الرئيسية / نصوص / هذا ما يحدث أحياناً

هذا ما يحدث أحياناً

خاص- ثقافات

*محمد مراد أباظة

تنوي اختلاس قيلولة من ضجيج النهار، تستلقي، تغفو، تغرق في سبات عميق، تستيقظ فتجد الساعة قد تجاوزت الواحدة أو الثانية صباحاً، فتشتم بينك وبين نفسك، متحسراً على الوقت الذي التهمته تلك القيلولة. لكنك، بعد لحظات، تراجع نفسك قليلاً، وتبتلع بقية الشتائم العشوائية مصغياً إلى صمت الليل في الخارج، والكل نيام، وأنت متخم بالصحو، وشيطانك الصغير يهتف، وهو في قمة حيويته، بـ(وجدتها)، ويوشوشك:
(انتزع جسدك من غواية الفراش وإغراء الأحلام اليقِظة، واجلسْ إلى طاولتك لتكتب شيئاً: أيَّ شيء؟ فأنت وحدك وفي كامل صحوك، وليس ثمة من يشاغب في الجوار، ولا أحد، في مثل هذا الوقت، سيمرّ بطاولتك بين الحين والآخر ليستفزّك بسؤال لا يعني لك شيئاً أو يلقي عليك محاضرة فائضة عن الحاجة يعظك فيها بأهمية نوم الليل الصحية أو يتفضَّل عليك بنصيحة أزلية للإقلاع عن التدخين أو التقليل منه. قم وتنكَّبْ قلمك، واشحذ أفكارك، إنه طقسك المفضل للكتابة)..

فتصغي إليه، تقتنع بنصيحته، تنتشل نفسك من فحيح الفراش الدافئ لتلبي رغبته ورغبتك.

وتبدأ بتهيئة الطقس: إبريق الشاي، علبة السجائر، الأوراق البيض غير المسطّرة، وبدءاً، لفتح الشهية، تدعو شوبان ليعزف لك إحدى مقطوعاته على البيانو، تجلس وأنت على أهبة الاستعداد. وتنتظر. تشرب من الشاي كوباً تلو كوب، تدخن سيجارة بعد أخرى، تطلب إلى أصدقائك المقرّبين الحضور ليحلّوا ضيوفاً فيعطّروا طقسك. ويلبّون دعوتك، فيروز بعبق صوتها، هندل بوتريّاته، بيتهوفن بسوناتاته، رودريكو بغيتاره، كورساكوف بشهرزاده، تشايكوفسكي ببجعاته الرشيقات، وبين الحين والآخر يطل عليك درويش فيسمعك قصيدة، وأنت تنتظر. ترسم شخبرات لا معنى لها على الوريقة، تمزّقها، تلقي بفُتاتها جانباً، تستند برأسك إلى طرف الطاولة حيناً، وحيناً إلى مسند الكرسي، وتنتظر. تستجدي شيطانك الصغير ليوحي إليك بفكرة ما، تتوسَّل إلى ذاكرتك بكلمة تبدأ بها رحلتك. ولا فائدة. يلوذ شيطانك الصغير بزاوية معتمة في دهاليز رأسك، وتأبى ذاكرتك منحك أية طرف خيط، وتتغاضى اللحظة الطقسية عن إنقاذك من مضيق الصمت.

يصيبك الملل، اليأس، تُبعد الأوراق جانباً، تطلب إلى أصدقائك الرحيل، تجرع آخر رشفة من آخر كوب الشاي، تطفئ سيجارتك الأخيرة، تترك الطاولة، تستلقي في فراشك محدقاً بالفراغ دون أن تفكِّر في شيء، وقد غفا شيطانك الصغير، هو الآخر، متناسياً هزيمته وهزيمتك في الخامسة والنصف صباحاً.

شاهد أيضاً

أغنية محشوة بالريش

خاص- ثقافات *عبد الرحيم التوراني في غرفة الانتظار ظلوا مدثرين بالصمت، وبقوا على حالهم هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *