الرئيسية / خبر رئيسي / الســـماع الصوفي.. ‬طريق الغِبْطة

الســـماع الصوفي.. ‬طريق الغِبْطة

*د. حورية الظل

يُعد السماع الصوفي من الفنون الروحية الأصيلة والمتجذرة في التربة الإسلامية، ومن خلاله استطاع المتصوفة أن يجردوا الغناء من نخبويته ويجعلوه متداولاً بين العامة. والسماع ينفتح ‬على ‬بقية ‬الألوان ‬الموسيقية، ‬فيأخذ ‬منها ‬ما ‬يمكنه ‬من ‬الاستمرار ‬والتطور، ‬سواء ‬تعلق ‬الأمر ‬بالألحان ‬أو ‬بالآلات ‬الموسيقية، ‬لكن ‬الشيء ‬الذي ‬لم ‬يتم ‬التساهل ‬فيه، ‬هو ‬معاني ‬الشعر ‬المُتغَنّى ‬به.

السماع من الفنون الملحقة بالذكر وأحد مقامات التصوف، وهو أيضاً الغناء الذي فاضت به مواجيد المتصوفة في خلواتهم، ومنها وجد طريقاً سالكاً إلى محافل العامة ليتذوقوا حلاوته، ويقوم السماع على إنشاد أشعار مشايخ التصوف، بصوت عذب ويطلق على المنشد لقصائد التصوف المُلَحّنة، «القوال»، لتمييزه عن المغني العادي، وقد يتم إرفاق الشعر بالموسيقا، أو يتجرد منها، ولما ينشد «القوال» مقطعاً شعرياً يقوم المريدون والسالكون بالرد الجماعي والمتمثل في الصلاة على النبي والتهليل، فتهتز الأجساد وتتمايل من الوجد ومن لظى نار الشوق في القلوب وإشراق نور الإيمان في النفوس.

وظهر السماع في القرن الثالث الهجري، فازدهر مع ذي النون المصري والجنيد، وقد عرفه ابن عربي بقوله: «السماع سر من أسرار الله تعالى التي لا عمارة للقلوب إلا به».

وتفتتح حلقات السماع بالذكر الحكيم وبه تختم، وأصل هذه السنة، رؤيا رآها «ممشاد الدينوري»، والتي ملخصها أنه رأى في المنام الرسول الكريم، فقال له، يا رسول الله، هل تنكر من هذا السماع شيئاً؟ فقال: ما أنكر منه شيئاً، لكن قل لهم يفتتحون قبله بالقرآن، ويختتمون بعده بالقرآن.

السماع الصوفي وأثره

يعتمد السماع الصوفي في غالبيته على الإنشاد الجماعي كدليل على التلاحم الروحي بين الجماعة الصوفية، وكتمرير لرسالة ضرورة قبول الآخر ونشر المحبة والتسامح بين البشر والحرص على التكتل والوحدة، وأكد ذلك جلال الدين الرومي بقوله: «تعال وكلمني ولا يهم من أنت، ولا إلى أي طريقة تنتمي ولا من هو أستاذك، تعال لنتكلم عن الله».

وبسبب ما يتكبده المريدون من مشاق ومصاعب ومتاعب لا تحصى نتيجة مجاهداتهم في سلوكهم طريق التصوف، ارتأى مشايخهم جعل مجالس السماع وسيلة للترويح عنهم ولشحذ همتهم وإعدادهم لمواصلة السير في مراقي التصوف وتيسير التدرج فيها، واكتسابهم لما هو عرفاني وذوقي، وتزكية حبهم وشوقهم للحضرة الإلهية، كما أن السماع يحصنهم من طوارق الغفلة، ويجنبهم الملل ويمنحهم شحنة نورانية تحرك قلوبهم. وأيضاً، فإن مجالس العلم تثير الملل والتعب وتفتقر لما يثير المواجيد والمشاعر الدينية، فتفطن المتصوفة لهذه الأمور فوازنوا بين حلقات العلم ومجالس السماع، وقد أكد «الكلاباذي» على دور السماع في الترويح عن المتصوفة بقوله: «بالسماع يستجم المريدون من تعب الوقت ويتنفس أرباب الأحوال مما طرأ عليهم»، إن ما قاله الكلاباذي يؤكد أن الصوفية تتبدل أحوالهم فينتقلون من الحزن إلى الفرح ومن الخوف إلى الرجاء ومن القبض إلى البسط ويستعينون على هذه الأحوال بالسماع.

ولوعي المتصوفة بالأسرار التي وضعها الله في الأصوات الحسنة، حيث يتأثر بها الإنسان والحيوان شجعوا على السماع، ويعد التأثر بهذه الأصوات من الأمور الفطرية، يقول الطوسي: «الجمال إذا عييت وقصرت عن السير، يحدو لها الحادي، فتستمع وتمد أعناقها وتصغي بآذانها… وربما تُتلف أنفسها إذا انقطع عنها حدو الحادي من ثقل حملها وسرعة سيرها بعدما كانت لا تحس بذلك من إصغائها إلى حدو الحادي واستماعها إلى حسن نغمته».

أما أثر السماع على النفس، فقد لخصه السفاريني بقوله: «أنه مهيّج لما في القلوب، محرك لما فيها، فلما كانت قلوب القوم معمورة بذكر الله تعالى، صافية من كدر الشهوات، محترقة بحب الله، ليس فيها سواه، كان الشوق والوجد والهيجان والقلق كامنا في قلوبهم كمون النار في الزناد، فلا تظهر إلا بمصادفة ما يشاكلها».

وبذلك يكون للسماع أثر بليغ على المريدين والسالكين، حيث يمكنهم من نشوة تسري في نفوسهم فيثملون من الوجد ويغيبون عن حواسهم، ويفقدون السيطرة على جسمهم، فيهتزون راقصين، فيصبح بذلك السماع قوتا لأرواح المحبين وتمكينها من الحنين لأصلها‏‭ ‬في ‬عالم ‬اللطافة ‬والأزل‬.

وتواجد الصوفية نتيجة تأثير السماع من مظاهر أحوال العشق الإلهي لديهم، وما قاله الشيخ ذو النون المصري:«وارد حق يزعج القلوب إلى الحق، فمن أصغى إليه بحق تحقق، ومن أصغى إليه بنفس تزندق»، وقد أنزل المتصوفة السماع منزلة سامية؛ لأنه وسيلة لتنزل الرحمات الإلهية عليهم، حسب الإمام الجنيد: «تنزل الرحمة على هذه الطائفة… عند السماع؛ لأنهم يسمعون بوجد ويشهدون حقاً».

ويختلف أثر السماع على المتصوفة حسب درجاتهم في القرب واختلاف أحوالهم، فقد‏‭ ‬جاء ‬في ‬كتاب «‬غذاء‭ ‬الألباب‭ ‬في‭ ‬شرح‭ ‬منظومة‭ ‬الآداب»‬: «إن ‬الحال ‬الذي ‬يلحق ‬الموجود ‬فمِنْ ‬ضعفِ ‬حاله ‬عن ‬تحمل ‬الوارد، ‬وذلك ‬لازدحام ‬أنوار ‬اللطائف ‬في ‬دخول ‬باب ‬القلب، ‬فيلحقه ‬دهش، ‬فيعبث ‬بجوارحه، ‬ويستريح ‬إلى ‬الصعقة ‬والصرخة ‬والشهقة، ‬وأكثر ‬ما ‬يكون ‬ذلك ‬لأهل ‬البدايات. ‬وأما ‬أهل ‬النهايات ‬فالغالب ‬عليهم ‬السكون ‬والثبوت ‬لانشراح ‬صدورهم، ‬واتساع ‬سرائرهم ‬للوارد ‬عليهم، ‬فهم ‬في ‬سكونهم ‬متحركون، ‬وفي ‬ثبوتهم ‬متقلقلون.

ورقص المتصوفة طريق يسلكونه لإطفاء نار الشوق، ويؤكد ذلك المتصوف المعروف أبو سعيد أبو الخير بهذه الأبيات:

يرقص الصوفي في السماع،

ليطفئ نار القلب بحيلة،

والعاقل يعرف بأن المربية،

تهز المهد من أجل سكون الطفل.

وعليه، فإن السماع يثير في المتصوفة أحوالاً كثيرة، كالبكاء والتمايل والرقص والإغماء، بالإضافة إلى أحوال أخرى لا يمكن الإحاطة بها كلها في هذا المقام، كما أنه يجلي النفس من كل الشوائب وهذا أبو حامد الغزالي ينصح الحزانى والمكروبين بفن السماع ليتحول حزنهم إلى فرح: «من حزن فليسمع الألحان؛ لأن النفس إذا دخلها الحزن خمد نورها، وإذا فرحت اشتعل نورها، وظهر فرحها».

والسماع لا يخضع لطائفية أو تصنيف، فهو يخاطب وجدان المتلقي سواء أكان هذا الأخير متصوفاً أو من العامة، ومن خصائصه وأهدافه السامية، أنه يوحد ولا يفرق ويسمو بروح المريدين والسالكين ويسربلها بالوجد وحلاوة القرب، ويجلي عن العامة ضغط الواقع وأكداره ويوصلهم لمباهج روحية تمكنهم من التشبع بقيم الخير والجمال والمحبة.

التجربة المغربية

السماع من الفنون الروحية التي تمثل أحد الأوجه الجمالية للهوية الإسلامية بالمغرب، فهو يجمع بين ما هو أدبي وطربي وصوفي، كما يتجدر في وجدان المغاربة لارتباطه بحلقات الذكر والمديح النبوي منذ القديم.

ويرجع ظهور السماع في المغرب إلى منتصف القرن السابع الهجري، وتطور في عهد الدولة المرينية والوطاسية والسعدية وصولاً إلى الدولة العلوية، وجاء الاهتمام بفن السماع كمظهر من مظاهر اهتمام سلاطين المغرب المتعاقبين، بالاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف، وأيضاً ازدهر فن السماع بالمغرب للعدد الكبير من الزوايا والرباطات بهذا البلد الإسلامي، فيقال إن عددها بلغ في القرن الخامس الهجري نحو سبعمائة، ومن حسنات السماع في المغرب أنه ساهم في الحفاظ على الطبوع والإيقاعات وأساليب الأداء والبنية الشعرية التي عبرت من الأندلس إلى المغرب، عملت الزوايا على الحفاظ على التراث الموسيقي الأندلسي من الاندثار؛ لأنه يعد تراثاً مغربياً عريقاً يمتد لقرون طويلة، وتأثر السماع المغربي بالموسيقا الأندلسية جعله يتميز عن السماع في المشرق.

والسماع من الفنون العريقة في المغرب؛ لأنه نبت في تربة حققت له التفرد على المستوى الجمالي ومكنته من الانتشار بين العامة، فلم يقتصر على الزوايا والرباطات، وإنما يستمتع بلطائفه كل المغاربة منذ القديم، واليوم زاد من انتشاره، انتقاله إلى المسارح وشاشات التلفزيون والمناسبات الخاصة، فأصبح متداولاً أكثر من السابق، واتسعت دائرة انتشاره، فأصبحت وصلات المديح والسماع تبث في السهرات الموسيقية الأسبوعية التي يبثها التلفزيون المغربي وعلى الشبكة العنكبوتية، كما تنظم حفلات السماع في المناسبات الخاصة وتعرض على المسارح وفي القاعات. وبذلك يكون وعي المجتمع المغربي بأهمية السماع مَن ضَمِن استمراره، ويؤكد ذلك الباحث المغربي محمد التهامي الحراق بقوله: «تم احتضان المجتمع لهذا الفن في مختلف المناسبات العامة والخاصة، مما جعل من السماع مظهراً ثقافياً وروحياً يضطلع بدور مهم في التعبير عن الوجدان الديني الجمعي للمغاربة، أكانوا صوفية أم غير صوفية».

ومن أسباب تطور السماع في المغرب، ظهور أعلام شعرية تخصصت في الشعر الصوفي بالمغرب والأندلس ومن هؤلاء، محيي الدين ابن عربي وأبي الحسن الششتري، كما نهل السماع فيها من أشعار المتصوفة المشارقة، كرابعة العدوية والجنيد والحلاج، والبوصيري وابن الفارض وأيضاً استفاد من «الموشحات» الأندلسية، وقد برع المغاربة في إنشاد أمهات القصائد، كقصيدتي «البردة» و«الهمزية» للبوصيري والمنفرجة لابن النحوي، وقصائد الكثير من المتصوفة الذين ذكرناهم والذين لم نذكرهم سواء أكانوا من المغرب أو من المشرق، ولا تزال فرق فنية مغربية تتغنى بالأشعار الصوفية، كفرقة «ابن عربي» التي تأسست سنة 1988 في مدينة طنجة المغربية، وتخصصت في الغناء الصوفي، فهي تتغنى بالإرث الصوفي لحنًا وإنشادًا. وفرقة «الحضرة الشفشاونية»، وهي فرقة نسائية تنشد فوق المسارح، وتقوم بإحياء التراث الصوفي من خلال إنشاد قصائد مدح المصطفى مع ضرب الدفوف.

ونظرة أرهف على السماع بالمغرب تؤكد أن هذا الفن لم تتأثر شعبيته، رغم انتشار ألوان موسيقية واردة من الغرب، فظل محافظاً على مكانته وعلى جمهوره، كما أصبح ينافس الألوان الموسيقية الأخرى، ويتفوق عليها في الكثير من الأحيان، وذلك راجع بالأساس إلى خصائص هذا الفن الروحية، وللرعاية التي حظي بها من قبل الجهات الرسمية والمجتمع المدني، وللجهود التي تبذل لتأهيل الجيل الجديد لحمل المشعل، حيث أغلب فرق السماع الصوفي بالمغرب منشدوها من الشبان والشابات، وما يميز السماع كفن أصيل بالمغرب، امتهانه من قبل النساء أيضا، وهي ميزة يتفرد بها المغرب عن بقية الدول العربية.

ومن مظاهر الحفاظ على فن السماع في المغرب والتعريف به عبر العالم، تنظيم «مهرجان الموسيقى الروحية»، كل سنة، في مدينة فاس لعرض نماذج من هذا الفن على الجمهور الواسع والتعريف به وضمان استمراريته وتطويره، وأيضاً تنظم ندوات فكرية حول التصوف، وتشارك في هذا المهرجان فرق سماعية من المغرب ومن باقي دول العالم الإسلامي.

السماع بين التحريم والإجازة

اختلفت المذاهب الفقهية في أمر السماع، فمنها من حرمه بالجملة، ومنها من أجازه بشروط، لكن المتصوفة أنفسهم حصنوا هذا الفن، حتى لا تتسرب له بعض البدع، فتعاملوا في ممارستهم له بصرامة؛ لأنهم بطبعهم يحرصون على ألا يتمادوا في تصرفاتهم كي لا يتجاوزوا ما تَحدد في الشريعة؛ لأن مقام الإحسان الذي يحاولون تحقيقه، لا يتم إلا ضمن حدود الشريعة؛ وما جاء في إجازة السماع، ما نقله محمد السفاريني الحنبلي، عن إبراهيم بن عبد الله القلانسي، رحمه الله تعالى؛ أن الإمام أحمد أقر الصوفية على ذلك وامتدح أحوالهم، فقال: «لا أعلم أقواما أفضل منهم. قيل إنهم يستمعون‏‭ ‬ويتواجدون، ‬قال: ‬دعوهم ‬يفرحون ‬مع ‬الله ‬ساعة»‬. أما الإمام أبو القاسم القشيري، فقد رسم حدود السماع في رسالته ونقتطف منها: «إن سماع الأشعار بالألحان الطيبة والأنغام المستلذة، مباح في الجملة، إذا لم يعتقد المستمع محظوراً ولم يسمع على مذموم في الشرع، ولم ينجر في زمام هواه، ولم ينخرط في سلك لهوه».

القوّالون.. لكل شيخ طريقة (أرشيفية)

تعددت مدارس السماع في العالم العربي تبعاً لتعدد الطرق الصوفية، وتبادلت التأثير والتأثر فيما بينها، كالطريقة المولوية والنقشبندية والشاذلية والحراقية والعيساوية وغيرها، وما يميز هذه الطرق أنها كلها محكومة بالنسق الإحساني والعرفاني فهو الذي يشكل نسيجها ولحمتها. واللطيف في الأمر أن الكثير من الطرق الصوفية اشتهرت وزادت شعبيتها على مر السنين، وكثر أتباعها ومريدوها ولا زالت مستمرة إلى يومنا هذا نتيجة إبداعها لطرق متميزة في السماع كالمولوية التي قرنت الإنشاد الديني بأنين الناي والرقص.

ضريح يرقص

يعد السماع، طريق المحبين الموصل للفرح والغبطة والنور، ومن خلاله يؤكدون أن لا مجال للحزن في التصوف، وإنما هو فرح مستمر، يمتد لما بعد الموت، حيث هناك فرح باللقاء، وأكد جلال الدين الرومي ذلك بقوله: «حين تقبل زائرا قبري ستجد ضريحي المسقوف يرقص، فلا تأتي يا أخي دونما دف إلى قبري، فليس هناك من مكان للحزين في الوليمة».

سُقيا الأرواح

يقول عبد القادر عيسى في كتاب: حقائق في التصوف، إن السماع لدى الصوفية:«يثير أحوالهم الحسنة، ويظهر وجدهم، ويبعث ساكن الشوق ويحرك القلب، ولما كانت قلوبهم بربهم متعلقة، وعليه عاكفة، وفي حضرة قربه قائمة، كان السماع يسقي أرواحهم، ويسرع في سيرهم إلى الله تعالى».
____
*الاتحاد الثقافي

شاهد أيضاً

رحيل هارولد بلوم… آخر حراس الحصن الشكسبيري

خلف نحو أربعين كتاباً اعتُمد الكثير منها في المناهج الأكاديمية الأدبية. *لطفية الدليمي رحل مؤخراً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *