الرئيسية / مقالات / حبل زينة ملقى على سور

حبل زينة ملقى على سور


*بسمة النسور

هتفت ليلى، الطفلة الجميلة التي بلغت الرابعة حديثاً: ماما شغّلي رمضان! لم أفهم ما الذي رمت إليه، بالضبط، تلك الصغيرة الغلباوية التي تتميز بذكاء حاد، حاولت تحليل العبارة المبهمة التي تفوهت بها بعادية تامة، ومن دون أدنى تلعثم، غير أني لم أستغرب كثيراً، ذلك أن الأطفال غالبا ما يحلق خيالهم النضر العفي نحو تصوراتٍ، نظل، نحن الكبار، قاصرين عن بلوغها. وحين تقدمت الأم الشابة ضاحكة مزهوة بصغيرتها إلى سور الحديقة، وضغطت على زر الإنارة، لتتوهج في لحظة زينة رمضان المثبتة على سلك كهربائي يحيط بالسور، وتتدلى منه نجوم صغيرة وهلال كبير وفوانيس متلألئة تنير فضاء الحديقة والشارع المجاور بالألوان المتراقصة. 

احتضنت الأم ابنتها، معتذرة لها عن سهوها عن تشغيل رمضان مثل كل ليلة، آملة أن لا يثير ذلك غضب عمو ملاك الصوم. ضحك المدعوون، مبدين إعجابهم بنباهة ليلى ودقة ملاحظتها، وهي التي عبرت ببراءة وعفوية عن تعريفها الخاص لشهر رمضان الذي لم يتعد في منطقها البسيط حبل زينة ملقى على سور. أخذتني والحضور تلك اللقطة الطفولية المدهشة إلى مقارنةٍ، لا بد منها بين رمضان زمان أيام الطفولة السحيقة الذاهبة بعيداً وبين رمضان المعاصر. وكما يحدث في العادة، انخرط كبار السن في سرد ذكريات مشوبة بالحنين إلى الزمن الجميل، حيث المسحر يشبه شخصيات الحكايات والأساطير التي تحكيها الجدات في ليالٍ معتمة باردة، فتبث الدفء في الأوصال، ينبثق من العتمة، متدثرا بالسحر والغموض والمهابة، قارعا طبله، مردداً نداءه إلى (الصايم كي يوحد الدايم)، محرضاً خيال الصغار، للتنبه نحو عوالم مجهولة، ومدفع الإفطار يخترق الصمت كل غروب، فيقفزون فرحاً بالصخب الجميل، وتشهد الحارات العتيقة مساءً حركة صحون طائرة، تنتقل بين بيوت الجارات السمينات السعيدات، يتبادلن، في فرح وتنافس خفي، الأطباق التي انهمكن في إعدادها قبيل الإفطار، (تلتم) العائلة كل مساء، الجد، والجدة، والأبناء، والبنات، و(الكناين)، والأصهار، في تجسيدٍ لمعنى الهناء والسكينة والتماسك الأسري غير الموسمي الذي لا يقتحمه “فيسبوك” أو “واتس أب” أو مسلسلات مسروقة أفكارها من أعمال عالمية رديئة وفوازير وجوائز قيمة، تقدمها على الهواء مباشرة مذيعة سعيدة، مفرطة الحماسة لأسباب غير مفهومة، تؤكد على مشاهديها الأعزاء، بين حين وآخر، أن رمضان معنا أحلى، أو برامج كاميرا خفية، لا تخلو من إسفاف وابتذال ورخص (وقلة قيمة) لنجوم عرب باعوا كرامتهم طواعية، لم يجبرهم أحد على ذلك، وقبضوا ثمنها أمام الجماهير التي تسلي صيامها على متن طائرة، يقودها ممثل متواضع الموهبة ثقيل الظل، تحلق بمشاهدين على ارتفاع منخفض أكثر مما ينبغي.
أيام زمان كانت أيام الشهر الفضيل تمضي وادعة لطيفة خالية من أسباب التنازع والخصام، والبال مرتاح من دون تذمر من ارتفاع أسعار، أو شكوى من اكتظاظ مروري، وتوتر وعصبية في الشوارع.
ليس ثمة شك في أن رمضان زمان كان أجمل وأبسط بكل المقاييس (على الأقل من وجهة نظر جيل معين). ومع التسليم أن رمضان الراهن جرى تسليعه، ليصبح موسماً مربحاً لقطاع التجار من بائعين وأصحاب مطاعم ومقاه، وليغدو أزمة اقتصادية وضائقة مادية (وخراب ديار) لذوي الدخل المحدود. لكن، وعلى الرغم من ذلك كله، لا يخلو المشهد من فسحة جمال وسحر وحميمية، حتى وإن اختلفت أدواتها.

 ومع الإقرار بشبهة التقليد لسلوك الغرب في احتفالات (الكريسماس) التي تكتنف عادة تعليق الزينة الرمضانية، غير أنه لا مناص من الاعتراف أنها تبعث البهجة في نفوس الصغار، وتربط الشهر بصورة احتفالية مدهشة في أذهانهم. وبالتالي، هي متعة صغيرة وحق لهم بالفرح غير المسبب، لا يجوز لنا مصادرته، بذريعة التمسك بالأصالة والحنين إلى ماضٍ لن يعود. 
_____
*العربي الجديد

شاهد أيضاً

نم في سلام أيها العابر

*إبراهيم عبد المجيد قلت كثيرا أني حين انتهي من كتابة رواية أشعر بأني في فراغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *