الرئيسية / إضاءات / مناهج العربية في الأردن.. متحفية

مناهج العربية في الأردن.. متحفية

عمّان-  رغم بدء مرحلة التطوير الأولى على مناهج اللغة العربية في الأردن ضمن استراتيجية شاملة للتعليم تنتهي عام 2025 إلاّ أن مقومّات تدريس مهارات الكتابة والقراءة بالفصحى وتذوّق الأدب وفهم البلاغة والتشجيع على المطالعة، لا تزال قاصرة. لقد أعلنت الملكة رانيا العبد الله صراحة ضمن مؤتمر تنموي مؤخراً أن 80

% من تلاميذ المرحلة الأساسية (التأسيسية) لا سيما الصف الثاني والصف الثالث الابتدائيين دون مستوى القراءة المفترض، الأمر الذي يؤدي إلى وصول «أميين» للمرحلة الثانوية، فيما كشف محمد الذنيبات وزير التربية والتعليم السابق عن وجود نحو 100 ألف طالب وطالبة في مختلف المراحل الدراسية لا يجيدون القراءة والكتابة كما يجب، وهم يشكلون 22 % من إجمالي طلبة المملكة فضلاً عن افتقاد نسبة مقلقة من خريجي «التوجيهي» والجامعات لأساسيات لغوية ونحوية مبدئية ومفاهيم تتعلق بتذوق البلاغة ومعرفة الفرق بين المحسنات البديعية.

الخبير التربوي الكاتب والناقد د. ذوقان عبيدات عضو مجلس التعليم السابق، أكد أن التعديلات الجديدة على مناهج اللغة العربية الأردنية للمرحلة الدراسية المتوسطة أضافت عشر قصائد لم تكن موجودة في السابق، وتخلّصت من نصوص واهية سابقة ومع ذلك لا تزال هذه التعديلات ناقصة ومحدودة.

وحدد عبيدات جوانب الخلل في غياب مهارات التفكير عن مناهج العربية، وعدم القدرة على إكساب الطلاب مهارة قراءة ما بين السطور وتقويم النصوص والتمييز بين المبالغات والحقائق.

واستعرض عبيدات بعض محتويات كتاب اللغة العربية للصف التاسع الفاصل بين المرحلتين المتوسطة والثانوية قائلاً: «اقتصر الكتاب على الذكاء اللغوي دون توظيف الذكاء البيني والتأملي والاجتماعي والإيقاعي والبصري والحركي، وتمحورت النصوص حول الأخلاق والمحبة والعتاب والمشاعر الإنسانية والارتباط مع الوطن، وانحازت إلى الشعر الرقيق لأسماء معروفة بينها محمود درويش وحيدر محمود وأحمد رامي وزهير أبي سلمة وأحمد شوقي، لكنها لم تراع غالباً الفئة العمرية المستهدفة ولم تُقدَّم بطرق وأساليب تنمي الذائقة وتخاطب الفكر والوجدان ولم تمنح فرصة محفزة للمطالعة الموسعة في المكتبة والبحث عن نصوص أخرى من باب الثقافة».
وأضاف: «يفتقد منهاج اللغة العربية لإثراء جوانب الجمال والذوق وتنويع مصادر الأدب ومواكبة أسماء مهمة في الشعر والرواية والقصة ومجالات الثقافة، أما طريقة تدريس الكتابة والمطالعة وقواعد النحو فلا تزال غير متعمقة وتقتصر على نصوص ومواضيع إنشاء ضمن دائرة مغلقة منذ عقود، ولا تفتح أفقاً لتطوير مهارات القراءة، وينقص الكتب رسوم وصور شخصيات مؤثرة في الأدب العربي ونبذة موجزة عنهم، ولا توجد لوحات تدل على المتاحف والمكتبات ولا نماذج لأغلفة روايات عربية وعالمية وهناك انتقاص واضح لحضور الشاعرات ونصوصهن».
ورأى عبيدات أن كتاب اللغة العربية في المرحلة المتوسطة في الأردن ما زال متوقفاً عند شخصيات قديمة ولا يقدم أخرى معاصرة، وينقصه طرح قضايا حول أهمية اللغة الفصحى، وغاب عنه النثر المتجدد ولا يشجع على أنشطة التحليل الأدبي والإبداع ويغفل طرح أسئلة عن مبادرات عربية تهتم بالقراءة للتحفيز عليها.

أخطاء إملائية مخجلة

وانتقد د. وليد المعاني وزير التعليم العالي الأسبق بناء مناهج اللغة العربية في المرحلة الثانوية ما يؤدي إلى وصول طلبة لتخصصات عليا في الجامعات من دون إتقان الكتابة ووجود رسائل ماجستير ودكتوراه مليئة بأخطاء إملائية مخجلة.

وقال: «نحن أمام مشكلة ليست صغيرة لمستها حين كنت رئيساً للجامعة الأردنية، إذ تعاملت مع طلبة لا يعرفون أساسات نطق اللغة بصورة صحيحة ولا يجيدون كتابة بحث مختصر لا يخلو من أخطاء فادحة وهذا مرتبط بمستوى منهج اللغة العربية في المدرسة».

ووصفت د. لانا مامكغ وزيرة الثقافة الأردنية السابقة مناهج اللغة العربية بأنها «متحفية وجامدة»ولم تتغير بصورة مطلوبة تجعلها جاذبة ومقبولة للطلبة وتسهم في تأسيس جوانب بلاغية وتحفّز على الثقافة والرغبة للأدب والنهل من الشعر والرواية وقراءة الكتب.
ورأت محتويات كتب الصرف والنحو والنصوص «طاردة» لاسيما في المرحلتين التأسيسية والمتوسطة، وتتحول إلى حفظ دون فهم في المرحلة الثانوية ولا يمكنها اكتشاف من لديهم ملكات إبداعية مبكرة ولذلك يلجأ ما يُطلق عليهم «الشعراء الجدد» للكتابة على صفحات إلكترونية ووسائط تقنية بلغة ركيكة وأخطاء إملائية ولغوية فادحة، فضلاً عن ظهور مذيعات على شاشة التلفزيون الأردني لا يفرّقن بين نُطق الأحرف ولا يجدن القراءة الصحيحة للكلمات.
وأكد د. هاني الضمور نائب رئيس الجامعة الأردنية أن بدء استراتيجية جديدة لتطوير مناهج اللغة العربية يدل على وجوب تدارك جوانب خلل لازم أجيالاً تخرجت في «التوجيهي» لا تعرف ربما الفرق بين تشكيل الكلمات وأدوات النصب والجر وكيفية التنوين. وأيّد أن المشكلة تبدأ من المرحلة التأسيسية في المدرسة وتتراكم حتى التخرج في «التوجيهي» ويصبح الإصلاح صعباً في المرحلة الجامعية.

وقال د. يوسف ربابعة رئيس قسم اللغة العربية في جامعة فيلادلفيا: مناهج اللغة العربية في قفص الاتهام لدورها الرئيسي في ضعف قدرات الطلبة ولقصورها عن تحقيق الأهداف اللغوية والتربوية والوطنية التي وضعت من أجلها وهذا يشمل المفهوم الواسع للمنهج ومحتوى الكتب والوسائل التعليمية وطرق التدريس وطرق التقويم والأنشطة اللاصفية، وهي تفتقر عناصر التشويق ويشعر الطالب أنها لا ترتبط بواقعه المتطور.

وأكد د. محمد الذنيبات وزير التربية والتعليم السابق أن الخطة الجديدة التي انطلقت لتحسين مناهج اللغة العربية راعت تجنّب الإشكالات القائمة على مراحل وبدأت بتخليص منهج الصفوف التأسيسية تحديداً من مقررات لا تخرّج أجيالاً متمسكة بالأدب والاهتمام بتخصيص مختبرات ووسائل تعليم في المكتبات وعبر لوحات أدائية مصاحبة وبحضور مجموعة شعراء وروائيين ومثقفين وتنمية مهارات القراءة والكتابة.

______
*الخليج الثقافي

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *