الرئيسية / خبر رئيسي / هل بات الشعر العربي أجنبياً ؟

هل بات الشعر العربي أجنبياً ؟

*محمد الأسعد

ماذا يحدث حين تغيب مهمة الشعر الحقيقية عن الشاعر؟، وكيف يكون الخطأ في الشعر؟، وكيف يكون الانحراف في الشعر؟ أسئلة كانت محورية في كتاب يمر على تاريخ نشره في أيامنا هذه أكثر من نصف قرن، ولكن لم يتناول أحد أسئلته هذه أو يواصل السير في الطرق التي شقتها حتى الآن. يبدأ هذا الكتاب المعنون «ابن سناء الملك ومشكلة العقم والابتكار في الشعر»، لصاحبه د.عبد العزيز الأهواني (1915- 1980)، بتقديم رواية منقولة عن أبي الفرج الأصفهاني نقلاً عن المدائني تقول: «سمع الفرزدق عمر بن أبي ربيعة ينشد أبياتاً من شعره جاء فيها قوله «فقمن وقد أفهمن ذا اللب إنما/ أتين الذي يأتين من ذلك من أجلي»، فصاح: هذا والله الذي أرادته الشعراء فأخطأته وبكت على الديار». وتعقيباً على هذه الرواية قال د. الأهواني: «إن عبارة الفرزدق تثير قضية من قضايا النقد الأدبي، هي هل يخطئ الشاعر؟ وكيف يكون هذا الخطأ؟».
بعد أكثر من نصف قرن، لا يزال ما توصل إليه د. الأهواني يدعو إلى التأمل والتفكير في مشكلة سماها هو «مشكلة العقم والابتكار»، ووضعها آخرون في إطارات أقل وضوحاً معنية تارة بالإتباع والإبداع، وتارة بالرجعية والتقدم.. وتارة تحت عنوان تشويه التجربة.. وما إلى ذلك. وأهمية طرح هكذا إشكالية بين حدي العقم والابتكار تأتي من الوسط والوقت الذي طرحت فيه، الوسط الذي يرى أن الشاعر يصف عواطفه نحو الناس والأشياء.. ويصور إحساسه بما يرى ويسمع ويتخيل.. ويعبر عن أفراحه وأحزانه وأحلامه، فكيف يقال إنه أخطأ في هذا أو أصاب؟
هذا الوسط ألف الحديث عن الشعراء بأوصاف التفاوت من ناحية العمق في المشاعر، ورحابة الأفق، وغزارة الإنتاج، والإجادة الفنية، ويتحدث نقاده ومؤرخوه عن الأصالة والتقليد، وعن البساطة والتكلف، والقوة والضعف، أما الخطأ فأمر آخر. يقول د. الأهواني: «حقاً إن كلمة الفرزدق أو صيحته صدرت في لحظة من الدهشة والحماسة، فعبّرت عن شعوره في تلك اللحظة، ثم نسيها بعد ذلك لأنه مضى، شأنه شأن غيره من شعراء عصره، يبكي على الأطلال، ولكن اللفظ الذي استخدمه، وهو الخطأ، يمكن أن يكون صحيحاً مع ذلك، ويمكن أن يصدق على بعض الشعر، بل يصدق أحياناً على عصور كاملة من تاريخ الشعر».

ما يوصف بالخطأ أو الصواب عادة هو شأن حياتي أو علمي، أما شؤون المخيلة فلا توزن بميزان من هذا النوع، إلا أن الباحث ينطلق من أن الشاعر قد يخطئ، بل إن شعراء عصر كامل قد يخطئون، وينحرفون في فهم الشعر، مما يجعلنا نصف العصر كله بالعقم والانحراف، كما هو حال الأدب العربي في عصور الانحطاط المتأخرة.

* * *
كان ابن سناء الملك يُعتبر قمة عصره الشعرية، في القرن الثالث عشر الميلادي (القرن السادس الهجري)، وعُدّ أميراً للشعراء. وركز هذا الشاعر جهده على محاولة ابتكار وتوليد معان، فكان، حسب د. الأهواني، نموذجاً للعقم لأنه فهم أن الشعر جهد عقلي يقوم على الحجاج المنطقي والتوليد الذهني، فكان شعره منفصلاً عن عصره، وعن شخصيته، منتمياً إلى دواوين الشعر القديمة، وقواعد البلاغة والبديع، ولا يتصل بالواقع الحي بأي سبب من الأسباب. وتُعمق هذا المعنى، أو المفارقة، حيوية العصر الذي عاش فيه، العصر الأيوبي الذي لا نستطيع وصفه بالعقم. تمثلت هذه الحيوية بالصراع ومواجهة غزو الإفرنج، والنهوض والاعتزاز بالمنجزات التي تحققت بصد الغزاة. فكيف أمكن أن ينحط الشعر في ظل عصر مثل هذا؟ وما سبب انحراف مفهوم الشعر واختفاء الصدق والنزاهة؟.

الجواب كما يقول د. الأهواني يكمن في جانبين، الأول هو مشكلة الازدواج اللغوي، والثاني في مفهوم الشعر لدى الشاعر وتصوره لمعنى الإبداع والابتكار. تتحدد المشكلة الأولى في الهوة الواسعة بين لغة الخطاب اليومي ولغة الشعر، إلى درجة أن لغة الشعر تكاد تكون لغة أجنبية. ولا يقصد بالازدواج الهوة بين لغة الحديث ولغة الكتابة، فهذا اختلاف في النطق واللهجة، ولكن المقصود ازدواج أعمق ممثل في انقطاع الصلة بين لغة الشعر ومدلولات الواقع القائم. الازدواج المتمثل في اختلاف النطق واللهجة يمكن معالجته مع الزمن، بالمزيد من توسع التعليم وتطور تقاناته، ووسائط الإعلام، أما الازدواج الأعمق فهو تحول لغة الشعر إلى لغة ميتة، أي لغة دالات بلا دلالات ولا مدلولات، أي بالقطيعة بين العلامة اللغوية والمعنى بانقطاعها عن المدلولات في العالم الخارجي القائم خارج اللغة.
وجاء اختيار الباحث د. الأهواني لشاعر من نوع ابن سناء الملك اختياراً دالاً، فمن المعروف أنه اكتسب لقب أمير الشعراء على يد القاضي الفاضل الذي «ولّاه إمارة الشعر في عصره». ولا يستطيع شيء إظهار المفارقة بين عقم الشعر، وإمارته كما فكر فيها ذلك العصر أو أي عصر آخر، أفضل من هذه الشخصية.
ولتفسير ظاهرة العقم، يلجأ الباحث، بالإضافة إلى مشكلة الازدواج اللغوي، إلى المفاهيم الخطأ التي تسيطر على الشعر في ما يتعلق بمعنى الشعر والإبداع، بل والحياة أيضاً. ذلك لأن أي منهج، سياسي أو تاريخي أو اقتصادي، لن ينجح في تفسير ظاهرة هذا النوع من الشعراء الذين يفصلون بين الشعر والحياة، الذين يعيشون بين صفحات دواوين الشعر، سواء كان عربياً أو أجنبياً. ظاهرة شعراء ينظرون بعيون غيرهم، وينتحلون أحاسيس غيرهم. أو يمثلون أدوار الشعراء.
في هذا جانب كبير من الصحة، ولكن إشكالية اللغة ليست منفصلة عن وضعية ثقافة ونمط حياة. لأن انفصال الشاعر عن ذاته، واتجاهه نحو الخارج، واتباع القوالب العامة في مقاربة العواطف والأحاسيس والأشياء، سمات وضعية اجتماعية/ ثقافية/ تاريخية، تحدد فيها الجماعة، و«الحزب» ما يجب أن يقال وكيف يقال. إنها قضية انعدام الحرية الفردية حتى على صعيد تصور العالم، وسنجد هذه السمات تكاد تكون عامة في الشعر العربي، قبل ولادة القصيدة الحديثة وبعدها. أعني طغيان موجة لا يجرب فيها الشاعر بقدر ما ينسخ نماذج ذهنية؛ نموذج المرأة، والبطل، والإنسان.. إلخ، لأن علاقته بالوقائع الحية منعدمة تقريباً. أو لنقل، ليس هناك وعي بمعنى الشخصية المستقلة، أو الاتجاه الشخصي في التفكير والتجريب، ليس بسبب المحرمات المحيطة بالفكر فقط، بل وبسبب الفهم المغلوط لمعنى الشعر والشعور في المقام الأول. الملموس العربي لا يحضر إلا نادراً في الشعر، وإن حضر كان نموذجاً عاماً ذهنياً ليس له ما يجسده على أرض الواقع. وأبرز ما يشير إلى ما نعتبره واحدة من المفارقات الدالة على العقم أن شعراء عرب اكتسبوا شهرتهم من التغني بأنهار وشطآن وأجواء بعيدة عن بلادهم، متناسين ومتجاهلين حتى النهر الذي يمرّ في قلب عواصم بلدانهم.
ومن دلائل العقم التقليدية أن تتحول الصور التي يعكسها الشعر الموروث إلى صور الحياة نفسها في كل الأمكنة والأزمنة. ومن هنا يولد وهم أن الاتصال بهذه الصور يعني الاتصال بالواقع الحي، وأصبحت البراعة الشعرية تتحدد في توليد المعاني والصور من هذا «الواقع» الخالد القائم بذاته ولذاته.
في هكذا شعر لا يسود سوى سطح الألفاظ، بعيداً عن أي حساسية شخصية فريدة باللغة. وقد نجد في هذا التعلق بسطوح الألفاظ مصدر النفور الشائع من اللغة الفصحى، وضربها مثلا على التحذلق والعقم والموات، مع أن الإشكالية ليست في اللغة ذاتها، بل في أصحاب اللغة أنفسهم.

______
*الخليج الثقافي

شاهد أيضاً

كلاريس ليسبيكتور: دورة حياة الكلمات

* كلاريس ليسبيكتور /ترجمة: أسماء حسين يا إله السموات، ليس لدي ما أقوله. حتى صوت آلتي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *