الرئيسية / خبر رئيسي / رواية «عُشّاقٌ وفونوغرافٌ وأزمنة»: سيرة عائلية في سياق نشأة الدولة العراقية

رواية «عُشّاقٌ وفونوغرافٌ وأزمنة»: سيرة عائلية في سياق نشأة الدولة العراقية

*فلاح حكمت

بعد قرابة السبع سنوات من روايتها الأخيرة «سيدات زحل» المنشورة في 2010، تستأنف الروائية والكاتبة والمترجمة العراقية لطفية الدليمي نشاطها الروائي بإصدارها رواية «عشّاقٌ وفونوغرافٌ وأزمنة» المنشورة عن دار المدى عام 2016؛ وبذلك تؤكّد الروائية عمق شغفها بالفن الروائي رغم انشغالاتها العديدة، خاصة في الحقل الترجمي؛ فهي دائبة ومنذ سنوات عدة على نشر مواد مترجمة أسبوعية منتظمة في صحيفة «المدى» كما في صحف ومجلات ثقافية أخرى بالإضافة إلى الأعمدة الثابتة للكاتبة.

تختلف هذه الرواية اختلافاً نوعياً عن الروايات السابقة للكاتبة؛ فمنذ البدء يلحظ القارئ ضخامة حجم الرواية، قرابة 600 صفحة من القطع المتوسط، سيجد القارئ نفسه إزاء روايتين متداخلتين تحكيان عن مقاطع زمنية مختلفة في سيرة عائلة «الكُتُبخاني»: رواية أولى تجري وقائعها في عراق بدايات القرن العشرين إبان حقبة الهيمنة العثمانية، ثم في حقبة الهيمنة الكولونيالية البريطانية التي ترافقت مع تكوين العراق الحديث وصناعة الدولة العراقية، ورواية ثانية لسليلي تلك العائلة في حقبة ما بعد الاحتلال الأمريكي 2003، وبهذا يمكن عدّ الرواية عملاً ينتمي للرواية «الجيلية» ولكنها لا تكتفي بكونها رواية جيلية حسب، بل تضمُّ أشكالاً روائية عدة إلى حدّ يمكن معه وصفها بأنها رواية «معرفية» تنطوي على تفاصيل تأريخية ومجتمعية واقتصادية وعلمية، في سرد مركّب يرمي لتأصيل الحالة العراقية، وكشف الأسباب الكامنة وراء الخراب العراقي المستديم والشامل، ولكن في سياق سردية روائية توظّف تقنيات روائية عديدة.

يمثّل «صبحي إسماعيل الكتبخاني» الشخصية المحورية في الرواية الأولى، ويمكن النظر إليه باعتباره مثالاً ليبرالياً نموذجياً، اجتهد لخلع أثواب التقليد وولوج عالم الحداثة من بوابة التعليم، وقد اجتهدت الكاتبة في الكشف عن طموحات صبحي وسعيه الدؤوب لتحقيق حلمه الحداثيّ، عبر سفره إلى «الأستانة» واكتسابه العديد من الخبرات التي ما كان ليحققها لو بقي في بغداد آنذاك، وهنا توظف الكاتبة وسائلها الروائية توظيفاً ماهراً للكشف عن الطريقة التي خُلِقت بها بعض «البيوتات» البغدادية التي قاتلت قتالاً شرساً لحيازة الوسائل التي تمكّنها من مركزة المال والسلطة بين يدي أفرادها، كما كشفت عن جوانب الصراع الخفي المسكوت عنه، غالباً بين بعض أفراد تلك الأسر والمتاهات التي يفضي إليها ذلك الصراع؛ وتبقى المسألة الجوهرية في سعي الرواية لكشف جوانب من عوامل صعود تلك العوائل «وفي مقدمتها التزاوج النفعي بين المال والسلطة» في سياق تكوين العراق الحديث الذي أرادته بريطانيا أن يكون صناعة بريطانية خالصة. تجدر الإشارة إلى حالة العشق التي انعقدت بين «صبحي الكتبخاني» و«بنفشة خاتون» التي تبدو سيرتها رحلة سحرية مشبعة بلذة التخييل الأسطوري الذي ينتابنا عند قراءة النصوص التخييلية مثل، «ألف ليلة وليلة»، وتتجلى قدرة الكاتبة هنا عبر توظيفها للميتافيزيقي مع الواقعي في لغة ناعمة منسابة، كما الموسيقى حتى إن كانت محكومة باشتراطات الواقع ومتطلباته القاسية .

أما في الرواية الثانية فتمثّل «نهى جابر الكتبخاني» الشخصية المحورية فيها إلى جانب نادر: الفيزيائي الذي كُسِرت طموحاته مبكراً، فاختلق له عالماً ذهنياً منعزلاً في محاولة منه لنشدان الخلاص والابتعاد عن مستنقع الرثاثة الذي لا تعتاش فيه سوى الأفاعي السامة. تطالِعُنا في الصفحات الأولى من الرواية العبارات الكاشفة التالية بشأن «نهى» التي تمهّد السبيل أمام القارئ وتعدّه للكشوفات اللاحقة في الرواية: تدرك نهى من تتابع الإشارات الغريبة على وعيها أنّ جذورها تمتد لأكثر من عرق وأكثر من بلاد وأكثر من عصر، لا تعلم حقيقةَ منْ أي نطفة أتت ومن أي صلب تحدّرت، أيُّ البشر يعلم حقيقة أصوله ونسبه؟ لا أحد… هي لا تريد أن تعرف، ما جدوى أن تعرف؟ فلتعش حاضرها حسبُ. إنها في قلب الحياة ولها أن تتقبل وجودها مهما كانت جذورها وأصول الأسلاف.

البشر جميعاً – وليست وحدها – صُهروا في بوتقة هائلة يسمونها الحب أو العشق أو الغرام، وهي ليست سوى الرغبة في تلاحم الأعراق والأجساد، خوفَ التلاشي في خديعة الموت، الكل وُلِدوا من مكيدة نشوة عارمة سرت في اللحم صعقة مكهربة، عشقوا وتناسلوا وتخالطت أنسابهم، وخانوا وتقاتلوا وأسسوا البيوت، وأقواس النصر وميادين المدن والأسواق ومنازل البغاء والبنوك، وأكل ملامحَهم عفنُ الكراهية أو جذامُ الجشع، ثم انشغلوا بتوسيع المدافن التي عزّزتها صراعاتهم والحروب…

تأتي رواية «عشاق وفونوغراف وأزمنة» لتكون مثالاً حياً على قدرة الفن الروائي ورسالته التنويرية من جهة، وتأكيداً على المحمول المعرفي الذي تنهض بعبئه الرواية من خلال «سرد المفاهيم والرؤى والحوادث» في لغة حكائية درامية ممسرحة، يمكن للذهن التخييلي للقارئ تحسّسها ورؤيتها

وهنا لا يخفى على القارئ الطبيعة الخوارزمية للسرد الروائي الذي ترمي الكاتبة من ورائه ضغط الخبرات البشرية الجمعية في صياغات مكثفة ذات نكهة سردية محببة، وتلك سمة عُرِفت بها لطفية الدليمي في معظم كتاباتها السابقة، كما سنلحظ هذه السمة واضحة في غير موضع من الرواية، وتجدر بنا الإشارة في هذا الموضع إلى العبارات الكاشفة التي زيّنت بها الروائية مفتتحات موضوعاتها الروائية في كل فصل من فصول الرواية ؛ فهي ليست محض توظيف مجاني لقوة التفكّر الفلسفي الإنساني ومفاعيله الجمالية المنعشة «على السياق السائد»، بل هي أقرب إلى توظيف محسوب ومحكوم بانضباط روحي وعقلي بالغ الدقة.

توظّف الرواية طيفاً كاملاً ومتداخلاً من المناخات الروائية: ثمة مناخ ميتافيزيقي في بعض الأجزاء من الرواية، يحيلنا على الفور إلى المخيال الحكائي الشفاهي ذي النزعة الموغلة في التخييل، وثمة في أجزاء أخرى مناخات تأريخية طافحة بالمشهديات البصرية المباشرة، القريبة من لغة «السيناريو» البصري، المرتكز على المؤثرات الدرامية، ونلمح في أجزاء أخرى توظيفاً للمونولوجات الذاتية التي تنبئ عن شخصيات ذات طبيعة ذهانية مأزومة، ونلحظ في مواضع أخرى سرداً روائياً يرمي لتأصيل تفاصيل علمية وتأريخية إلخ؛ الأمر الذي يجعل من الرواية مصهراً مركباً وظّفت فيه الروائية الكثير من التقنيات السردية الكلاسيكية والحداثية معاً.

«الرّواية – أي رواية – عمل تخييلي ينطوي على لعبة ذهنية intellectual game : هذا ما توثّقه الكاتبة في بداية تنويه ختامي في الصفحات الأخيرة للرواية، ثم تمضي في التوضيح بقولها «وتستلزم عملية كتابة الرواية، وبصرف النظر عن تجنيسها النوعي وأدواتها التقنية، بعضاً من المواد الأولية النابعة من الخبرة الشخصية للكاتب و/ أو من التفاصيل ذات الطبيعة الواقعية – تأريخية، اجتماعية، سياسية، اقتصادية، إلخ – التي يمكن توظيفها كمادة لاحمة للأفكار المشكّلة للعبة الروائية التخييلية»، ومن الواضح تماماً أن الكاتبة وظّفت توظيفاً روائياً كمّاً هائلاً من الأفكار والتفاصيل والجزئيات التي اختزنتها ذاكرتها وخبرتها الحياتية عبر سنوات كثيرة؛ ولكن ممّا يلفت النظر في هذا المقام، أن الكاتبة وظّفت أحياناً تفاصيل علمية أو تقنية «فيزيائية بخاصة» ذات طبيعة تخصصية؛ الأمر الذي يشي بشغفها الفيزيائي وانكبابها على القراءات العلمية منذ أمد بعيد، ولندقق مثلاً في المقطع التالي المنقول على لسان نادر – الفيزيائي وأحد الشخصيات الرئيسية في الرواية: تخصّصت في الفيزياء النظرية لأنها أقرب إلى عالم الأفكار؛ فأنا أحب الرموز ولا أطيق الكلام الفائض واللغة البلاغية والثرثرة التي تغرق حياتنا الآن، وتكاد تخنقنا وهي تنهال علينا من التلفزيون أو من أفواه البشر ممّن لا يقدرون قيمة الزمن، أمّا الرياضيات فهي شغفي الموازي الآخر لأنها تختزل لنا العالم في رموز محددة وبطريقة ساحرة ليس لها نظير..

وكذلك لندقق في المقطع التالي الذي تقوله الشخصية ذاتها: نحن محكومون بما يحيطنا، لسنا أحراراً أبداً، نحن رهائن لظروف فُرِضت علينا، والعزلة ليست الخيار الأمثل، ولكنها نوع من درع يحمينا حتى من أنفسنا – آلية دفاعية ابتكرها عقلنا للحفاظ على الخزين المتبقي من طاقتنا الحيوية، وعدم تبديدها في العبث اليومي اللامجدي .

ربّما ستندهشون لو أخبرتكم أن مسألة الحتمية والإرادة الحرّة صارت موضوعاتٍ يتناولها الباحثون الفيزيائيون بعد أن كانت مقصورة على حلقات الفلاسفة الكلاسيكيين… هنا يمكن تلمّس نوع من التداخل بين الأفكار العلمية والفلسفية والتأريخية الثرية غير المعهودة في سياق السرد الروائي، وسوف نشهد الكثير من أمثال هذه التداخلات المركبة في الرواية.

في الوقت الذي تجتهد فيه الرواية لتأصيل أسباب الخراب العراقي على المستويين الفردي والجمعي معاً، وفي سياق التناول الروائي لجوانب محددة من نشأة الدولة العراقية، فإنها تنتهي إلى تأكيد أسبقية الخلاص الفردي على كل الاعتبارات الأخرى، وهو ما نراه في سياق هذا المونولوج الختامي الشبيه بأنشودة خلاصية ثورية منكّهة بمذاق العرفان وتشوّفاته اللذيذة:
كن العاشق ولا تُنَظّرْ للعشق وتحوم حوله، كن البشارة ولا تلتفت للكارثة التي تهددنا، كن يا نادر واهب الولادة السعيدة، ولا تجعل من حبنا الجنين الجهيض، كن الرجولة المكتملة وسأكون الأنوثة المانحة، تدفق كالنبع ولا تتقمص السراب المخادع، كن الرغبة ولا تستدعي محفزات الألم، كن أنت، كن المعرفة التي تقترح قوانين البقاء ولا تستمطر العتمة لحياتنا، لا يكفي ادعاء العشق أو الحكمة أو النبل، لتصبح مقيماً في الحب أو مالكاً لحكمة لاوتزو أو سقراط، أو أن تكون فارساً من فرسان النبالة، واعلم أنّ أقنعة التردد تفتك بالحب، روّض نفسك وصوتك لتنكشف في النور، فتعزز رجائي بأنك البشير والولادة والرجولة والنبع وأنك الرغبة والمعرفة التي لا تخنق الأمل…

تأتي رواية «عشاق وفونوغراف وأزمنة» لتكون مثالاً حياً على قدرة الفن الروائي ورسالته التنويرية من جهة، وتأكيداً على المحمول المعرفي الذي تنهض بعبئه الرواية من خلال «سرد المفاهيم والرؤى والحوادث» في لغة حكائية درامية ممسرحة، يمكن للذهن التخييلي للقارئ تحسّسها ورؤيتها، وفي هذا تكمن فرادة الرواية وقدرتها على مجاوزة أي اشتغال معرفي آخر والتفوق عليه لجهة الإمساك برغبة القارئ في الاستزادة المعرفية المكتنفة بالمتعة اللذيذة، ونحسب – أن هذا العمل الروائي إضافة نوعية للروائية لطفية الدليمي، التي أنجزت في مسيرتها الطويلة ما ينوف على الخمسين كتاباً في حقول الرواية والقصة القصيرة والترجمة والدراما المسرحية والإذاعية والدراسات الفكرية.

 

___________________________

*المصدر: القدس العربي

شاهد أيضاً

رحيل هارولد بلوم… آخر حراس الحصن الشكسبيري

خلف نحو أربعين كتاباً اعتُمد الكثير منها في المناهج الأكاديمية الأدبية. *لطفية الدليمي رحل مؤخراً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *