الرئيسية / مقالات / ضجيجنا المدمّر وصمت التأمل

ضجيجنا المدمّر وصمت التأمل


*لطفية الدليمي

لا يثير الشرقيون الكثير من أسئلة الوجود في “صمتهم المرعد” حسب الوصف البوذي، فلديهم بعض إجابات تغنيهم عن التشرّد في صحارى الشك غالبا، لذا نجدهم يطردون الشك عن قلوبهم المطمئنة إلى ما وجدته في روحانيات الإسلام ومجاهدات المتصوفة، وفي التأمل البوذي وآليات احترام الصمت لديهم، وفي الصمت المسيحي المختلف عن الصمت البوذي، الصمت الذي يقدّره جوهر الموروث السمح، لا التأويلات المفرطة في عنفها والتواءاتها.

التأمل له أهميته لصلاح الوضع البشري، وتدرك تقاليد الصمت المتأمل أنَّ التقدّم في الطرق الّتي تقترحها يستحيل سلوكها، إذا كان الضجيج يتحكم في العالم والأشخاص من جميع الاتجاهات، فإذا بذل المرء ما يكفي من الجهد لامتلاك نعمة الصمت نجح في إحداث حالة من التوازن بين دواخله والكون من حوله.
والصمت ليس السكوت فالسكوت مختلف تماما عن الصمت، الصمت مجاهدة روحية، والسكوت موقف عقلي يحدث اختيارا أو اضطرارا في ظروف الإنسان المعقدة.
الصمت هو الوهج المختفي خلف الحدث اليومي العادي، وهو موقف يتوق إلى التحليق في هيولى التجاهل أو الوقوف في ما وراء فعالية الكلام وما وراء المعرفة، لكي ينجو من أسر اللغة والكلمات وحمق التعجل.
الجهد الذي نقوم به لدخول الصمت لا يعني النجاة من الضجيج الّذي يحاصرنا، فحين نكون في مجال الصمت، قد ندرك الضجيج المروّع الذي يصطخب في أعماقنا وهو المعيق الأكبر لحركتنا في الزمن، ذلك الهرج الذي يؤخر تقدّمنا واكتشافنا لأبعادنا الروحية، بعضنا ممن يحتمون بالضجيج الخارجيّ يفعلون ذلك لكي يخففوا من وطأة ضجيجهم الداخلي، الذي يحاصر أرواحهم وتتعذر السيطرة عليه، وتعمل آليات التأمل وآليات اعتناق الصمت العميق وتمرينات السماع الراقي على إسكات هذا الضجيج الداخلي الذي يعيق اكتشاف الإنسان لنفسه وأعماقه، ويتضافر الصمت مع قابلية المرء على استيعاب حالة السماع.
يحصر بعض مجتهدي الدين حالة السماع في الموسيقى الصوفية ويحددون فاعل السماع بمن تهذب تهذيبا نزع به الشهوات من قلبه، إلا أننا نجد في توصيفهم للسماع أفقا يتسع لغير هذا فيقول الغزالي “إن القلوب طويت فيها جواهرها كما طويت النار في الحديد والحجر، ولا سبيل إلى استثارة خفاياها إلا بقوادح السماع، ولا منفذ للقلوب إلا من دهليز السماع، والسماع يثمر حالة في القلب تسمّى الوجد”.
ثمة اعتراض فني على تحديد الغزالي للسماع بالموسيقى الدينية، فقد يبلغ المرء درجة الوجد بالسماع وهو ينصت لموسيقى دنيوية رفيعة محملة بروحانيات دفاقة وشهوانية مفعمة بالفتنة كمثل موسيقى موزارت، أو كموسيقى متأتية من عزف منفرد على العود أو القانون، يهب فيها العازف بعضا من روحه في النغم المتفتح على أصابعه، وتحدث حالة الوجد عندما يعيد العازف خلق معنى جديد للصمت بين النغمات، فيوقظ الروح ويقودها إلى تجاوز ضجيجها الداخلي وتخطي العجز الذي يستدعيه ذلك الضجيج المدمّر. يتمّ بلوغ الوجد في السماع عندما يخرج الوعي عن الخط المستقيم الساكن للزمن ويدخل في مدى لا ينتمي إلى المكان والزمان المألوفين، يغادر معه السامع زمنه القياسي ويفلت من قبضة المكان ليلامس حافات المطلق، يصير هباءة كونية منفلتة من قوانين الجاذبية والزمان والمكان، فيعمل الصمت الداخلي على استيعاب الموسيقى عندما يكف الوعي عن إدراك المكان وحركة الزمان، وتحدث حالة الوجد حين يلجُ السامع منطقة لا مرئية ويدور في مدارات شبيهة بالأفلاك والمجرات الكونية بفعل سطوة أمواج الموسيقى.
______
*العرب

شاهد أيضاً

في مديح السرقة الأدبية

سعيد الخطيبي هل ستتحول السرقة الأدبية إلى «نوع أدبي» مُستقل؟ لقد سلكت لي إسرائيل (1939ـ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *