الرئيسية / قراءات / رواية كافكا على الشاطئ والبحث عن معنى الوجود

رواية كافكا على الشاطئ والبحث عن معنى الوجود


*إبراهيم غرايبة


في البحث عن معنى الوجود وحقيقته، كما في سفر التكوين وقصة آدم في القرآن وأسطورة بروميثوس وأوديب، يحاول موراكامي أن يقدم استيعابا حديثا للقصة، ويواصل التأمل والتفكير في الحياة والعالم. ويبدو أنه يجد ذلك في التخلي عما أضيف إلى الحياة، واستعادتها كما بدأت؛ ثم النظر في رموزها من جديد. إذ يجد أن امتلاك هذه الرموز يصبح أهم من الحقيقة التي ترمز إليها، وربما للسبب نفسه نواصل قراءة الأسطورة.. أن تملك شيئا يجسد الحرية، يسعدك أكثر من الحرية، يقول موراكامي. وللسبب نفسه ربما، يكون الأقدر على الفهم والانسجام مع الكون والحياة هم الأقدر على التحرر من قيود العقل والحياة مثل ناكيتا وهوشينو الذين سنتعرف عليهما بعد قليل.

ناكيتا العجوز دخل في غيبوبة طويلة، وعندما يستيقظ يفقد الذاكرة والقدرة على التعلم. لكنه الأقدر على فهم الكائنات والحياة (ربما). وهوشينو الشاب الذي لم يكن يرى في الحياة سوى قيادة الشاحنات، يصبح في الأيام التي رافق فيها ناكيتا إنسانا جديدا؛ فاهما للحياة، ومحبا للقراءة والموسيقى!
إذا كان ذلك صحيحا، فإنه يمتد إلى كل الأشياء؛ أن تملك رموزها يسعدك أكثر من أن تملكها. النقود الورقية، والبطاقات البنكية، ترمز إلى المال وليست هي المال. ولكننا نحتفي بها أكثر من المال، بل لم نعد نعرف المال سوى النقود أو الـ”كريدت كارد”. والأيام والسنين ترمز إلى الزمن، وهي ليست هي الزمن، ولكن الزمن لم يعد يعرف إلا أنه دقائق وساعات. والرموز والطقوس الدينية هي رموز، ولكنها تحولت إلى حقائق تحجب ما ترمز إليه، ثم صارت تملك روايتها وهويتها المستقلة عما ترمز إليه!
في حديثه مع القطة، يقول ناكيتا إنه لا يقرأ ولا يكتب. ترد عليه القطة: أقول لك، وليس زهوا ولا خيلاء، أنا أيضا لا أقرأ ولا أكتب.. ربما لا تحتاج إلى القراءة والكتابة إلا بمقدار ما تساعدك على فهم ذاتك، وإدراك الحياة والعالم!
يعد الروائي الياباني هوراكي موراكامي من أهم الروائيين في العالم ممن هم على قيد الحياة حسب تصنيف صحيفة الغارديان، وتعد روايته “كافكا على الشاطئ” التي صدرت عام 2002 من أكثر رواياته شهرة وأهمية، ولقيت إقبالا كبيرا وترجمت إلى عدة لغات، وقد ترجمت إلى العربية عن الإنجليزية عام 2007، ونشرت الترجمة مؤسسة كلمة في أبو ظبي، ولكن لسوء الحظ لم نحظ بترجمة رائعة تليق بالرواية!
يقرر الفتى كافكا تامورا سارد الرواية في يوم عيد ميلاده الخامس عشر أن يغادر بيت أبيه من غير رجعة، ويختار أن يسافر إلى مدينة كاتاماتشو، والتي تبعد عن طوكيو، حيث يعيش الفتى 450 ميلا، ويحجز مسبقا في فندق في المدينة، ليمضي وقته في مكتبة أنشأتها عائلة عريقة وثرية في المدينة، ويرشد الفتى في تفكيره وقراراته فتى آخر يتمثل له في هيئة غراب “كرو” ولعله تامورا نفسه أو جانب خفي من شخصيته.
يقترح كرو على تامورا، وهو جالس في مكتب أبيه يفكر أن يؤديا لعبة يلعبانها دائما، يغمض عينيه ويأخذ نفسا عميقا، ويتبع ما يقوله كرو: تخيل عاصفة رملية رهيبة.. ولا تفكر في شيء آخر، يفعل تامورا كما يقول ويخرج من دماغه كل شيء آخر “حتى إنني انسى من أكون، أصبح صفحة بيضاء” يستمع الى كرو يحدثه، .. “القدر كعاصفة رملية لا تنفك تغير اتجاهاتها، وانت تغير اتجاهك، لكنها تلاحقك، تراوغها مرة بعد أخرى، لكنها تتكيف وتتبعك، .. تلعب هكذا مرارا، كرقصة مشؤومة مع الموت في الفجر. لماذا؟ لأن هذه العاصفة ليست شيئا يهب فجأة من بعيد، ليست شيئا لا يمت لك بصلة، إنها أنت، شيء في داخلك، وكل ما عليك فعله هو أن تستسلم لها، أدخل إليها مباشرة، أغمض عينيك، وسدّ أذنيك حتى لا تتسلل الرمال إليهما، وسر في العاصفة، خطوة بعد خطوة، ليس من شمس هناك ولا قمر، ولا اتجاهات، ولا إحساس بالزمن، فقط دوامة من الرمال البيضاء الناعمة تصعد إلى السماء كعظام مطحونة، هذه هي العاصفة التي عليك أن تتخيلها”.
وعليك أن تنجو وسط تلك العاصفة الباطشة الميتافيزيقية الرمزية. الخطأ ممنوع، .. ولحظة انتهاء العاصفة لن تتذكر كيف نجوت أو كيف تدبرت أمرك لتنجو، ولن تدرك هل انتهت العاصفة أم لا ستكون متيقنا من أمر واحد فقط: حين تخرج من العاصفة لن تعود الشخص نفسه الذي دخلها، ولهذا السبب وحده كانت العاصفة.
وفي طريقه إلى المدينة النائية، ليعيش في مكتبتها الصغيرة يتعرف على ساكورا، فتاة تكبره بستة أعوام كانت هي الأخرى مسافرة من طوكيو، لتعمل مكان صديقتها مصففة الشعر، والتي ستمضي إجازة لمدة شهر، يتحدثان قليلا في الاستراحة في الطريق، وتطلب منه أن يجلس بجانبها في الباص، وفي نهاية الرحلة تعطيه رقم موبايلها، وتخبره بأنها سوف تعيش في شقة صديقتها.
يذهب كافكا تامورا للإقامة في فندق كان قد حجز فيه مسبقا، ويقرر أن يمضي وقته في المكتبة في القراءة، “كانت المكتبة بمثابة بيتي الثاني” يقول تامورا، وكان قد عرف من خلال الإنترنت عن قصة المكتبة التي أنشأتها العائلة العريقة الثرية في المدينة، وعرف أيضا أن المبنى نفسه والحديقة المحيطة به يستحقان الزيارة، .. مكتبة كوميورا هذا هو اسمها، ويستقبله في المكتبة شاب وسيم اسمه “أوشيما” يتبين فيما بعد أنه فتاة، أو هو من الجنس الثالث يشعر أنه فتاة ويبدو شابا، وفي الواقع فإنه فتاة تأتيها الدورة الشهرية، ولكن لم ينمُ صدرها مثل الفتيات، ولم يغير طبيعته وظل كما يبدو “فتى”.
يجد تامورا أن المكتبة هي المكان الذي كان يبحث عنه طوال حياته، مخبأ صغير في مكان ما، كان يفكر فيه كمكان خيالي وسري لا يصدق أنه موجود بالفعل، ويتحدث مع أوشيما ويصيران صديقين، يخبره أوشيما بما قرأه لريستوفانيس في أسطورة الوليمة: لم يكن الناس ينقسمون إلى رجال ونساء، ولكن كان كل شخص شخصين، ثم أخذ الرب سكينا وقطع الجميع إلى نصفين متساويين تماما، وصار العالم منقسما إلى رجال ونساء، وهكذا صار الجميع يقضون أعمارهم كل وراء نصفه الآخر، .. يتساءل كافكا تامورا ولم فعل الرب هذا؟ يقول أوشيما: للرب طرق غامضة في فعل الأشياء!
يجد كافكا تامورا نفسه في منتصف الليل نائما في ساحة معبد شينتو (ديانة ظهرت وتطورت في اليابان سبقت البوذية)، ولا يتذكر كيف وصل إلى هنا، آخر شيء يتذكره أنه أمضى نهاره في المكتبة وتناول عشاءه، ويلاحظ عندما يستيقظ بقعة لزجة من الدم على ملابسه، يحاول أن يزيلها ولكنها لا تزول، ويصيبه رعب لدرجة أن أسنانه تصطك ولا يستطيع إيقافها. لا يتذكر شيئا يفسر الدم اللزج الطازج على ملابسه، ويجد أنه بحاجة إلى مكان آمن دافئ يلجأ إليه، فيتصل بساكورا الفتاة التي تعرف عليها في الطريق إلى تاكاماتسو، فتستقبله في شقة صديقتها التي تقيم فيها، ويروي لها قصته، ..
تركت والدة تامورا بيت زوجها عندما كان في الرابعة من عمره، وأخذت معها أخته الكبرى، نعرف ذلك، وهو يروي لساكورا “لم أرها منذ ذلك الحين، ولا رأيت أمي، لم تتصل بنا، ولا أعرف مكانها، ولا أتذكر شكلها..”
تسأله ساكورا: كانت أختك طفلة متبناة؟ يجيبها: نعم، وولدت بعد هذا، ثم تتساءل ولكن عندما تركت أمك المنزل لم تأخذك، وبدلا من ذلك أخذت أختك المتبناة، هذا ليس ما تتوقعه من أم، لم فعلت هذا؟ لا يعرف كافكا تاموارا طبعا، يقول لقد سألت نفسي هذا السؤال مليون مرة!
في اليوم التالي، توجه كافكا تامورا إلى المكتبة كالعادة، ويجلس مع أوشيما يتحدثان ويتناولان شطائر أعدها أوشيما، يتحدثان عن رواية الخشخاش لناتسومي سوسيكي، يعرض كافكا تامورا فكرة الرواية في صياغة متقدمة تفوق قدرة فتى في الخامسة عشر (هل هي من هفوات الروائي موراكامي أم هي مقصودة بالفعل؟) عن شخصية الرواية الرئيسية الشاب الصغير الذي يعيش علاقة عاطفية مؤلمة، فيغرق في اليأس ويهرب من البيت ليعمل في منجم في باطن الأرض، ولكنها تجربة يقول كافكا تامورا إنها تجربة بلا إشارة لما تعلمه صاحبها تجعلك ينتابك إحساس غريب وتتعجب ما الذي يريد سوسيكي قوله؟
يستعين كافكا بأوشيما، ويسعى هذا في توظيفه في المكتبة مساعدا له، ويرتب له إقامة في كوخ تملكه عائلته في غابة بعيدة عن المدينة، يتحدثان في الطريق عن موسيقى شوبرت التي يحب أوشيما سماعها في أثناء القيادة، لأن عزفها الناقص يستفز من يقود السيارة ولا يجعله يستسلم للنوم “تجعلني أشعر بحدود قدرة البشر، أن هناك نوعا معينا من الكمال لا يمكن إدراكه سوى عبر التراكم غير المحدود للنقائص” .. يقول أوشيما.
يمضي كافكا تامورا في الكوخ عدة أيام وحيدا يفكر، يشعر أنه اقترف جريمة لا يتذكرها ولكن ثمة دليل واضح على ذلك هو الدم على ملابسه، يقرأ تعليقا على كتاب محاكمة أدولف ايخمان، القائد النازي الذي اختطفه جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد) عام 1960 من الأرجنتين، حيث كان يعيش متخفيا، وحوكم وأعدم في إسرائيل، التعليق مكتوب بقلم الرصاص في نهاية الكتاب بخط أوشيما كما يقدر كافكا تامورا (من السهل التعرف إلى خطه” “المسألة كلها خيال، مسؤوليتنا تبدأ بالقدرة على التخيل، كما قال ياتس في الأحلام تبدأ المسؤولية، ولكن في حالة إيخمان نشأت مسؤولية بلا قدرة على التخيل.
يتخيل كافاكا نفسه يحاكم بسبب الحلم وما حدث فيه، يقول المدعون: هذا الحلم تسلل إلى داخلك، إلى رواق روحك المظلم، تماما مثل أدولف ايخمان العالق شاء ذلك أم أبى في أحلام هتلر!
وبعد ثلاثة أيام من الإقامة وحيدا في الكوخ المعزول، يأتي أوشيما ويعيد كافاكا تامورا إلى المدينة ليبدأ العمل في المكتبة مساعد لأوشيما، ويتعرف على مديرة المكتبة الآنسة ساييكي، وتنشأ بينهما علاقة، رغم أن كافكا يتوقع أنها أمه، وأما هي فتظل كتومة ولا نعرف إن كانت أمّه بالفعل، كما يبدو أن ساكورا ربما تكون أخته ولكن ذلك كله يظل شكا وتلميحا.
كانت الآنسة سبايكي في طفولتها ذكية متفوقة وتعزق الموسيقى جيدا، وأحبت شابا من عائلة كوميورا، وفي التاسعة عشر ألفت قصيدة ولحنتها على البيانو عنوانها “كافكا على الشاطئ” وقد حققت نجاحا كبيرا، ولكن حبيبها قتل في أثناء دراسته الجامعية، ولم تغنّ بعده، وحبست نفسها في غرفتها، ثم اختفت من المدينة، وعادت بعد خمسة وعشرين عاما، لتعمل مديرة لمكتبة كوميورا (عائلة حبيبها) ومازالت تحيط نفسها بجدار عال وتظل بعيدة عن الناس.
يعيد كافكا تامورا في أثناء إقامته في المكتبة في الغرفة التي كانت تلتقي فيها ساييكي مع صديقها في منزل العائلة الذي تحول إلى مكتبة بعث أفكار وأحداث قديمة، الأغنية القديمة التي لحنتها “كافكا على الشاطئ” يسمعها مرارا، وينشئ فكرة عما يحرك الكثير من الناس فيها، أغنية مباشرة ورقيقة في الوقت نفسه، بنت التسعة عشر عاما الخجولة الآتية من بلدة بعيدة، تكتب كلمات عن حبيبها المسافر بعيدا، وتجلس على البيانو وتبدع لحنها، ثم تغني إبداعها هذا دون خجل أو تردد، هي لم تكتب الأغنية كي يسمعها الآخرون، وإنما لها فقط، لتدفئ بها قلبها، ولو قليلا، ..
كلمات بلا حروف
تقف في ظل الباب
وأصابع البنت الغارقة
تبحث عن حجر المدخل
ومن خارج النافذة هناك جنود
سرقوا أنفسهم كي يموتوا
****************
الشخصية الرئيسية الثانية في الرواية هو ناكيتا، كهل يوصف في الرواية دائما بأنه عجوز، لعله في منتصف العقد السابع، إذ إنه كما نتبين فيما بعد كان طفلا أثناء الحرب العالمية الثانية، وقد تعرض لحادث وفقد الوعي لعدة أشهر، وعندما استيقظ من غيبوبته كان قد فقد الذاكرة، ولم يعد قادرا على القراءة والكتابة، وعاش معوقا يعتمد على المعونة التي تقدمها البلدية لأمثاله، ولكن ناكيتا، رغم إعاقته وعجزه عن القراءة والكتابة يملك قوى وطاقات غامضة، فهو يستطيع محادثة القطط، ويملك تأثيرا على الطبيعة كما يقدر على التنبؤ بأشياء سوف تحدث، ..
وبسبب قدرته على محادثة القطط، فإنه يستطيع استرداد القطط الضالة ويعيدها إلى أصحابها مقابل مكافأة، وبالطبع فإن الناس لا يعرفون شيئا عن هذه الموهبة لناكيتا، هم يعرفون فقط أنه قادر على البحث عن القطط واستعادتها، ولكن ناكيتا يدخل في حوارات طويلة مع القطط تتجاوز السؤال والبحث عن القطط التائهة إلى الحياة والبشر، .. يخبره أحد القطط أن مشكلته الحقيقية ليست في أنه غبي كما يصفه الناس دائما، ولكن مشكلته أن ظله شاحب قليلا “لقد لاحظت أن الظل الذي تلقيه على الأرض فقد نصف كثافة ظلال البشر العاديين”.
ليس الغباء أمرا سيئا، يقول ناكيتا: “فلو لم أكن غبيا لما حصلت على معونة ولا بطاقة خاصة لركوب الحافلة، وإذا قال المحافظ أنت لست غبيا لا أعرف ماذا اكون وبم أجيب، ولذلك فمن الأفضل أن أكون غبيا”
يعرف ناكيتا في أثناء بحثة وحديثه مع القطط عن القطة جوما أنها ربما تكون وقعت في يد صائد قطط، ويذهب الى ساحة تتجمع فيها القطط عادة، وجاءه في أثناء انتظاره في الساحة كلب وطلب منه أن يتبعه وقاده الكلب إلى أحد المنازل، ليجد بانتظاره رجلا أدرك ناكيتا أنه صائد القطط، يبدو في هيئة جون ووكر “ايقونة نوع من الويسكي” ولكن ناكيتا لا يعرف شيئا عن الكحول، ولم يعرف هذا الرجل المشهور (أنا أيضا لم أعرف إلا بالاستعانة بغوغل وويكيبيديا) ويقول له جوني ووكر، وهو يشرب الويسكي إنني أصطاد القطط لأجل أن أصنع من أرواحها نايا عظيما، ولكن لا يمكن للبشر العاديين أن يسمعوه حتى وإن سمعوه فلن يميزوه، قد يكونون سمعوه في الماضي لكنهم لن يتذكروه، يقول جوني ووكر لناكيتا، ويطلب منه أن ينظر في الثلاجة ليرى إن كانت القطة التي يبحث عنها موجودة فيها، ويرى في ثلاجة في المنزل حوالي عشرين رأس قط مجمدة، ولكن ليس بينها القطة جوما!
يقول جون ووكر لناكيتا إنه يمكن أن يعيد إليه القطة جوما ولكن مقابل أن تقتلني، لقد تعبت ومللت من قتل القطط، وما دمت حيا فسأواصل قتلها، ولا يمكن إيقافي إلا بقتلي، أريدك أن تخاف مني ثم أن تكرهني ثم تزيلني من الوجود، ويبدو الأمر مستحيلا بالنسبة لناكيتا، فهو لم يقتل من قبل ولا يعرف كيف يقتل، يقول لجوني ووكر، فيجيبه سأشرح لك، يتلخص سر القتل في عدم التردد، فقط احشد كل ضغينتك وقم بالأمر بسرعة، هذا هو أساس القتل، لدينا هنا مثال ممتاز قد يعطيك فكرة، ..
ينهض جوني ووكر ويخرج من حقيبة جلدية قطة، يقول إنها مخدرة جزئيا، فهي غير قادرة على الحركة ولكنها تشعر بالألم، لدي في هذه الحقيبة خمس قطط، سأقتلها واحدا بعد الآخر وأدع جوما إلى النهاية، وأريد منك أن تقتلني قبل أن أقتل هذه القطط، الأمر يعود إليك، إما أن أقتل القطط أو تقتلني.
يخرج جوني ووكر من أدراج مكتبه لفافة سوداء كبيرة ويفرد محتوياتها، منشار كهربائي ومشارط وسكين ضخمة، ويرتبها بعناية، وهو يصفر لحنا من فيلم ديزني “أميرة الثلج” اللحن الذي يغنيه الأقزام السبعة، وبقر بطن القط، وبمشرط دقيق نزع قلب القط الصغير، قال لناكيتا: انظر… ما زال ينبض، ثم وضعه في فمه وراح يمضغه باستمتاع، ثم فصل رأس القطة بالمنشار الكهربائي ووضعه على صينية معدنية..
وأخرج قطا ثانيا وأعاد المشهد نفسه، ثم قطا ثالثا، .. وأما ناكيتا، فقد أمسك رأسه بيديه، وتلاحقت أنفاسه سريعا، قال له جوني ووكر حان دورك لتوقفني سيد ناكيتا إن كنت تريد، الوقت يمر سريعا، .. نهض ناكيتا وتناول سكينا لقطع اللحم وطعن جوني ووكر بها ثم طعنه مرة ثانية، .. كان جوني يضحك، ثم تحول الضحك إلى شهقات، وسقط منهارا، وخرج ناكيتا من المنزل ومعه القطتان المتبقيتان.
ذهب ناكيتا إلى الشرطة وروى ما حدث بطريقته في الحديث؛ جوني واكر هو الذي طلب من ناكيتا أن يقتله، طعنت جوني ووكر مرتين، ثم جلست على الأريكة ونمت واستيقظت في منتصف الليل، وأعدت جوما إلى السيدة كوازومي وقدمت لي الباذنجان المشوي والكرنب والمخلل وجئت إلى هنا فورا، لأنني رأيت أنه من الأفضل أن أخبر المحافظ بما حدث.
يتظاهر الشرطي أنه يملأ استمارة بالمعلومات، ويقول له لا تقلق، فقط ارتح اليوم، ولكن ملابسك تبدو نظيفة وليس عليها آثار الدم!.. ناكيتا يبدي دهشته من ذلك، نعم معك حق، كان يجب أن تغطيني الدماء، ولكنه اختفى، أمر غريب جدا.
يغادر ناكيتا كما طلب منه الشرطي، ولكنه يخبره قبل أن يغادر أن السماء سوف تمطر غدا مساء، سوف تمطر سمكا، ضحك الشرطي ولكنه أصيب بالذعر في اليوم التالي عندما أمطرت السماء سمكا، ولم يتمكن في اليوم التالي من بلع ريقه حين بلغه خبر اكتشاف جثة رجل مقتول طعنا، كان المجني عليه نحاتا مشهورا، .. وفي الأثناء كان ناكيتا قد غادر المدينة.
يسافر ناكيتا إلى كاتاماتشو ويجد دائما من يرشده ويساعده، هوشينو سائق الشاحنة، أحد هؤلاء، ولكنه تميز بمرافقته لناكيتا طوال رحلته وأمضى معه حوالي أسبوعين تاركا عمله.
كان ناكيتا في أثناء الحرب العالمية الثانية تلميذا ذكيا مميزا، وكان والده أستاذا في الفنون الجميلة، وبعد الحادثة الغريبة في جبال ياماناشي في الحرب العالمية الثانية عاد ناكيتا إلى المدرسة في طوكيو، كان قد استعاد وعيه، وكان بخير من الناحية الصحية، إنما محيت ذاكرته، ولم يستعد القدرة على القراءة والكتابة، ولم يعد قادرا على قراءة الكتب المدرسية، كل المعارف التي اكتسبها تلاشت، سمحوا له بمواصلة الدراسة ولكنه لم يتعلم شيئا ونسي الناس أنه موجود، ونسوا أيضا أنه كان متفوقا قبل الحادثة، وأكثر ما تعلمه في المدارس العناية بالأرانب والماعز وأحواض الزهور في المدرسة.
وكان أغلب الأحيان منسيا في المنزل أيضا، حين أدرك والداه أن ابنهما البكر لم يعد يستطيع القراءة أو متابعة دروسه تجاهلاه واهتما بأخويه الصغيرين، وكان مستحيلا على ناكيتا الاستمرار في المدرسة ودخول مدرسة إعدادية عامة، فأرسل ليعيش مع أقاربه في إقليم ناغانو؛ مسقط رأس أمه، وهناك ذهب إلى مدرسة زراعية، كان الأولاد في المدرسة يستمتعون بتعذيبه، وأصيب إصابات بالغة فأخرجه جداه من المدرسة، ليعيش في المنزل.
واكتشف أنه يستطيع محادثة القطط، وصار يخوض معها في أحاديث طويلة، وتعلم منها الكثير عن العالم والطبيعة!
حين أصبح في الخامسة عشر، أرسل إلى شركة أثاث قريبة ليتعلم النجارة، وتعلم بمهارة ودأب صناعة الأثاث، وعمل في الشركة 37 عاما حتى تجاوز الخمسين من دون أن يغيب مرة واحدة، لم يكن يشرب الكحول أو يدخن أو يشاهد التلفزيون، ولم يشعر برغبة جنسية، كل ما يفعله هو صنع الأثاث يوما بعد يوم، ومات جداه وأبواه، ولكنه لم يشعر أبدا بالوحدة أو الحزن، وكانت القطط هي الكائنات الوحيدة التي تفهمه.
ولكن ناكيتا فقد كل مدخراته، سرقها سمسار نصاب، وتوقفت شركة الأثاث بعد وفاة صاحبها، باعها ابنه الى وكيل عقاري حولها إلى عمارة سكنية، ويعيش اليوم في شقة صغيرة قدمها له أخوه، وتقدم له بلدية طوكيو معونة شهرية، وهو لا يقابل أخويه، ولم يكن أي منها يشعر نحوه بمشاعر خاصة، ولم يكن ذلك يؤذيه أو يعني له شيئا.
يقرر هوشينو أن يتفرغ تماما لمرافقة ناكيتا في رحلته التي لا يعرف عنها شيئا، فيسلم حمولة الشاحنة ويبلغ الشركة أنه يريد إجازة لمدة ثلاثة أيام، ويعود إلى ناكيتا الذي كان ينتظره في مقهى مطل على البحر.
يقول له ناكيتا آخر مرة، رأيت البحر حين كنت طفلا، فيرد هوشينو لا بد أن ذلك كان قبل زمن طويل جدا، يقول ناكيتا كان الأمريكيون يحتلون اليابان وكان شاطئ إينوشيما مليئا بالجنود الأمريكان.
– لا بد أنك تمزح يا رجل، الأمريكان لم يحتلوا اليابان أبدا
يصلان إلى تاكاماتو وينزلان في فندق، وفي الليل يلتقي هوشينو بالكولونيل ساندرس “ايقونة سلسلة مطاعم كنتاكي” الذي يقوده إلى حجر المدخل في أحد المعابد، والذي يحتاجه ناكيتا، ثم يمنحهما شقة معدة ومجهزة، ويبحثان عن شيء لا يعرفه هوشينو ولا ناكيتا، ولكن عندما أراه سوف أعرفه، يقول ناكيتا، ويكون هذا المكان هو مكتبة كوميورا، ويلتقي ناكاتا بالآنسة ساييكي التي كانت تنتظره، وتموت فورا، ثم يموت ناكيتا أيضا في شقة الكولونيل ساندرس.
يجد هوشينو نفسه يفهم لغة القطط، ويحب الموسيقى الكلاسيكية وقراءة الكتب، ويعيد حجر المدخل الى المعبد.
****************
نشرت الصحف باهتمام وتوسع خير مقتل النحات العالمي المشهور كوتشي تامورا، والد كافكا تامورا، يعرف كافكا ذلك من أوشيما الذي أطلعه بعد عودته من الغابة على الأخبار، .. يبدو كافكا غير مهتم، يقول لأوشيما: أنا حزين ولكن أسفي الحقيقي أنه لم يمت قبل هذا بوقت طويل، يقول له أوشيما ما تمر به هو أساس الكثير من التراجيديات الإغريقية، من نقاط الضعف شخصية الأبطال أنهم لا يتورطون في المأساة بسبب عيوبهم وإنما بسبب فضائلهم، أوديب مثلا لم تكن مأساته في كسله أو غبائه، وإنما شجاعته وأمانته، ولهذا لم يستطع الهروب من القدر! ولكن سخرية القدر تزيد عمق الشخصية وتساعد على بلوغ نضجها، ولهذا مازال الناس يستمتعون بقراءة التراجيديات حتى اليوم.
يقول كافكا تامورا لأوشيما متذكرا أن أباه كان يتنبأ له بأنه سوف يقتل أباه وينام مع أمه ويعاشر أخته، كما حدث مع اوديب تماما، يقول أوشيما: لقد رأيت عمل أبيك مرات عدة، نحات رائع، قطعه أصيلة، مثيرة وقوية، .. كان أبي يقول كافكا تامورا مثل سمّ لا يمكنك الهرب منه، يلوث كل شيء لمسته يداه، ودمر كل من اقترب منه، أشعر أنه كان متصلا بشيء ما غير عادي.
يقول أوشيما: ولكن نبوءة أبيك لم تتحقق، أليس كذلك؟ أنت لم تقتله، كنت هنا في تاكاماتسو عندما قتل، قتله شخص آخر في طوكيو.
يفرد كافكا يديه في صمت ويحدق بهما، تلك اليدان كانتا في ظلام الليل مكسوتين بالدماء، يخبره بقصة الحلم والمعبد، لا أعرف كيف وصل إلي هذا الدم، ولا دم من؟ قد أكون قتلت أبي فعلا، لدي إحساس بأني فعلتها، كنت في تاكاماتسو، ولكن في الأحلام تبدأ المسؤولية أليس كذلك؟.. يومئ أوشيما برأسه!
وفي هذه الأثناء، يعود كافكا تامورا إلى الكهف، ويمعن في الغابة بعيدا، وينتقل إلى عالم آخر ليس ينتمي إلى العالم الأرضي ولكنه كما يبدو ليس العالم الآخر، يلتقي ساييكي هناك وآخرين منهم جنديان هربا إلى الغابة في الحرب العالمية الثانية ولم يجدهما أحد، يجد فتاة هي ساييكي عندما كانت في الخامسة عشر من عمرها… ثم يعود من الغابة في اللحظة الأخيرة التي سبقت إعادة حجر المدخل الى المعبد، .. ولو تأخر قليلا لبقي في الغابة إلى الأبد، ونفهم أيضا أن فرصة الدخول إلى الغابة مع إمكانية العودة مرتبطة بانتزاع حجر المدخل من مكانه!
يعود كافكا تامورا من الغابة ويعود أيضا إلى طوكيو ومعه لوحة فنية رسمتها ساييكي واسمها كافكا على الشاطئ، وكانت قد أوصت أن تسلم اللوحة له، وطلبت قبل وفاتها من ناكاتا وهوشينو حرق جميع أوراقها ومذكراتها بعد أن سلمتها لهما، ويسمع من جديد مقولة ساييكي له عندما التقاها في الغابة وضمته إليها “أريد أن تتذكرني أنت، فلا يهمني إن نسيني الجميع” ويسأل رفيقه كرو هل فعلت الصواب؟، يجيبه نعم، ثم يقول من الأفضل أن تنام قليلا، وحنين تصحو، ستغدو جزءا من عالم جديد، .. وتغفو وحين تصحو تجد هذا حقيقيا، لقد غدوت جزءا من عالم جديد، …
_________
*مؤمنون بلا حدود

شاهد أيضاً

“الحياة التي” لم نعشها لأماليا داود

(ثقافات) صدر كتاب”الحياة التي لم نعشها” للمترجمة والكاتبة الفلسطينية المقيمة في فرنسا آماليا داود، وهو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *