا أيضا ورجلا احب السيجار الجيد مع قدح أو قدحين من الويسكي و كان مرحا كريما ذا قلب دافئ يأنس بالمتع الصغيرة التي تزخر بها الحياة .
× عملت على عدة أنواع أدبية كما نعلم : ليس الشعر والرواية فحسب بل السيناريوهات والسيرة الذاتية والنقد الادبي والترجمة . هل تبدو هذه الاشتغالات فعاليات مختلفة لك ام انها مرتبطة مع بعضها بشكل ما ؟
• أرى الاشتغالات التي ذكرت مرتبطة مع بعضها اكثر مما نتصور ولكن ثمة اختلافات بينة بينها أيضا وكل الامر متعلق بالزمن او لنقل : تطوري الداخلي وارتقاء امكانياتي الأدبية . لم أنشغل باية ترجمة او نقد ادبي لسنوات عدة مع انني كنت مسكونا بها عندما كنت يافعا لان الفعاليتين كانتا تتناولان استكشاف الكتّاب الاخرين وكيف أكون انا نفسي كاتبا . القصيدة الأخيرة لي كتبتها عام 1979 ، فالامر اذن متعلق بمهنتك الأدبية و كيف تعمل في كل طور من اطوار ارتقائك المهني .
× كتابك النثري الأول المنشور هو ( اختراع العزلة ) الذي كتبته بين عامي 79 و 81 ، ويمكن وصفه بانه كتاب غير قصصي nonfiction و بعده انتجت ثلاث روايات تحت عنوان ثلاثية نيويورك . هل تستطيع أن تحدد لنا الفرق بين العملين ؟
• الجهد هو ذاته في العملين ، لكن العمل التخييلي في الرواية يمنح المرء حرية وقدرة مناورة اكبر بكثير مما يمنحه العمل القصصي ، و لكن من ناحية أخرى يمكن للحرية المتاحة ان تكون مرعبة فأنت تسال نفسك دوما : وماذا بعد هذا ؟ كيف أعلم ان الجملة الأخرى التي اكتبها لن تقودني الى حافة نتوء صخري يفضي بي الى الهاوية ؟ . عندما تعمل عملا في أطار السيرة الذاتية انت تعلم الحكاية مقدما والتزامك الأساسي الوحيد هو في ان تقول الحقيقة . أذكر العبارة المقتبسة في الجزء الأول من كتابي ” اختراع العزلة ” والتي أخذتها عن هيراقليطس و سأعيدها هنا :” في بحثك عن الحقيقة كن متاهبا دوما لما هو غير متوقع لان الحقيقة منهكة في البحث عنها وباعثة على الحيرة عند ايجادها ” . سأقول أخيرا : الكتابة هي الكتابة في أي حقل كانت ، ومع ان ” اختراع العزلة ” ليست عملا روائيا لكنها تستكشف كثيرا من الموضوعات التي طرقتها في اعمالي الروائية وأجدها بشكل ما أساسا لكل اعمالي اللاحقة .
× وماذا عن السيناريوهات التي اعددتها ؟ كيف يختلف اعداد السيناريوهات عن كتابة الرواية ؟
• يختلف اعداد السيناريو عن كتابة الرواية في كل شيء و بخاصة في امر حاسم : الروايات هي سرد خالص أما السيناريوهات – ومثلها المسرح وكل أشكال الكتابة الدرامية – فان ما يهم فيها في المقام الأول هو تلك الكلمات التي ترد في سياق حوار ما ، وكما تعلم فان رواياتي قلما احتوت على حوارات لذا كان علي ان اتعلم نوعا جديدا من طريقة الكتابة عند التعامل مع السيناريوهات : أقصد ان اعلم نفسي كيف افكر بالصور وكيف أضع الكلمات على فم كائنات إنسانية نابضة بالحياة .
× ثمة عبارة أحبها كثيرا ترد في كتابك ” اختراع العزلة ” وترى في الحكاية anecdote شكلا من المعرفة وهو ذات ما اراه فكرة في غاية الأهمية تقوم على أساس ان المعرفة يمكن ان تاتي في صيغة قصص محكية . هذه الفكرة صعقتني وأرى فيها الفكرة التي الهمتك انت أيضا في كتابة ” المفكرة الحمراء The Red Notebook ” . كيف ترى هذا ؟
• اتفق معك تماما وأرى مجموعة القصص في ” المفكرة الحمراء ” كنوع من الفن الشعري ars poetica لكن بلا نظرية مرجعية حاكمة وبلا اية جعبة من عدة فلسفية . مررت في حياتي بالكثير من الاحداث وكانت اغلبها غير متوقعة ولم اعد اعلم اليوم ما الذي نعنيه بمفردة ” الحقيقة ” و كل ما يمكنني فعله اليوم هو ان أتكلم عن اليات الحقيقة : ان اجمع الشواهد عما يجري في العالم و أحاول تسجيلها بأكبر ما يمكن من الصدقية والإخلاص وقد استخدمت هذه المقاربة عندما عملت على كتابة كل رواياتي : ان أقول الأشياء كما تحصل فعلا لا كما أفترض أو أحب ان تحصل . الروايات هي حكايات بالطبع لذا فهي تحكي عن أكاذيب حتما ( بالمعني المحدد والصادم لكلمة أكاذيب ) ، و لكن كل روائي يحاول بالاستعانة بهذه الأكاذيب ان يكشف جوانب من الحقيقة المخبوءة والكامنة في قلب هذا العالم .
× القصة الأقوى بين قصص ” المفكرة الحمراء كانت ” قصة البرق The Lightning Story ” : عندما كنت انت في الرابعة عشرة و ذهبت برفقة أصدقائك الصبية للتنزه في الغابات و عندها داهمتكم العاصفة و ضربكم البرق الذي تسبب في مقتل الصبي الذي كان يسير خلفك على مبعدة خطوات . كيف رأيت العالم ، والكتابة تحديدا ، بعد تلك الحادثة التي لطالما قلت عنها بانها كانت نقطة تحول مفصلية أساسية في حياتك ؟
• غيرت تلك الحادثة حياتي وقلبتها تماما وليس من ادنى شك في هذا : ففي لحظة كان الصبي الذي ذكرته في سؤالك طافحا بالحياة وبعد لحظة فحسب استحال كتلة ميتة !! وانا كنت على مبعدة بوصات عنه و ليس اكثر . تلك كانت تجربتي الأولى مع الموت العشوائي وعدم الثبات المحير للاشياء عندما تظن انك واقف على ارض صلبة وفي لحظة تفتح ذات تلك الأرض فاهها وتبتلعك !!
× عندما تنطلق في كتابة رواية ، هل تكون في حالة وعي كامل لما تفعل ؟ وهل تكتب بالاستناد الى خطة ما ؟ هل تضع حبكة ما مقدما ؟
• كل كتاب من الكتب التي كتبتها بدأ بما اسميه ” نقرة في الرأس ” : نوع محدد من موسيقى أو إيقاع او نغمة ، ومعظم الجهد الذي أبذله في كتابة الرواية يكمن في محاولة الحفاظ على التاثير الأولي المنعش لتلك النقرة أو ذلك الإيقاع وذاك عمل يقوم على الكشف الداخلي و الحدس في معظمه وليس بإمكان أي كان التحقق من صدقية ما يفعل بطريقة عقلانية تماما ولكن بامكانه ان يحدس عندما يقع في خطأ ما مثلما يعرف تماما مواضع الجودة في عمله . 
× “ليلة الوحي” هي روايتك الحادية عشرة . هل صارت كتابة الرواية أيسر عليك مع مرور السنوات وتراكم خبرتك؟
• أبدا . لا اظن ذلك فكل كتاب اعمل عليه أراه تجربة جديدة بالكامل علي واعلم نفسي كيف يمكن لي ان اكتبه ، وان مسائل من نوع “انني كتبت العديد من الكتب من قبل” ليس لها من موضع عندي ولا تؤثر في حجم الجهد المبذول في كتابة أي كتاب جديد . أشعر على الدوام كمبتدئ عند المباشرة في كتاب ما وأمّر بذات الصعوبات والمعيقات و أوقات اليأس والقنوط التي مررت بها من قبل .
______
*المدى

شاهد أيضاً

عبدُه خال: أتركوني أكتب كما أشاء، ولا تقرأوا لي!

 دعا الروائي السعودي عبده خال إلى ثورة ضد كل الموروث الذي أوقف الأمة عن الحركة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *