الرئيسية / نصوص / قصص حلبية!

قصص حلبية!

خاص- ثقافات

*مرزوق الحلبي

أنا مَيْس، ابنة السادسة

من حي صلاح الدين،

في تلك اللحظة لم أكن قد استوعبت بعد،

غياب أمي وأختيّ في الحفرة،

الحفرة التي فتحتها البراميل المتدحرجة

كالرعود

كانت العتمة شديدة

ولم أرَ هوة الوقت

رجاءً، أنت تعرف تلك التي تغني لأطفال فلسطين،

قُل لها لو أنها خصتني بأغنية واحدة

لكنت أغنّي معها، الآن!

طائرة روسية سريعة

قطعت طريقي وأنا أحمل الماء لطفليَ المُصاب

لم أفهم لغتها التي لم نسمعها من قبل في حي

الخالدية،

ولم يفقه الطيّار شيئا من أمومتي

عندما أخذني الصاروخ لم يعد يهمّني

كنت أفكّر بامرأة غزّية اسمها كاسمي

أخذها صاروخٌ مماثل

بعيدا عن طفليها الجميلين

سأذكرها ما مُتُّ

أنا مصطفى خليفة،

طبيب من فريق القُبّعات الزرق في طريق الباب

كنتُ أدلّك قلب شاب مُصاب

بهوى الشام

عندما واجهت رصاصة القناص بين عينيّ

شعرت باختلاط عرَقي بدمي

وتقلّص الوقت في أمنية واحدة:

أن يبقى حيًّا

فأكون قد متّ ليحيا

فيعود إلى فلسطين بلد أمه يوما ما

كنتُ أرتّب بعضَ الكتب التي أحبّ

لآخذها معنا ونحن خارجون من كرم الجبل،

حزمنا أمتعتنا الخفيفة، أنا وأمي وأختي،

ما تبقى من عائلتنا في حي أبو صلاح

صوّبوا نحونا بلغات لا نعرفها

فمتنا على الفور

لم أتألّم لأن أعصابي كانت مشدودة

إلى الكتب،

لو أنك تستطيع إيصالها إلى طفل

في عنّاتا

له من السنين والأحلام ما لي

ساعدني فأكون مُتّ على أمل!

قلتُ لنفسي

لتذهب العلوم السياسية إلى الجحيم،

تركتُ منصبي الجامعي

مع الشبان المستحكمين في مدخل الصاخور

حاولوا إعفائي من مهمات القتال

وظلوا يخاطبونني “يا أستاذ”

كانت لياقتهم البدنية ظاهرة

فطاروا من مخبأ إلى مخبأ

أما أنا فكان جسدي المخبأ الوحيد الذي استطعت الوصول إليه

عندما طالته الصواريخ

كنتُ أقول للشبان أنهم علموني الكرامة،

مساق غير موجود في جامعات الوطن

أنا فاطمة،

مكثت خمسة أيام تحت أنقاض العمارة

شعرت كيف يخذلني الهواء

وينفد مني الوقت

آلمني أنني لم أستطيع إيصال

الذخيرة إلى المقاتلين في الأكرمية

سيتفهمون الوضع وهم الواقفون في أعلى

نقطة من الشام

يُنقذون أسماءنا ووجوهنا وتاريخنا

من فكي الطاغية

نحن هنا، في الأعظمية

راوي ونزار وأنا،

تُحاصرنا العساكر القادمة

من جميع الجهات،

نُحصي الرصاصات المتبقية في بيت النار

ونحصي أوقاتنا،

نموت واقفين مثلكم أنتم الفلسطينيون

موتا يُغيظ العدا

ليسلم التاريخ من الأذى،

ولا ينكسر الناموس

مياه الأمطار هي الشيء الوحيد

الذي أدخلناه إلى جوفنا

منذ ثلاثة أيام،

القناصون على مرمى شتيمة

وحي الشعّار مُحاصر من الجو

ومن جميع الجهات،

نتكئ على أجسادنا النحيلة

كي نطلّ على اللحظات التي بقيت لنا

ونبتسم لما اخترناه

التقاء الطُغاة وجها لوجه وإن كانت لغاتهم مُختلفة

______

*شاعر فلسطيني

شاهد أيضاً

أغنية محشوة بالريش

خاص- ثقافات *عبد الرحيم التوراني في غرفة الانتظار ظلوا مدثرين بالصمت، وبقوا على حالهم هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *