الرئيسية / إضاءات / الرواية إيقاع الثقافة

الرواية إيقاع الثقافة

*محمد الأسعد

لئن كان لكلِ لغة تنطقها الألسنة لهجتها الخاصة ولكنتها المميزة، فإن كل لغة يكتب بها أي روائي «حقيقي» تشفُ عن هاتين الخاصيتين في أعماله، سواء كانت نثراً أو شعراً، وسواء كتبها بلغته الفصحى أو بإحدى لهجاتها، ويمكن تمييز هذه الخصوصية أو الطابع الخاص بما هو أبرز، أي مستوى الروائي الثقافي. ولكن ما نلاحظه بوصفه طابعاً يميز رواية عن أخرى يتجاوز ثقافة فرد إلى ما يمكن أن نطلق عليه بتوسع ثقافة أمة، وكتشبيهٍ أول يمكن أن نلحظ هذا كانعكاس مرئياتٍ على صفحةِ مياه بحيرة أو نهر، تماماً كما تنعكس على هذه الصفحة أشكالُ البيوت والأشجار المشاطئة بمواصفاتها المعمارية وألوان الطبيعة، بالإضافة إلى انعكاس مشاهد الغيوم في السماء أو الطيور وشتى المظاهر التي تتكون منها البيئة.
وكتشبيهٍ ثان، يمكن أن نصغي من دون أن نتوقف عن النظر، إلى أصداء إيقاعاتٍ سارية في هذه الثقافة تصدر عن طرائق السرد والتعامل مع وحدات الزمن، وأساليب الاحتفالات والشعائر الدينية وتنسيق الزهور وإعداد جلسات تناول الشاي، وفي عدد كبير من الأنشطة الدالة على فعل إنسان هذه الأرض أو تلك في نفسه وفي ما حوله، وفي طبيعة العلاقات التي يقيمها مع الناس من حوله، وما يتخيله عن الآخرين. كل هذا بالطبع ليس نتاج الصور المغروسة في ذهنه بسبب موروثاته ومعتقداته فقط، بل وبسبب الآلة التي يعزف عليها، لأن لكل آلة موسيقية صوت خاص تصدره.

حتى اختلاف الآلات أو اختلاطها، كما نشهد في العصور الحديثة حيث تتصادى أصواتٌ قادمة من كل الجهات في رواية، شرقية أوغربية، تراثية أو حداثية، لا يستطيع محو النبرة الأصلية، أو الميزان الموسيقي الذي قامت الرواية على أساسه. ولعل تغلغل حكايات ألف ليلة التي يغلب عليها الطابع العربي، إلى جوار طوابع أخرى مستمدة من ثقافات شرقية متنوعة بين هندية وفارسية وصينية، في أكثر من بيئة، لهو الإشارة الأكثر وضوحاً إلى أن تنقل طرائق السرد وفنون المخيلة بين ثقافة وأخرى لا يخفى ذلك الإيقاع الأصلي الذي صدر عنها، وظل يتردد عبر العصور والأمكنة.
إذاً، بالنظر والإصغاء يمكن تلمس خصوصية الإيقاع الذي يميز روايات شعب عن روايات شعب آخر، وخاصة حين نصغي إلى الروايات الشعبية المتناقلة مشافهة. ويمكن تمييز هذا الإيقاع حتى لو كتب روائي بلغة غير لغته القومية، كما هو حال الآسيويين والأفارقة واللاتينيين الذي يكتبون بلغات أوروبية على سبيل المثال. وكثيراً ما نصادف أجنبياً عن لغة ما يولج حين يكتب فيها شيئاً دخيلاً عليها فتتحول «لغته» إلى لغة داخل اللغة حين يخرج على مواضعات فرضها تاريخ هذه اللغة على مستخدميها، ويستدخل مواضعات من فضاء ثقافته، فيبدو وكأنه يضيف عناصر كيميائية إلى عناصر مزيج معروفة سلفاً، إلا أن حصيلة التفاعل ستأتي بمادة لم يسبق أن عرفتها اللغة/المصدر، وتبدأ بالتعرف عليها بفعالية اللغة المستهدفة، أي اللغة الأجنبية.

يحدث هذا حين نقرأ رواية جزائرية باللغة الفرنسية، أو رواية هندية باللغة الإنجليزية، ففي مختلف الروايات، ومن مختلف اللغات، حين ننظر ونصغي إلى إيقاع السرد والصور وطرق الحديث والنقاش، ليس لنا أن ننسب الاختلاف بين هذه الرواية وتلك إلى تفرد الكاتب بأسلوب أو نحو من القول فقط، فهذا الاختلاف يمكن أن نجده في روايات المنتمين إلى الثقافة الواحدة، بل علينا أن نصغي وننظر إلى الإيقاع الشامل؛ الإيقاع الثقافي الذي يهيمن على عدد من الكيفيات؛ على كيفية جريان الأحداث والحوارات، وكيفية رسم ملامح الشخصيات. وسنكتشف أن كل هذا يسير وفق مسافات صوتية أو سلالم موسيقية إذا شئنا، إضافة تشبيه ثالث يقربنا من هدف جلاء المقصود بأن لكل ثقافة إيقاع خاص، وبالتالي فإن لكل منتج من منتجاتها الفنية أو الأدبية طابعاً يختلف عن طوابع منتجات الثقافات الأخرى.

يؤدي هذا بنا إلى القول: إن لكل ثقافة مقاماتها الصوتية، فلو أخذنا الروايات الروسية، ما تسلسل منها على شكل ملاحم بدءاً من ملحمة «الحرب والسلام» لتولستوي وملحمة «الإخوة كارامازوف» لديستويفسكي، مروراً بملحمة «دكتور زيفاجو» لباسترناك، وصولاً إلى «الدون يجري هادئاً» لشولوخوف، سنجد أن إيقاعها يختلف اختلافاً كبيراً عن إيقاع الروايات اليابانية، وخاصة تلك التي كتبها كاواباتا وميشيما، ويختلف عن إيقاع الرواية الإنجليزية التي بلغت ذروتها مع ديكنز وأوستن، قبل أن تواصل الصعود وتبدأ مرحلة مختلفة مع مقامات جديدة يبتكرها جيمس جويس وفرجينيا وولف، ويختلف عن إيقاع الرواية الأمريكية كما كتبها هرمان ملفل صاحب «موبي ديك»، أو جون شتاينبك صاحب «عناقيد الغضب».

ولا يجب أن ننسى بالطبع الرواية الفرنسية الملحمية التي استعادت بتفاصيل مسهبة زمناً ضائعاً يكاد يكون لانهائياً على يد مارسيل بروست، أو روايات أمريكا اللاتينية التي حولها كتاب من أمثال ماركيز صاحب «مئة عام من العزلة» وأستورياس صاحب «الهاخاديتو» إلى شعر خالص يجري مثلما تجري الأنهار الريفية ببساطة وعمق. وتحضر في الذهن هنا روايات الأمريكي ترومان كابوتي التي تميزت بخصوصية قوامها حوارات ومشاهد الحياة اليومية الشبيهة بالاستطلاعات الصحفية، مما دفع صاحبها، وقد عاد يكتب بعد أزمة سنواته الأخيرة مع أسلوبه، كما لو كان طفلاً، إلى إطلاق تسمية «روايات غير متخيلة» على أعماله.

القائمة تطول عند تعداد تنوع أساليب أو مقامات السرد بين ثقافة وأخرى، والتنقل من قارة إلى قارة، ولذا من الأفضل اختصار ما نلمسه والهدف من كتابته؛ والقول إن تنوع المقامات الموسيقية والسرد الروائي يمنح النقد والنقاد، المتذوقين أيضاً، هواة الفن القصصي، نافذة جديدة تطل على حديقة لم تألفها كثير من الروايات العربية التي لا تفكر حتى الآن إلا في المفكر فيه.

رواية الياباني جونشيرو تانيزيكي، الأخوات ماكيوكا، وقبله روايات ياسوناري كاواباتا، وخاصة صوت الجبل وريف الثلوج، أثارت في ذهني فكرة خصوصية الإيقاع الثقافي، وخصوصاً حين يتحكم في السرد وزمنه، كأنه يحول الرواية إلى كلمات أغنية تتردد وفق مقام ذي مسافات صوتية، تشارك في عزفه آلات مختلفة باختلاف الجغرافيات. هنا تجد الأساس آلة «الكوتو» اليابانية، أما في عوالم أخرى، فستجد «الماراكاس» اللاتينية أو «البالالايكا» الروسية أو البيانو الإيطالي، ولن نعدم بالطبع وجود العود العربي أو السنتوري اليوناني الذي يؤلف اليوناني نيكوس كازانتزاكيس رواياته على إيقاعه.

ونلاحظ هنا: مع أن الياباني هوراكي موراكامي استعار في أعماله الروائية آلات غربية متنوعة وهو يعزف روايتيه، (الغابة النرويجية) و(جنوب الحدود/غرب الشمس)، إلا أن الطابع الخاص بيابانه ظل يسري في التفاصيل.

ينطبق على هذه الأعمال التي أثارت في الذهن فكرة خصوصية الإيقاع في الأعمال الأدبية، ما قيل عن موراكامي: إنه لا يشبه إلا نفسه؛ ونقول: هي أعمال لا تشبه إلا نفسها. ونجد من المناسب أن نضيف أخيراً أن الإيقاع لا يشمل الأصوات كما قد يتبادر إلى الذهن فقط، بل يشمل عناصر بصرية وفكرية متعددة تتمثل في طبيعة التعامل مع الضوء والظل، ومع المنظور الذي يختلف بين ثقافة وأخرى، ومع أسئلة الوجود المختلفة التي يطرحها هذا التراث الثقافي أو ذاك، ومع المعنى الذي يمنحه كل مجتمع لنشاطه الاقتصادي/الاجتماعي ومبتكراته. ولا يفوتنا أن نلاحظ أن هذه الخصوصيات المميزة للأنشطة الإنسانية، بما فيها النشاط الأدبي، ليس مصدرها أو سببها اختلاف في الحقيقة الإنسانية التي هي واحدة، بل مصدرها التكوين الثقافي أولاً وقبل كل شيء، وهذا من جانبه نتاج بيئة وتاريخ ومستوى تطور لا أكثر من ذلك، مما قد ينحرف إليه الذهن فيتصور أن مصدر الخصوصية اختلاف الأعراق أو الألوان أو قياسات الجمجمة، أو خريطة الجينات.
________
*الخليج الثقافي

شاهد أيضاً

علامات

*ثقافات – سامر المجالي لم يخطر ببال ستيفن هوكنغ أنه سينفق أربعين عاما من عمره …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *