الرئيسية / مقالات / حماري وأنا

حماري وأنا

خاص- ثقافات

*يوسف غيشان

وحماري طَرِبٌ بالكون

والذي لا يطربُ بالكون غَبيٌ.

مظفر النواب

الضوء الخافت ، رجفة اليد ، القلم المسكون بالرعشة والورقة المستسلمة لإغتلام الكلمات ، ورفيقي المناوئ على الكرسي المقابل (فؤاد ابو حجلة ) مُفنجراً عينيه أمامي يبحث عن الكآبة حتى في نكات الحشاشين .

فجأة ارتسمت شبه ابتسامة على ( براطم ” أبو حجلة ” ) وهو يلفت نظري إلى خيال الظل المرتسم بصفاقة على ورقتي … كان القلم ويداي يرسمان ظل رأس حمارٍ يتحرك مع ارتعاشات الورقة ، فضحكنا – أبو حجلة وأنا – ضحك طفلين معاً .

وبما أني فقدت الدهشة ، وفقدت الفارق بين الحزن والفرح ، بين الابتسامة والدمعة …. وصارت الضحكة إمضاء للألم ، والدمعة دلالة على ( انفغاج ) بصلة الروح اليتيمة. بما أني فقدت الدهشة ، فلم أعرف بالضبط كُنه شعوري من وراء ملاحظة المسخوط فؤاد أبو حجلة.

( كُن حارّاً أو بادراً ، ولا تكن فاتراً وإلا لفظتك من فمي ) – الكتاب المقدس .

هل أضحك من مسرح الظل هذا الذي خاوى بين الحمار وبيني ، وجعلني أبا بالتبني لرأس حمارٍ حَرِنْ ؟ أم أبكي لهذا المصير الذي جعلني أمتشق القلم سلاحاً في وجه ( وطاويط ) العالم ، وطاويط معدنية … وطاويط حرباوية اللون والرائحة ، وكان الأحرى بي أن أواجهها بالمسدس ، بالأظافر ، بالأعين ( الشزرا ) على الأقل ، بدل إخفاء جبني وراء غنج الكلمات المخنث.

لكني عدت وعزيت نفسي أن في البدء كانت الكلمة ، وأن الرحمن طلب من نبيه القراءة اولاً ، فتخيلتُ نفسي رائد إصلاح يحمل أرادة التغيير والثورة ، لكن ظلال ابني بالتبني ” رأس الحمار ” جعلني أعود إلى الواقع واعترف ، بأن تأثير الكلمة عندنا لا يزيد عن تأثير خطاب ناري يهاجم فيه مذيع عربي الصهيونية ويتوعدها بالويل والثبور ، هنا اكتشفت أنني أكثر شقاوة من رأس الحمار هذا ، لأني امتلك – يا للخسارة – وعياً يعذبني ( ويمرمطني ) ويرميني أشلاء على رصيف حركة التاريخ.

حيلة نفسية أخيرة اعتمدتها وروحي المفجوعة بأن ذكرتني بالتاريخ العربي يوم كان للكلمة فعل السحر ، والكتب تساوي وزنها ذهبا.ً أوقفت من غلواء الروح بأن بدأت انشد :

الخيل والليل والبيداء تعرفـــنــي

                      والسيف والرمح والقرطاس والقلم

فهمتْ الروح قصدي وعرفت إني أشير إلى بيت الشعر الذي قتل صاحبه  ، وأني بذلك أُذكرها بكل إنجازات القلم التي قتلت أصحابها وقتلت أتباعها دون جدوى أو مبرر أذكرها بما ارتكب التاريخ العربي من مجازر بحق الكتاب والمفكرين والمجددين والمفسرين والفلاسفة ، اذكرها بأولئك الذين سُمِلَتْ أعينهم وقُطعت أيديهم وأرجلهم من خلافٍ ، وعلقت رؤوسهم على أسوار المدن القاسية .

هنا قرّعتني الروح بانفعال :

ولكن أيها الأحمق ، هل تريد أن تكتب وتصلح وتحارب الظلام والفساد ، دون أن تدفع الثمن …. هذا العذاب هو ضريبة يدفعها فقط أولئك الذين لا يفكرون بأنفسهم فقط، بل يفكرون في الناس …. هل تضخمت عندك ( الأنا) لدرجة أنك تريد أن تقطف الحصرم وأنت تعتلي  ظهر الناطور ؟ ! .

أخجلتني الروح ، فلعنت فؤاداً في سري ، وعُدتُ تدريجياً لأشعر بإحساس المناضل الذي يكافح الظلم والفساد.

ولكنّ هذا الشعور لم يمنعني من اختلاس نظرة حسد لرأس حسد لرأس الحمار المرسوم على الورقة.
___
*كاتب أردني

ghishan@gmail.com

شاهد أيضاً

هل وقع احتلال محمود درويش بعد موته؟

عبدالدائم السلامي  –  يحفل تاريخُ الثقافات البشرية بحالات كثيرة انصبَّ فيها جهد بعض تلك الثقافات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *