
” .. لم يمض اليوم الأول حتى جاءه »التمرجي« يناوله عشرة جنيهات قائلاً: إنها الإيراد اليومي، فلما سأله عن مصدرها قال: »خير ربنا كثير”.. ومضى الشهر الأول فكان إيراده ثلاثمائة جنيه خلاف مرتبه..”
كنا نقطن ذلك المنزل الذي تديره سيدة يونانية في ذلك البندر الكبير من بنادر الأقاليم.. نزل نظيف يحوي عدة حجرات متسعة حسنة الفرش، أغنانا عن استئجار البيت المستقل.. كان خير مأوى للعذاب من الموظفين المقيمين أو المارين في مهام رسمية قصيرة الأجل.. كنت تجد فيه القاضي القادم لجلسة عابرة، أو المفتش في الداخلية أو المالية أو التعليم الآتي في مأمورية عاجلة.
أما المقيمون فكانوا ثلاثة.. أنا وكيل نيابة البندر.. ورجل أيرلندي هو مدرس اللغة الإنجليزية بالمدرسة الثانوية.. ثم طبيب شرعي المديرية.
كان من الطبيعي أن تقوم صلة بيني وبين الطبيب الشرعي بحكم العمل.. فإن أكثر الإصابات الناتجة عن الجرائم التي أتولى تحقيقها كان عليه هو أن يفحصها.. واقتضى الأمر مني أن أذهب إلى محل عمله.. فكنت أعجب لمنظر المكان.. أكوام من اللبد والطواقي المثقوبة بالعيارات النارية، وأنواع مختلفة الأحجام من النبابيت والفئوس والبنادق الطويلة والمقروطة، وألوان من الجلاليب والصداري والعباءات ملطخة بالدماء.. كان الطب الشرعي وقتئذ قد أدخل حديثاً في بعض المديريات الكبرى، ولم تزل المديريات الأخرى تلجأ في فحص جرائمها إلى مفتش الصحة، كما كنا نلجأ من قبل.. ولطالما لجأت إلى مفتش الصحة، وهو غير متخصص في هذا العمل الدقيق.. فلما شاهدت عمل الطبيب الشرعي المنقطع لفحص الجرائم أخذتني الدهشة.. لقد كان يكفيه أن ينظر في لبدة مثقوبة ليقول لي كل شيء عن الجريمة والمجني عليه والقاتل، كأن غجرية تنظر الطالع في كف أو فنجان! فإذا هو يتدفق قائلاً لي: إن القتيل ضرب على مسافة كذا، ومات في الساعة كذا، وكان عندئذ في وضع كذا، جالساً أو نائماً أو راكباً حماراً أو فرساً أو جملاً.. وكان عمله كيت، وحالته المعيشية كيت، وعاداته كيت.
هذه الاستنتاجات التي ما كانت تخطئ في أغلب الأحيان جعلتني أهتم بهذا النوع العجيب من العمل.. وجمع بيننا الجوار في نفس النزل، والتلاقي على مائدة الطعام، فلم يمض قليل وقت حتى نمت الصلة وأصبحت صداقة بيني وبين هذا الطبيب الشرعي تبيح لي الخوض معه في الشئون الخاصة والعامة.. قلت له ذات يوم:
- إن عملك هذا لذيذ، ولاشك أنك تمارسه بشغف.
فقال:
- أكثر من ذلك.. لقد ضحيت في سبيله بالثروة التي كانت في انتظاري.. لقد كنت في أول عهدي مفتش صحة.. وأنت تعرف بالطبع الثروة التي يجمعها مفتش الصحة.
ثم جعل يقص عليّ ما حدث له في بداية عمله بالوظيفة الأولى.. لقد عين في أقاصي الصعيد.. في منطقة رأى فيها الفلاحين يخرجون من شبه جحور ليست آدمية، وأطفالهم تحبو على بطونها كالزواحف، والأمراض ترعى في أجسادهم النحيلة التي لا لون لها ولا دم فيها.. لا تظهر لهم ملامح من الذباب الذي يغطي وجوههم وأجسادهم، لقد شك في أن هذا المكان قطعة من بلادنا.. ومع ذلك لم يمض اليوم الأول حتى جاءه (التمرجي) يناوله عشرة جنيهات قائلاً: إنها الإيراد اليومي، فلما سأله عن مصدرها قال: “خير ربنا كتير”.. ومضى الشهر الأول فكان إيراده ثلاثمائة جنيه خلاف مرتبه.. وفهم كيف يجري العمل المعتاد.. فالعيادة المجانية لا يراها هو بل يتلقاها (التمرجي) ويفهم مرضاها الأوضاع: من أراد العلاج المخصوص فليعد نقوده ويقف على جنب.. أما من ليس لديه نقود ويريد العلاج المجاني، فها هو ذا العلاج المجاني: يفحصه التمرجي فحصاً صورياً ثم يسلمه زجاجة بها ماء مرشح من الزير، ويوصيه أن يشرب منها جرعة قبل الأكل ويصرفه ويحيل علي مفتش الصحة المرضى طلاب المخصوص ممن دفعوا.. وظن المفتش أول الأمر أنهم بالمجان، ولكن التمرجي قال له: “عيب يا سعادة الدكتور تضيع وقتك هدراً..” كل هذا خلاف الإتاوات.. فالمحال العمومية المطلوب منها اشتراطات صحية، كالمقاهي ومحال البوظة ودكاكين البقالة والجزارة وخلافه يستصدر لها التمرجي من مفتش الصحة الموافقة اللازمة بعد استلام المعلوم، وهو يقول له: ” لا تنتقل ولا تتعب نفسك يا سعادة البك، كل شيء تمام..” بل إن تصاريح دفن الأموات تعطى، مادام المعلوم يدفع دون أن يكشف أحد على جثة المتوفي.. فمن حرق دفن.. ومن دس له السم دفن.. ومن مات من عدوى أو وباء دفن.. والتمرجي يقول لمفتش الصحة وهو يعرض كل حالة ليحصل على الإمضاء: “امضاءك الكريم يا سعادة الدكتور وأنت مطمئن.. الوفاة طبيعية أربعة وعشرين قيراط!” ، فيسأله الدكتور: “أنت متأكد؟”، فيشير التمرجي إلى عنقه بحماسة: “عيب يا دكتور! برقبتي!”، وأراد يوماً أن يثور على هذا الحال، وأن يقوم بنفسه يشرف على كل شيء فأفهمه التمرجي أن تغيير الأوضاع سيؤدي إلى ارتباك العمل، لأن العمل سائر علي هذا النحو منذ عشرات السنين.. مفتش صحة يأتي ومفتش صحة يذهب، والوضع هو الوضع.. لأن هذا شيء متعارف عليه، ومفهوم في المصلحة والحكومة من قديم.. ولسنا نحن المطالبين وحدنا من دون الجميع بإصلاح الكون يا سعادة الدكتور! ولم يدر الطبيب ماذا يصنع، وسكت على مضض.. إن تغيير الوضع لابد له من تغيير الجهاز« وأول ما يلزم في هذه الحال هو علي الأقل تغيير الممرض الذي يعمل معه.. وأين له بالممرض صاحب العقلية التي تفهمه.. إن أي ممرض جديد سيجيء بمثل هذ الفهم وهذا الأسلوب: جمع النقود وتسليمها إلى الطبيب بعد حجز ما يستطيع حجزه لنفسه.. وخالجت مفتش الصحة فكرة عندما استيقظ ضميره: أن يلقي بهذه النقود في وجه التمرجي ويأمره بأن يردها إلى أصحابها.. ولكن سرعان ما وجد الفكرة ساذجة، ذلك أن الذي سيحدث هو أن التمرجي سيضع النقود في جيبه بكل بساطة، ولن يرد مليماً واحداً إلى إنسان، ويستمر بعد ذلك يعمل في الخفاء لحسابه الخاص، بأي طريقة.. لا جدوى إذن..ليس أمامه إلا أن يترك هذا العمل إذا كان لا يروق له.. وقد فكر بالفعل في تركه.. ولكن أين يذهب؟ لابد من انتظار فرصة مواتية.. ولكن ضيقه وقرفه ازدادا على أثر خيبة أمله في مأمور المركز أيضاً: فقد وصل إلى علمه أن وباء تفشى في قرية نائية من قرى المركز، فأراد الانتقال، وإذا بالمأمور يثبط عزمه قائلاً له: لا تصدق.. الحالة بخير!« فأصر علي الانتقال والمرور بنفسه، واضطر المأمور إلى أن يرافقه، وهناك رأى الحالة على أسوأ ما تكون.. ولكن المنطقة كان لها سيد هو أحد كبار الملاك، لم يكن من مصلحته طبعاً أن ينتهي الأمر إلى وضع (كردون) حول القرية، وحجز الفلاحين الذين يعملون في أطيانه.. فأوعز إلى المأمور أن يثني الدكتور عن عزمه.. وجعلوا يتحايلون ويماطلون ويراوغون، تضييعاً للوقت، وأعدوا له وليمة، فرفض الطعام، فجاءوا إليه بالشاي والسجاير من الدكان الوحيد في القرية، وهو أيضاً تحت إدارة المالك الكبير، افتتحه ليبيع لأهل الناحية ولخفراء نقطة البوليس، وكان وكيل الدايرة يتقاضي من الخفراء ما استجروه من الدكان في أول كل شهر.. كان يذهب ومعه قائمة بأسمائهم، يظل ينادي فيها على اسم كل خفير والمستحق عليه، ويقبض من المرتب بعضه أو كله من الصراف مباشرة، كما لو كان مندوب الحكومة!.. رفض الطبيب كل ما قدم إليه، لأنه كان يعلم ما وراء ذلك.. وظل يعمل ويبحث والمأمور في أثره يقول له مردداً: “الحكاية لا تستحق.. والله الحكاية كلها ما تستحق اهتمامك!..” وجاء الطبيب بالعمدة وسأله عن الحالة الصحية فقال: “مفيش أحسن من كده!” فطلب إليه تقديم دفاتر المواليد والوفيات، فأحضرها له، فما كاد يفتحها وينظر في صفحاتها حتي صعق من الدهشة: لقد كانت الدفاتر كلها بيضاء من غير سوء، لم يدون فيها حرف واحد.. فصاح:
- أيه ده يا عمده؟ فين المواليد والوفيات؟!
فقال:
- المواليد في الغيط، والوفيات في القبر.
فصاح فيه:
- مفهوم.. لكن الدفاتر دي سلمت لك لأجل تقيد فيها المولود والمتوفي.
فقال محتجاً:
- أقيد المولود والمتوفي؟! سبحان الله! أنت عاوزني أعد على ربنا؟ سبحانه وتعالى هو المتصرف في عباده! وهنا لم أتمالك نفسي من الضحك وقلت لصاحبي الطبيب الشرعي وقد توقف قليلاً عن السرد.
- مهمتك كانت صعبة حقاً.
فاستطرد يقول: إن الصعب في الأمر حقاً ليس هو جهل الناس بقدر ما هو فقدان الضمير والشعور بالواجب عند من ليسوا بجهلاء، هؤلاء الذين كان يعتقد أن واجبهم هو أن يعاونوه على محاربة الجهل والمرض، كانوا هم الواقفين في وجهه، يضعون العقبات لمآربهم الشخصية.. ولم يستطع أن يكمل شهراً آخر في هذه الوظيفة.. عاد إلى القاهرة وقابل الرؤساء، وأفضى إليهم برغبته في الانتقال إلى عمل آخر.. وأخرج لهم محفظته وبها ثملاثمائة جنيه قائلاً: إنها جملة إيراده في ذلك الشهر خارج مرتبه المشروع.. إنه يرد هذا المبلغ الكبير إلى المسؤولين، لأنه جاء من طريق لا يؤمن بشرعيته.
والتفت نحوي صاحبي الطبيب قائلاً:
- أتدري ماذا كان جواب الرؤساء؟! إنك ستعجب كما عجبت.. لقد اتهموني بالجنون.. وقالوا: إن تعييني مفتش صحة في الريف كان من علامات الرضا، لأعمل على تكوين ثروة مثل غيري من الزملاء السابقين واللاحقين.
فسألته:
- وماذا فعلوا بالجنيهات الثلاثمائة؟
فقال:
- دسوها في جيبي ثانية، وهم يهددوني بقولهم: إن معنى هذه الحركة هو الاتهام الصريح لكل الرؤساء والمسئولين الكبار، لأنهم كلهم قد مروا بهذه المرحلة في تفتيش الصحة بالأقاليم وكونوا ثرواتهم بنفس الطريقة، واقتنوا العقارات والضياع كما هي العادة!
- وأخيراً؟
- أخيراً أنقذني الله، أو أنقذوا هم أنفسهم من لساني بأن عرضوا عليّ السفر في بعثة إلى انجلترا للتخصص في الطب الشرعي.. قبلت طبعاً بسرور، وسافرت بالفعل ودرست هناك عامين وعدت لأعمل طبيباً شرعياً كما ترى..
- ليس لك غير مرتبك.
- فقط ولله الحمد، وعملي هذا اللذيذ الذي أحبه، لأنه كما رأيت أنت هو شيء أشبه بالفن.
- حقاً!
قلتها وأنا شارد البال.. أفكر في شخصية هذا الطبيب الذي رفض حياة جمع المال، مفضلاً الحياة من أجل العمل الذي يحبه.. أهي شخصية مثالية شاذة أم أن هذه هي الشخصية الطبيعية التي يجب أن تكون لكل طبيب.. لكل طبيب حق؟ الشيء المخيف حقاً هو أنه قد اعتبر مجنوناً لأنه بهذه الأخلاق.. إذن هل نيأس من أن نرى يوماً الفقير يعالج بالمجان؟ ربما وضعت النظم التي تكفل مثل هذا العلاج المجاني، ولكن من يضمن لنا أن الأمر لن يسير كما تسير العيادات المجانية التي ذكرها؟
يذهب الفقير إلى الطبيب فيعالجه العلاج الذي يستحقه الفقر والمجان، ويفهم من طرف خفي أن هناك علاجاً آخر مخصوصاً لمن يدفع الأجر؟ فيضطر الفقير إلى الحصول من أي طريق على أجر العلاج الخفي المخصوص؟! وبهذا تمكن النظم للطبيب من أن يربح من الناحيتين: مرتب الانقطاع للعلاج المجاني، ثم أرباح العلاج في السوق السوداء! إنها ليست النظم إذن! إن النظم وحدها ليست هنا بكافية.. إن المطلوب أولاً الأخلاق.. المثل العليا.. أن تكون شخصية هذا الطبيب المثالي هي القاعدة العامة، وليست الشذوذ ولا الجنون!
ولكن.. كيف يحدث هذا في مجتمع أساسه كله قائم على اعتبار جمع المال هو القيمة المثالية.. إن الأطباء اعتادوا أن يتنافسوا، لا في عدد من عالجوهم بالمجان من الفقراء، ولا في الكشف الفني عن علاج جديد، ولا في التفوق العلمي وحده، بل في مستويات الدخل والإيراد.. سمعت فعلاً في بعض المجالس عن طبيب يدخل على زملائه بعد انتهاء عيادته آخر النهار ليعلن إليهم في صيحة الانتصار: “بعد إيراد هذا الشهر أكون قد وصلت إلى العشرين ألفاً!” من الجنيهات طبعاً.. فيرد عليه زميل ” أنت متأخر جداً!.. من في مثل دفعتك له الآن مستشفاه الخاص، يدر عليه مثل هذا المبلغ سنوياً!” هذا علاوة على التفاخر بالمقامات والمكانات تبعاً لرسم العيادة.. كشف الدكتور فلان خمسة جنيهات، وأنا لست أقل منه شأناً.. هذا هو مقياس المستوى الفني.. لا عند طائفة الأطباء وحدهم.. بل عند كل طوائف المجتمع.. مقياس الكفاءة عند المحامي والمهندس والممثل والمقاول، ومقياس الاحترام للشريف وغير الشريف واحد في هذا المجتمع: محفظة نقوده.. ” معك قرش تساوي قرشاً.. معك جنيه تساوي جنيهاً” هذا هو شعار المجتمع كله.
وخرجت من شرودي وتأملي وقلت لصاحبي الطبيب:
- متى يكون كل الناس مثلك؟!
- في أي شيء تقصد؟
- أقصد.. في أن تكون قيمة المواطن فيما يحب ويحسن من عمل، لا فيما يباهي ويجمع من مال؟!
ففكر قليلاً ثم قال في شبه همس:
- لست أدري..
فقلت له:
- حقاً.. ليس الأمر سهلاً! لكي يحدث هذا يجب أن يغير المجتمع كله شعاره ونظرته.. ولكي يغير المجتمع مثله ونظرته وشعاره يجب أن يتغير هو نفسه من أساسه!
كان العمل مع هذا الطبيب متعة.. خرجنا ذات يوم إلى إحدى القرى، على أثر وصول بلاغ من مجهول يفيد بأن جثة أحد الأهالي مدفونة في قاعة الفرن بدار إحدى الريفيات.. وقد استخرجت الجثة فعلاً من تلك القاعة.. واتضح أنها لزوج هذه الريفية.. كان قد اختفى منذ مدة.. وزعمت الزوجة أنه ذهب إلى بلدة نائية تزوج فيها بامرأة أخرى.. سرنا في التحقيق شوطاً.. ولم تجد الزوجة بداً من الاعتراف بأن زوجها قتل في هذه القاعة أمام عينيها.. فوجود الجثة مدفونة في دارها لا يدع مجالاً لإنكارها.. ولكنها أنكرت وأصرت على الإنكار أن لها يداً في القتل، كيف حدث القتل إذن؟! ومن القاتل؟ جماعة لا تعرفهم.. كانوا ملثمين، دخلوا عليها هي وزوجها ليلاً، وطعنوه بسكين ودفنوا جثته في أرض القاعة، وهددها بالحرق إذا هي نطقت بحرف عما حدث.. لماذا فعلوا به ذلك؟ قالت إنها لا تدري.. ولعله ثأر قديم لا تعرف عنه شيئاً.. فزوجها كان يقول لها أحياناً أن له أعداء في بلدة أخرى، ولكنه لم يصرح لها بشيء أكثر من هذا.. ولم يخطر لها هي أن تسأله، لأن الموضوع وقتئذ لم يظهر لها بالأهمية التي تسترعي الالتفات.. وكانت المرأة تتكلم بهدوء ووضوح وصراحة، وكل ما فيها يوحي بأنها جديرة بالثقة والتصديق.. لقد بدت الحادثة منطقية على هذا الوضع.. وكل ثغرة فيها أصبحت مسدودة.. فلم يبق إلا أن نقيدها قضية قتل ضد مجهولين.. إذ لم نر هناك بصيصاً من أمل في معرفتهم، والمرأة لم تر وجوههم الملثمة، ولا تعرف أصواتهم، لأنهم من بلدة أخرى بعيدة لا تعرفها كذلك.. ولكن لماذا كتمت الأمر وانتحلت سبباً لاختفاء زوجها؟ لماذا لم تبلغ البوليس؟ قالت إنها خافت من تهديدهم.. فقد كان منظرهم مرعباً وهم يقتلون زوجها! ثم ما هي الفائدة من إحضار البوليس؟ أهو سيعيد إليها زوجها حياً؟! لا بالطبع.. إذن كل ما ستجنيه من تبليغ البوليس هو تعريض نفسها لانتقام الجناة، ولو بعد حين.. وهاهو ذا زوجها قد ذهب ضحية ثأر أو انتقام.. أفلا يكفي هذا درساً لها.. لقد آثرت السكوت، ورأت فيه السلامة والعافية، وهي المرأة الضعيفة! ألم تحسن صنعاً؟ فهززت رأسي.. ولم أدر بماذا أجيبها! كلامها معقول! إنها وجهة نظر مقبولة علي كل حال.. وطويت أوراقي، وعدت أدراجي.
وانصرف صاحبي الطبيب الشرعي في صمت إلى بحثه، وانقطع له أسبوعاً، غاب فيه عن نظري.. ثم ظهر فجأة أمامي ومعه التقرير، وهو يقول باسماً:
- اسمع يا سيدي نتيجة الفحص!
قلت له بغير اهتمام كبير، كأني متوقع أنه لن يأتي في الأمن بجديد.
- تفضل!
فقال بهدوء متواضع:
- أولاً القتل لم يحدث في القاعة، بل حدث في الغيط.. ثانياً لم يحدث القتل بسكين، بل حدث بالخنق وبواسطة حبل من الليف، ثم وضعت الجثة في زكيبة من زكايب القطن حملت على جمل إلى القاعة حيث دفنت.. ثالثاً المرأة اشتركت قطعاً في القتل مع شخصين آخرين على الأقل..
فصحت من الدهشة:
- أأنت أيضاً تؤلف روايات؟!
فقال ضاحكاً:
- ولمَ لا.. إنني أؤلف فعلاً.. ولكن فقط.. على أساس من عناصر حقيقية ملموسة.
- قل لي بالله كيف عرفت أن القتل حدث في الغيط؟
فأجاب:
- لأني وجدت الكف اليسرى لجثة القتيل قابضة على أعواد دقيقة متكسرة من أعواد القطن.. لقد فوجئ وهو في الغيط وسط زراعة قطنه.. ولو كان في داره ليلاً لما كان هناك سبب لاستمرار قبضه على هذه الأعواد.
- وكيف عرفت أنه خنق بحبل ليف؟
قال:
- معرفة الخنق بسيطة جداً.. وأنت لا تجهل ذلك.. ولعلك تقصد لماذا خنق بحبل ليف بالذات؟ هنا العقدة! والجواب أنني لاحظت حول عنقه بضعة خيوط دقيقة لا تكاد تُرى، وبفحصها تحت الميكروسكوب تبين لي أنها خيوط ليف مما يستعمل في جدل حبال المواشي.
قلت له:
- وكيف عرفت أن الجثة نقلت في زكيبة على جمل؟
قال:
- هذا مجرد استنتاج.. لأني أبصرت جملاً في زريبة الدار، كما أبصرت أكياس قطن مفروشة فوق الفرن.. وبما أن القتل حدث في الغيط، فما من وسيلة لنقل الجثة إلى القاعة لدفنها إلا بوضعها في الزكيبة وحملها على الجمل، والزكيبة والجمل موجودان فعلاً في الدار.
قلت له:
- إلي هنا كل هذا جائز.. لكن ما دليلك على اشتراك الزوجة في القتل؟
فأجاب علي الفور:
- أما هذا فمؤكد.. وإليك الدليل القاطع: وجود شعر لرأس امرأة في قبضة القتيل اليمنى التي وجدتها.. قد تشنجت وماتت على هذه الخصلات.. وبمضاهاتها بشعر الزوجة.. أثبت الفحص أنها لها.. والذي حدث هو أن القتيل قد قاوم بالطبع قاتليه، وأثناء المقاومة أراد أن يقبض على رأس المرأة.. أما أنها كانت مع شخصين آخرين علي الأقل، فهذا واضح من أنه لا يمكن لامرأة بمفردها القيام بكل هذه العملية، واستبعد أن يكون معها شخص واحد آخر فقط، فالقتيل ضخم فارع قوي، وليس من السهل على رجل وامرأة وحدهما التغلب عليه وخنقه بحبل!
قلت وأنا أتعجب:
- شيء عجيب! أعطني التقرير!
وقمت في الحال بفتح باب التحقيق من جديد، وأمرت بالقبض علي الزوجة، وواجهتها بالتهمة وصورت لها الجريمة كما حدثت طبقاً لما جاء في تقرير الطبيب الشرعي، وإذا بالمرأة تُذهل وتنهار، وتأخذ في الاعتراف، وتقص علينا تفاصيل الجريمة كما وقعت بالفعل.. فإذا أنا أُذهل بدوري.. فقد كان كل ما تصوره الطبيب الشرعي وخلته أنا تأليفاً روائياً إنما هو حقيقة واقعة.. فالقتلة كانوا رجلين معها.. هما شقيقاها.. وتم القتل فعلاً بالخنق بحبل الجمل الليف.. بعد غروب الشمس.. في غيط القتيل.. ذهبت المرأة مع شقيقيها إلى الغيط ليساعدوا الزوج على تحميل أكياس قطنه على ظهر الجمل، وكانوا قد تآمروا على انتهاز غفلة منه، وخلو الغيطان المجاورة من أصحابها، وعودة الفلاحين مساء مع مواشيهم إلى دورهم، للانقضاض عليه وخنقه وحمله في زكيبة قطن فارغة لدفنه في الدار.. لقد رفضوا فكرة ذبحه بشرشرة البرسيم، أو فلق رأسه بالفأس، خشية أن يسيل دمه في الغيط ويلوث ثيابهم، ويحتاج إخفاء الجريمة إلى مشاكل ومتاعب ووقت طويل.. فاستقر رأيهم علي هذه الطريقة، وكادت تنجح حقاً في إخفاء كل أثر للجثة والجريمة والقتلة، لو لم يطلع لهم من تحت الأرض صاحبنا الطبيب الشرعي، فيهتك سترهم بفنه العجيب.. ليس من المهم بعد ذلك أن نعرف سبب الجريمة.. إنه سبب فارع تافه من تلك الأسباب التي يضخمها الجهل في الريف فتودي إلى القتل.. إنه غيظ الزوجة من زوجها الذي كان ينوي التزوج عليها من امرأة في بلدة أخرى، وفزعها من أن يذهب بالقيراطين المملوكين له إلى الضرة الجديدة، ويتركها بلا عائل.
وجلسنا بعد العشاء في شرفة المنزل، بعد أن فرغنا من هذه القضية، أنا وصاحبي الطبيب الشرعي، نتجاذب الحديث.
قلت له:
- أتعرف أن عملك فعلاً هو عمل فني؟
فقال باسماً كمن يري أني أقول شيئاً بديهياً لا جديد فيه ولا معنى له:
- طبعاً.. أنا كادر فني يا أستاذ!
فقلت موضحاً:
- لا.. ليس هذا ما أقصد.. إنني أقصد أنه عمل مشابه من بعض النواحي لعمل الروائي والمسرحي والمصور والموسيقي والشاعر.
١ــ تقصد الخيال..
- الخيال في أعمق معانيه: وهو القدرة علي تشكيل الحقيقة من العناصر المتفرقة.. تصور الأشياء تصوراً يشكل منها حياة نابضة.. تركيب أجزاء صغيرة متناثرة غير ملاحظة تركيباً يبرز خلقاً كاملاً للحقيقة.. إنك من بضعة خيوط، وخصلة شعرات استطعت أن تعيد بناء الحقيقة! الفنان لا يفعل أكثر من ذلك، ببضعة ألفاظ أو ألوان أو أنغام يستطيع أن يعيد تركيب حقيقة هذا الوجود الإنساني!.. ولم يصغ هو إلى قولي، فقد أرهف أذنه إلى صوت موسيقي تتسرب إلينا من خلال باب نصف مغلق في الجانب الآخر من الشرفة.. فأرهفت أذني أنا وقلت:
- هذه افتتاحية الناي المسحور لموزار..
فالتفت الطبيب إلي الجهة الآتي منها الصوت وقال:
- إنها حجرة المدرس الأيرلندي!
- عن إذنك!
قلتها وأنا أنهض ميمماً شطر هذه الحجرة.. فإن سحر موزار على روحي لا يقاوم.. لم تكن صلتي بهذا الأيرلندي وثيقة.. كل ما بيننا من علاقة لم يتجاوز تلك الأحاديث العادية التي يتبادلها النزلاء على مائدة العشاء.. ولكني صممت في تلك اللحظة على أن أوثق صلتي به من أجل موزار.. واقتربت من حجرته وأرسلت البصر من خلال الباب نصف المغلق، فشاهدته مستلقياً على المقعد الكبير ماداً ساقيه فوق الكرسي الخيزران، وإلى جانبه فوق المنضدة فونوغراف على شكل حقيبة، كان يعتبر طرازاً حديثاً نادراً في ذلك العهد.. طرقت الباب طرقاً خفيفاً، سمعه فانتفض ناهضاً على قدميه.. فلما رآني بدت في عينيه نظرات العجب والتساؤل، ومد يده في الحال يسكت أسطوانة موزار.. وخفت أن تذهب به الظنون بعيداً.. ويخيل إليه أني جئت بصفتي الرسمية لأمر يتصل بالنيابة والقانون.. فأسرعت أقول له باسماً، وأنا أشير إلي الفونوغراف:
- أرجوك! فلتستمر الأسطوانة! إني ما جئت إلا من أجلها!
فعاد الهدوء والصفاء إلى وجهه، ودعاني إلى الجلوس وهو يقدم لي كرسياً، ويقول في ابتسامة ترحيب:
- أتحب هذه الموسيقى؟!
- جداً وخصوصاً موسيقى موزار.
- من حُسن الحظ أن عندي منها الكثير.
وأشار إلى مجموعات عديدة رص بعضها فوق بعض، ثم أخذ يتناول منها ويناولني لأشاهد، وإذا كل مجموعة داخل غلاف من الجلد تحوي سيمفونية كاملة.. ياللعجب! ما كل هذا العدد لسيمفونيات موزار! وما كل هذه العناية في جمعها! لقد بهرني ما رأيت.. إن أغلب هذه الأعمال لم أكن قد أطلعت عليها من قبل.. فما أتيح لي سماعة لموزار لم يجاوز بعض الافتتاحيات، وقليلاً من الأوبرات، وسيمفونية واحدة أو اثنتين علي الأكثر.. ولم أكن عل علم إطلاقاً بأن موزار كتب كونشرتو للفلوت والأوركسترا.. وهاهو ذا بين يدي هذا الكونشرتو في مجموعة كاملة داخل غلاف جلدي جميل! خيّل إليّ أنه مر وقت طويل وأنا لاه عن الرجل صاحب الحجرة، أقلب مجموعاته ذاهلاً لا أشعر بما حولي.. إلى أن وجدت يده تمتد في رفق إلى ما في يدي من أسطوانات، وهو يقول:
تحب أن تسمع شيئاً منها بالذات؟
فأفقت وفهمت أنه أراد أن يخرجني من هذا الموقف الذي طال، فقلت له وأنا خجل:
- نعم.. أكون شاكراً!
- هل وقع اختيارك على شيء؟
فلم أعرف ماذا أختار؟ كل ما عنده يغري بالاستماع.. بل إنني في حاجة إلى سماعها كلها.. كلها.. ولكن بالطبع وقته لن يسمح لي بأكثر من اسطوانتين أو ثلاث.. ولا ينبغي أن أطيل جلوسي في حجرته إلى حد يضايقه وحسبي أنني تطفلت واقتحمت عليه خلوته، وجعلته يترك جلسته المريحة المستلقية المتراخية، ليتكلف لي حسن الاستقبال والضيافة.. تركت له هو الاختيار.. فاختار السيمفونية القصيرة من المقام الصغير.. وما كادت تنتهي وأنا غارق غرقاً في المتعة، حتى أغلق الفونوغراف، كأنما أراد أن يسد عليّ الطريق.. وقال وهو يبتسم:
- بديعة.. أليس كذلك؟!
- جداً.
- إنه ليسرني أن تشاركني الاستماع كلما سمح بذلك وقتك.
- بكل سرور! بل إن هذا ليسرني أنا ويسعدني بنوع خاص!
قلتها بإخلاص وكأنها نابعة من أعماق قلبي، وصافحته شاكراً وانصرفت.. وصرت بعدئذ أحوم حول حجرته أملاً في أن يدعوني إلى الاستماع.. ولكن شاء سوء الحظ أن يشغل في تحضير امتحانات نصف العام، وفي تصحيح الأوراق وغير ذلك من المشاغل التي صرفته عن الموسيقى.. فلم أعد أسمع من خلال بابه صدى لصوت.. بل إن بابه نفسه أصبح مغلقاً عليه، فأغلق بذلك دوني باب الرحمة! وفي ذات صباح مررت ببابه فوجدته مفتوحاً.. ولم يكن هو بالحجرة، فقد علمت أنه انصرف مبكراً ليكون في المدرسة في تمام الثامنة، لحضور الحصة الأولى، أو لأعمال المراقبة في الامتحانات، لست أدري.. ولم يكن هذا بالمهم عندي.. المهم هو أن حجرته كانت خالية، وقد لمحت فيها الفونوغراف فوق المنضدة، ومجموعات الأسطوانات مرصوصة، وكأنها تناديني.. كان الإغراء شديداً.. لم أستطع المقاومة فدخلت حجرته، وأخرجت كونشرتو الفلوت لموزار، وجعلت أستمع..
تكرر مني هذا الفعل.. حتى كدت أنتهي من سماع كل ما في المجموعات بهذه الطريقة.. أترقب خروجه المبكر إلى عمله، فأدخل متلصصاً إلى حجرته، قبل أن يدخل إليها الخادم لتنظيفها وتنظيمها وترتيب فرشها.. فأسمع على عجل سيمفونية أو اثنتين، ثم أخرج إلى عملي أو إلى جلستي التي تفتتح عادة في التاسعة.
ولكن ضميري أخذ يوبخني على هذا الفعل الشائن.. رويت القصة لصاحبي الطبيب الشرعي.. قال يهون من شأن الموضوع:
- وماذا في ذلك؟ هل نقصت قطعة من أسطوانات الرجل؟
- تقريباً! لقد انتفعت بها واستهلكتها، بدون إذنه.. ودخلت حجرته بدون علمه! استهلكت متاعاً مملوكاً له.. إنه نوع من الاختلاس.. تصور.. وكيل النيابة هو الذي يقوم بهذا التلصص والاختلاس؟!
فأطرق الطبيب يفكر قليلاً، ثم قال:
- لم تتح لي الفرصة! لقد وجدت نفسي فجأة أمام الإغراء وجهاً لوجه!
– في الواقع أن التصرف من حيث الشكل منتقد.. لكن من حيث الجوهر فهو عمل مشروع.. إن كل ما أردت أنت هو الاستمتاع الفني.
- وأي استمتاع!
قلتها وأنا أتذكر تلك النشوة التي ما غمرني مثلها قط.. لماذا تضاعف حجم تلك المتعة، وأنا أختلسها اختلاساً من حجرة ليست لي، وباب نصف مغلق، أتطلع من خلاله تطلع الخائف القلق؟! أفضيت بهذا الشعور إلى صاحبي الطبيب، وسألته رأيه فقال:
- حقاً! ما أجمل اللحن الذي يأتينا عفواً من بعيد عبر نافذة الجيران! هناك دائماً علاقة بين البعد والحجم.. ففي الماديات يصغر الحجم مع البعد، ولكن العكس يحدث في المعنويات.. إن المعنويات والروحيات يكبر حجمها مع البعد!
- هل ترى أن أصارح هذا الأيرلندي بما حدث.. وأشرح له قوة الإغراء التي أوقعتني، وأسأله الصفح!
- يكون أحسن! والأفضل من كل هذا أن تبادر فتشتري لنفسك فونوغرافيا وتقتني اسطوانات، حتى لا تعود مرة أخرى.. وتصبح من أرباب السوابق!
- فكرة..
لفظتها باقتناع وقوة، وقد صممت على تحقيقها.. وما وافى اليوم التالي حتى كانت خطة التنفيذ قد اكتملت..لن أنتظر حتى أذهب إلى القاهرة.. فلست أدري متى أذهب.. وليس من السهل طلب اجازة: لابد أن يكون في هذا البندر محل لبيع الفونوغرافات.. من الذي يدلني؟ لا أحد غير ذلك المخلوق العجيب! إنه فنان هو أيضاً.. فنان بالروح والسليقة والاستعداد، وإن كان فنه لا يتخذ شكلاً ولا إطاراً.. إنه (سيد دومة) ماسح أحذية النيابة والمحكمة! تلك الشخصية التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الهيئة القضائية في هذا البندر.. إنه الدليل القضائي الحي المتحرك في هذه المدينة.. من أراد التحري عن أي معلومات خاصة بأحد القضاة أو أعضاء النيابة أو المكتبة والموظفين، فما عليه إلا أن يسأل (سيد دومة) ، فيقول لك: فلان بك القاضي أو عضو النيابة أو فلان أفندي كاتب الجلسة أو سكرتير التحقيق، كان هنا سنة كذا، وطباعه كيت، ومن عاداته أنه يجلس في المكان الفلاني في الساعة الفلانية، ويحب فلاناً ويكره فلاناً ويفضل هذا النوع من الطعام أو الشراب، ويدخن هذا الصنف أو ذاك من السجاير.. وهكذا، وهكذا.. ولكن القيمة الحقيقية لسيد دومة هي أنه قاضي الحاجات كلها لكل الموظفين وحلاّل المشكلات.. إذا أردت شيئاً مستعصياً أو نادراً فاطلب إلى سيد دومة يبحث لك عنه ويأت بالطلب في ساعتين.. وإذا كسر لك متاع أو آلة أو عدة ساعة أو وابور جاز أو طاحونة بن، وماكينة خياطة أو دراجة أو قلم حبر، فهو الذي يقوم بإصلاحها بنفسه.. عبقريته في إصلاح الآلات- خاصة الدقيقة- تكاد تكون قد ولدت معه، بدون دراسة ولا تعليم.. إن درجة تعليمه لا تتعدى فك الخط.. إنه يكتب ويقرأ ويفهم كل شيء.. ولا أحد يعرف أين تعلم هذا.. إن كل ما في الصحف من أخبار وحوادث يعرفها في المحطة بعد وصول قطار الجرائد.. وفي أقل من ساعة يكون قد مر على مكاتب الموظفين يخبرهم بما يهمهم منها، وما يتعلق على الخصوص بحركة الترقيات والتنقلات.. وهو يدخل كل صباح على أكبر موظف وأصغر موظف على السواء، بدون استئذان.. ما يشعر الواحد منا إلا وحذاؤه بين يدي سيد دومة، يمسحه في صمت بالورنيش المناسب، ولا يتكلم إلا إذا طلب منه الكلام، أو أنس فراغاً من الموظف.. ومحال أن تبدو منه حركة أو لفظ يعطل أو يضايق المشغول بالعمل.
جلست إلى مكتبي ذلك الصباح منتظراً مجيء سيد دومة، حلاّل المشكلات.. وما أن دقت ساعته المعينة حتي ظهر من الباب بعد طرقه طرقاً خفيفاً كعادته دون انتظار الإذن بالدخول.. ومشى مشيته الخفيفة كمشية القط الأليف، وقبع بجوار الحذاء وشمر كم سترته- إذا كانت تسمي سترة- فإن ملابسه الغريبة لا يمكن أن توصف.. فهي خليط عجيب من سروال أو بنطلون قديم لا يعرف مصدره مع سترة شبه عسكرية مما كان يتسلل من معسكرات جيوش الاحتلال، قد رقعت ترقيعاً أخرجها عن الصفات العسكرية والمدنية جميعاً، وأصبحت لها صفة خاصة بسيد دومة وحده، وفوق رأسه غطاء صوف أشبه بالطاقية، ولكنه ليس قطعاً بالطاقية.. إنه شيء سمعت بعضهم في البندر يسميه(كلبوش).
وقد اتخذ هو أيضاً صفة الشخصية المستقلة عن أي رداء آخر للرأس، إنه رداء رأس سيد دومة وكفى!
جعل يمسح حذائي دون أن ينبس بحرف أو ينظر إليّ.. ولكنه فوجئ ولاشك بصوتي يقول له باهتمام:
- اسمع يا سيد يا دومة! تقدر تشتري لي فونوغراف؟
- فونوغراف بنفير؟
- نفير؟ لا.. لا.. فونوغراف حديث بشنطة!
- حاضر!
أجاب بهذه الكلمة الواحدة.. ثم مضى وعاد بعد قليل يعلن إليّ أن طلبي موجود.. ولكنه يستحسن أن أذهب لأختار بنفسي ما يعجبني.. ودلني على الدكان، وقادني إليه.. فإذا أنا في دكان بقال.. فالتفت إليه منتهراً:
- بقال؟! دكان بقال؟! أنا قلت لك فونوغراف؟ أنت فاهم كلمة فونوغراف يعني إيه؟!
فنظر إليّ نظرة كلها عتاب، وقال:
- وانا جاهل للدرجة دي يا بيه؟
وأسرع إلي صاحب الدكان، وحادثه قليلاً.. فإذا به يكشف عن ستارة في ركن من أركان المحل ، ظهر خلفها صف به عديد من أجهزة الفونوغراف مختلفة الأنواع، من قديم ذي نفير إلى حديث بحقيبة.. فعجبت.. ثم علمت بعدئذ أن هذا المحل- هو أكبر محل بقالة في المدينة- لا يبيع البقالة وحدها، بل يعرض أصنافاً أخرى مختلفة: من أقمشة جوخ، إلى أحذية، إلى جرادل، ومكانس، وفونوغرافات وأسطوانات.. وأخذت الفونوغراف الذي أعجبني ولم يكن ثمنه يجاوز الجنيهين، لأن الطلب قليل في الريف لمثل هذا الطراز.. الكل هنا يفضل الطراز القديم ذا النفير الضخم الذي يملأ العين! وكان لابد لي معه من بضع اسطوانات، للتجربة على الأقل.. فعرض عليّ البائع أن أتخير من بين كوم من الأسطوانات القديمة مختلفة الأحجام.. فجعلت أقلب فيها.. لم أتوقع بالطبع أن أعثر من بينها علي موزار أو بيتهوفن أو هايدن.. وجدت المرحومين الشيخ (يوسف المنيلاوي والشيخ سيد المصطفى و عبدالحي افندي حلمي) .. فانتقيت للأول: “فتكات لحظك أو سيوف أبيك” وللثاني “الحب صبحني عدم” وللثالث “حلالي بلالي وافاني الحبيب”.
عدت إلى النزل وخلفي سيد دومة يحمل ما اشتريت.. وما أن وصلت إلى حجرتي حتى بادرت إدارة الفونوغراف الجديد باسطوانات أولئك الأعلام في فن غنائنا العربي.. وعجبت أن أذني لم ترفضهم، بل استقبلتهم هم أيضاً بالترحاب.. ما أبعد الشقة حقاً بينهم وبين هايدن وموزار وبيتهوفن.. بل إن أي مقارنة بين هؤلاء وأولئك تعتبر ضرباً من المستحيل.. فهذان لونان لا يمكن أن يتقابلا.. لأن منطق كل منهما يقوم على أساس مختلف.. ومع ذلك استطعت لدهشتي أن أحب هذا وذاك.. ثم زالت الدهشة الأولى وبدأت أفسر نفسي.. أفسر ظاهرة تقبلي للنقيضين.. ما من تفسير إلا أني تذوقت كلاً منهما بطعمه هو لا بطعم الآخر.. وقسته بمقياسه لا بمقياس الآخر ولا بمقياس واحد للاثنين.. إن اقتناص أنواع الجمال في الفن كاقتناص أنواع السمك في البحر! كل له شبكة خاصة.. فإذا استخدمت شبكة واحدة للجميع أفلتت منها أنواع أخرى كثيرة.
ولم تتم فرحتي بالفونوغراف الجديد.. فلم أكد أديره في اليوم التالي بحضور صديقي الطبيب على اسطوانة (فتكات لحظك..) ولم يكد يعلو صوت الطبيب صائحاً: ” الله الله يا شيخ يوسف يا منيلاوي” ولم يكد غناء المطرب الكبير يلعلع بمطلع القصيدة، حتي سمعنا حشرجة أخذت تمتد وتستطيل حتى أصبحت أنيناً خافتاً بوقوف الإبرة وقوفاً تاماً.. ماذا حدث؟ لقد انكسر (الزمبرك)!
ولعنت الفونوغراف وماركته وبائعه والذي كان السبب، وهو سيد دومة بجلالة قدره.. وأرسلت في طلبه في الحال فحضر.. فابتدرته صائحاً:
- الحق عليّ.. أنا الغلطان.. اشتري فونوغراف من محل بقالة؟!
فقال مأخوذاً:
- حصل خير؟!
فأشرت له إلي الفونوغراف:
- حصل يا سيدي أن (الزمبرك) مصنوع من المكرونة، لا من الحديد، انكسر بعد يوم وليلة.. تفضل عاين! فأخرج من جيبه مفكاً صغيراً يحمله في جيب سترته الواسع مع بعض آلات وأدوات دقيقة يحملها دائماً.. وجعل يفك غطاء الفونوغراف حتى كشفه ونظر داخله وأخرج الزمبلك المكسور.. ونظر إليّ وقال:
- حاجة بسيطة!
وغادرنا في سرعة البرق قبل أن نتمكن من استمهاله أو استيضاحه، وغاب مقدار نصف الساعة، ثم عاد إلينا ومعه شريط (خردة) طويل رفيع من المعدن أو النحاس، لا أحد يدري من أي شيء خلعه أو انتزعه، استطاع أن يلويه ويلفه على بعضه لفاً وثيقاً.. سألناه:
- ما هذا؟
فقال:
- زمبرك عمولة!
وأخذ يضعه في جوف الفونوغراف، ويثبته بالمفك، ثم ركب الغطاء، وانتهى من المهمة، ونحن ننظر إليه دون اعتراض على شيء مما يفعل.. فقد كنا يئسنا منه ومن فونوغرافه.. ولم نر جدوى في الكلام.. ونفض يديه ثم مسحهما في سترته واستأذن للانصراف قائلاً: “خلاص!” ونظرنا إلى الفونوغراف متشككين:
- أممكن لهذا الشيء أن يدور بعد الآن؟!
فرد في ثقة واطمئنان:
- جربوا!
وجربنا.. وإذا الفونوغراف يدور حقاً، وعلى أحسن ما يكون!.. بل حدث ما هو أعجب: لقد ظل هذا (الزمبرك الخردة) صناعة سيد دومة متيناً قوي النبض، قوة قلب فتى صلب لا يضعف ولا يشيخ مدى عشرين عاماً تنقل فيهما معي من بلد إلى بلد ومن مصير إلى مصير، وأسمعني خلالها من روائع السيمفونيات والمؤلفات الغربية، ولوامع البشارف والأغاني في الموسيقي الشرقية ما لا يقع تحت حصر.. إلى أن اقتنيت جهاز راديو شغلني وألهاني وأنساني وجود الأنيس القديم، فإذا هو يتنحى في تواضع، ويفسح الطريق للجهاز الجديد على استحياء.. وإذا هو ذات يوم قد اختفى، لا أدري والله كيف! اختفى في صمت وهدوء، واختفت معه عِشرة دامت عشرين عاماً.
كلما ذكرته، ذكرت معه سيد دومة، وذكرت الطبيب الشرعي، وذكرت ذك النزل في ذلك البندر من بنادر الأقاليم، بل ذكرت فوق كل ذلك أن في الدنيا أشخاصاً تجري في دمائهم روح الفن وهم لا يشعرون!
_________
*(أخبار الأدب)