الرئيسية / إضاءات / «هل مرّ كويتزي من هنا»؟!

«هل مرّ كويتزي من هنا»؟!



*يوسف الشايب


ثار حضور الكاتب الجنوب أفريقي الحائز على جائزة نوبل في الأدب، جون ماكسويل كويتزي إلى فلسطين، حالة ملتبسة، ما بين حضور له أهميته على صعيد نقل الرواية الفلسطينية إلى العالم من جهة، وما بين عتب وهجوم على منظمي احتفالية فلسطين للأدب للعام 2016، وكان كويتزي أحد المشاركين فيها، لكونه لم يتح للمثقفين والإعلاميين، وحتى المؤسسة الرسمية ممثلة بوزارة الثقافة وغيرها، أو العديد من المؤسسات الثقافية والفنية الالتقاء به، وتكريمه بما يليق فيه، فهو صديق الحاضر الحاضر محمود درويش، فكويتزي لم تنظم له زيارة لضريحه في رام الله على بعد مئات الأمتار، من موقع اختتام فعاليات الاحتفالية في مركز خليل السكاكيني الثقافي، والذي غاب عنه كثير من الإعلاميين والمثقفين لعدم معرفتهم، وهو ما كان موضع انتقاد، فيما اتهم آخرون هؤلاء المحتجين بالكسالى، ما أثار جدلاً على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”.

 ردود الفعل
كانت البداية عبر “منشور” على صفحته في “فيسبوك” للقاص زياد خداش، في الأول من حزيران الجاري، قال فيه: الروائي الجنوب أفريقي العظيم الحائز على نوبل للآداب والمحب لفلسطين وشعبها، جون ماكسويل كويتزي كان موجوداً في فلسطين قبل عدة أيام .. هذه فضيحة الفضائح لاحتفالية فلسطين. وتساءل خداش: لماذا لم يعرف بوصوله أحد؟ .. لماذا لم يتم اصطحابه إلى قبر صديقه الحبيب محمود درويش؟ .. لماذا تم إخفاء الروائي العالمي الكبير؟ .. إلى أي حد تتحمل الصحافة الثقافية الفلسطينية مسؤولية عدم معرفتها بوصوله؟

 ورد بشير عباسي بـ”منشور” مقابل، تحت عنوان “جون ماكسويل كويتزي في فلسطين والرئاسة السياسية، والرئاسة الثقافية، ومحررو الصحف الثقافية في سبات”. وقال: كتب الكاتب زياد خداش على صفحته “الفيسبوكية” عن زيارة الروائي الجنوب أفريقي جون ماكسويل كويتزي الحائز أيضا على “نوبل” للآداب العام إلى فلسطين، منذ أيام، والتي تصرفت معها الصحافة الثقافية الفلسطينية وكأنها لم تكن، ويحمِّل “المحررين” الثقافيين في فلسطين مسؤولية “فضيحة الفضائح” هذه! .. نحيي زياد خداش على منشوره ونضيف له: لِمَ تحميل هذا العيب على “المحررين الثقافيين” وكأنهم أصلاً يقومون بواجبهم عادة. يجب تحميلهم بعض مسؤولية – بحسب حجمهم! .. ولكن، إضافة وأولاً، أين مسؤولية وزارة الثقافة والوزير على رأسها؟ وحتى أين الرئيس الفلسطيني ورئيس وزرائه، الذين يسارعون لاستقبال كل من هبّ ودب بهدف التقاط الصور معهم؟! وتابع عباسي: أين المسؤول عن مؤسسة محمود درويش وزير الثقافة الأسبق زياد عمرو؟ وكيف لم يسارع إلى استقباله وزملائه أيضا: الإيرلندي كولم ماكان والأميركي باري لوپيز إلى ضريح محمود درويش صديقه؟! .. ألم يتحمل الكاتب الشجاع الكبير وزملاؤه مشاق القدوم من أجل التضامن مع الشعب الفلسطيني؟ محاولات الاستقصاء وعند متابعة ما نشر على صفحات الـ”فيسبوك” تبين أنه تم تقويل خداش ما لم يقله، فمنشوره “واضح”، ولم يربط “فضيحة الفضائح” بالمحررين الثقافيين، وباتصالات مع مسؤولين في وزارة الثقافة، وفي مؤسسة محمود درويش ومتحف محمود درويش، تبين أنه لم يتم التنسيق معهم من قبل القائمين على الاحتفالية، لا من قريب ولا من بعيد، كما كان لافتاً عدم التفاعل مع وسائل الإعلام المحلية والعربية والعالمية العاملة في فلسطين، خاصة أن حدثاً كزيارة كويتزي ورفاقه، كان يمكن أن يشتمل على لقاء بمثقفين وكتاب وإعلاميين، وليس حفل اختتام قدم فيه الكاتب الجنوب أفريقي كلمة مقتضبة في مركز خليل السكاكيني الثقافي بمدينة رام الله، ولم يعلم عنه إلا القليل.

وزير الثقافة

وكان د. إيهاب بسيسو وزير الثقافة عبر عن أمنيته بأن يقوم الكاتب الجنوب أفريقي الحائز على جائزة نوبل في الأدب، جون ماكسويل كويتزي، بزيارة فلسطين مرة أخرى، وأن يلتقي بكتابها ومثقفيها، وأن يزور ضريح صديقه محمود درويش. وقال في كلمته في إطلاق فيلم “عمواس” للمخرجة ديمة أبو غوش، مؤخراً: قبل عدة أيام، زار فلسطين الكاتب الجنوب أفريقي الحائز على جائزة نوبل جون ماكسويل كويتزي، ونقول له: إن فلسطين ترحب به على الدوام، فلسطين التي ليست هي فقط مهداً للإنسانية والحضارة، بل هي مهد للصمود والرسالة الوطنية للصمود في وجه الاحتلال .. كنا نتمنى أن نرى جون كويتزي بيننا، وأن نراه يسير في شوارعنا، ويزور ضريح صديقه محمود درويش، وأن يلتقي بكتاب فلسطين ويتحدث إليهم، وأن يكون امتداداً لسيرة الكتاب الكبار الذين جاؤوا إلى فلسطين، وتعمدوا بهواء فلسطين ومائها .. نحن بانتظار جون ماكسويل كويتزي في فلسطين مرة أخرى، لكي يقول كلمته الثقافية بحق شعبنا، وبحق ثقافتنا الوطنية .. مهم أن تستمر هذه الرسالة التي نكتبها هنا في فلسطين، ويكتبها المثقفون والمثقفات الفلسطينيون، كما يكتبها أيضاً مثقفو العالم. وكان بسيسو قال أيضاً: ونحن نوجه كل التقدير لكل الأصدقاء الذين وقفوا إلى جانبنا، على مدار السنوات الماضية، بكلماتهم وأصواتهم وأقلامهم نصرة للقضية الفلسطينية، نتذكر أنه في السابع عشر من حزيران للعام 2010، أي قبل ستة أعوام من الآن، رحل عن عالمنا الكاتب الكبير الحائز على جائزة نوبل في الأدب خوسيه ساراماغو. وأضاف: خوسيه ساراماغو، الذي جاء إلى فلسطين في ربيع العام 2002 للتضامن مع شاعرنا الكبير محمود درويش، مع نخبة من الأدباء العالميين الحاصلين على جائزة نوبل في الأدب، والذين شهدوا في تلك الفترة اجتياح الضفة الغربية من قبل قوات الاحتلال، خاصة مدينة رام الله، كتب عن فلسطين، وتحمّس لقضية شعبنا، فكان مثالاً للمثقف الكوني، والمثقف الإنساني، ما اضطره إلى رفع صوته عالياً في مواجهة الكثير من الحملات الظالمة ضده وضد كتاباته. وشدد وزير الثقافة: في ذات السياق: نؤكد بأن فلسطين دائماً تمد يدها إلى فضائها العربي، وفضائها الدولي، وكل أصدقائها من كل جهات الكون، وجهات الجغرافيا، وتدعوهم إلى القدوم إلى فلسطين كي يعيشوا بيننا، ولو بضعة أيام، ليتقاسموا معنا الخبز والماء والهواء، والزيت، والزيتون، والزعتر، وكي يعيشوا ما نحياه، ويقرؤوا ما نقرأ، تلك الحياة التي يغلفها شعبنا بكل مفردات الصمود على أرضنا في مواجهة الاحتلال. ومن الجدير بالذكر ان ساراماغو و«كتّاب نوبل» شاركوا حينها كتّاباً وشعراء فلسطينيين في أمسية برام الله. 
منع الاحتفالية في غزة وفي إطار التعليقات على ما نشره خداش وآخرون، ذكر الشاعر خالد جمعة: في غزة كنت أنا مدعواً ضمن الاحتفالية ذاتها (احتفالية فلسطين للأدب) على “سكايب”، والحكومة هناك لم تعط ترخيصاً للفعالية فألغيت الفعالية، وفي الكتاب الذي صدر عن الاحتفالية وموجود نسخ منه في السكاكيني لم تذكر أسماء الذين تمت دعوتهم للمشاركة .. وقال: هناك تخبيص أكثر مما يحتمل الوضع الفلسطيني المخبص أصلاً”. وأضاف جمعة: “كان مفروض إني أشارك، و”حماس” ما أعطت ترخيص للفعالية فبالتالي ما صارت، كان مفروض يستضيفوني عبر “سكايب”، لكن هذا لم يحدث” .. 

أعرف أنهم كتبوا إني مشارك، لكن الفعالية لم تحدث، وحتى بالكتاب الذي صدر عن الاحتفالية، اسمي واسم سائد السويركي “مش محطوطين”. وفي أحد التعليقات على ما ذكره جمعة، برز تساؤل عبر شكل تعقيب مفاده: غريب التسامح مع رفض “حماس” الترخيص للفعالية.. هذه كارثة حقيقية، وقضية بحد ذاتها تتطلب موقفاً شجاعاً من المنظمين أيضاً.

وهنا نذكر ما كتبته الكاتبة أسماء الغول من غزة، عن الفعالية الوحيدة لاحتفالية فلسطين للأدب (بالفست)، كانت عبارة عن عرض فيديو، ولم يحضر أحداً، متسائلة عن جملة من الإشكاليات وراء ذلك، ومدى الجدية في التحضير للفعالية.

رد الفعالية وسعياً من “أيام الثقافة” لنقل آراء الجميع، تم التواصل مع الكاتبة المصرية أهداف سويف، مؤسس ورئيس مجلس أمناء احتفالية فلسطين للأدب، بالفست، حيث كان السؤال الأول: هناك تساؤلات كثيرة لمثقفين وكتاب وإعلاميين فلسطينيين حول غياب أو تغييب الكاتب الجنوب أفريقي كويتزي: لماذا لم يزر ضريح صديقه محمود درويش، ولماذا لم يرتب له لقاء بعدد من المثقفين والإعلاميين المتخصصين، بمعنى جاء وذهب دون أن تحتفي به فلسطين؟ وكان رد سويف: ألا ترى أنه شئ غريب جداً أن يكون السؤال حول “غياب أو تغيب” كويتزي وهو الذي كان “حاضراً” في فلسطين لأول مرة في حياته؟ وكأن الحضور إلى البلاد لا يكون حضوراً إلا في إطار ترتيبات معينة وللقاء أناس معينين والباقي كله صفر على الشمال؟ أليست هذه مشكلة؟ .. عموماً، من الممكن أيضا صياغة سؤال بقول أن “بالفست” أصدرت بياناً صحافياً، بتاريخ ١٦ أيار، تضمن أسماء الضيوف وبرنامج الاحتفالية.

وظلت بالفست تعيد الإعلان، كما ظلت تنشر الصور والتقارير طوال مدة الاحتفالية من ٢١ إلى ٢٨ أيار، وكان بإمكان أي جهة أن تتصل بـ”بالفست” لتقدم دعوة أو تبحث إمكانية ترتيب لقاء. فلماذا لم يهتم أحد بالقيام بهذا وكان الاهتمام فقط بعد انتهاء الاحتفالية ومغادرة الضيوف؟ وكان السؤال الثاني بخصوص ما إذا كان ما حدث مع كويتزي يعكس احتكاراً للرواية الفلسطينية، وحالة من عدم الرغبة بالتعاون مع المؤسسة الرسمية من خلال وزارة الثقافة والمؤسسات الثقافية والفنية الأهلية؟ .. وأجابت سويف عليه: بالفست لا تحتكر وليس لها أن تحتكر الرواية الفلسطينية ولا أي رواية في العالم. عقيدة بالفست أنها تأتي بأناس يتمتعون بالموهبة الفنية، وبدرجة عالية من الحس الإنساني، وتعرضهم للتجربة الفلسطينية – في الشارع وفي المؤسسات الثقافية ـ لمدة خمسة أيام. لا نقص عليهم رواية. نمدهم بالمعلومات والأرقام فقط حين يطلبون – وعن طريق مواد منشورة وموثقة (مثلا من “الأونروا”، أو من لجنة إعمار الخليل) وهم لهم أن يكوّنوا “الرواية الفلسطينية” الخاصة بهم من خلال التجربة. وعلى مدار سنوات بالفست التسع لم يخذلنا واحد أو واحدة من الضيوف الذين مروا بهذه التجربة – كلهم، كلهم، أصبحوا مناصرين لحقوق الشعب الفلسطيني كلها، وبالطبع رأيتم هذا في الكلمة التي قالها كويتزي – وهو الذي لم يصدر تصريحا سياسيا في حياته من قبل. وبخصوص ما طرح حول منع “حماس” للاحتفالية، وعدم صدور موقف واضح من الاحتفالية، كان السؤال: منعت “حماس” الاحتفالية في غزة ولم يصدر أي بيان عن ذلك، لماذا؟ .. البعض يرى أنكم لا تريدون إغضاب حركة حماس بسبب تحالفاتها مع البعض خارج فلسطين؟ فأجابت سويف: السؤال الثالث، لا أفهمه؟ “البعض يرى أنكم لا تريدون إغضاب حركة حماس بسبب تحالفاتها مع البعض خارج فلسطين؟” من هؤلاء “البعض”؟ البعض الأول والبعض الثاني؟ ولماذا يفترض “البعض” الأول أن “بالفست” تقيم حساباً سياسياً للبعض الثاني – وهي الاحتفالية التي اشتهرت ببراءتها التامة من التحالفات السياسية؟ عموماً: أعتقد من المعروف أنه بعد زيارة العام ٢٠١٢ لم تتمكن بالفست من زيارة غزة، وهذا بسبب إغلاق الحدود الذي تقوم به الحكومتان الإسرائيلية والمصرية، وبالتالي، فبالفست تترك للأصدقاء والرفاق من أهل غزة القيام بفعالياتها هناك. وفي حدود ما نعرف أن الأصدقاء اكتشفوا في وقت متأخر أنهم بحاجة إلى تصريح للقيام بفعاليتهم، وتقدموا بطلب التصريح، لكن الطلب كان متأخراً فجاء التصريح أيضا متأخر. وقد أقاموا فعالية واحدة فعلاً لكنها تأخرت ولم يعلن عنها بالشكل الوافي فلم تتمتع بالنجاح، فكان الرأي هو أن الأفضل إلغاء الاحتفالية في غزة لهذا العام.

 كلمة كويتزي

ونختم هذا التقرير بكلمة كويتزي في “السكاكيني”، وجاء فيها، وفق الفيديو المنشور عبر الاحتفالية على موقع “يوتيوب”، عقب اختتامها: ولدت وكبرت في جنوب أفريقيا، ولهذا فإن من الطبيعي أن يسألني الناس ما الذي أراه من جنوب أفريقيا في وضع فلسطين الراهن.. لم أجد يوماً أنّ استخدام مفردة أبارتهايد، في وصف حال الأمور هنا، خطوة مجدية. أرى أنّ استخدام كلمة أبارتهايد يحرف المرء إلى مماحكة دلالية ملتهبة، تتسبب في اختزال فرص التحليل. كان الأبارتهايد نظاماً للفصل القسري، مرتكزاً على العرق أو الإثنية، أرسته مجموعة استئثارية ذاتية التعريف، تهدف إلى تعزيز غزو استعماري، خاصة من أجل تمتين سيطرتها على الأرض والموارد الطبيعية. وفي القدس كما في الضفة الغربية، لكي أتحدث فقط عن القدس والضفة الغربية، رأينا نظاماً للفصل القسري، مرتكزاً على الدين والإثنية، أرسته مجموعة استئثارية ذاتية التعريف، تهدف إلى تعزيز غزو استعماري، خاصة من أجل توسيع سيطرتها على الأرض ومواردها الطبيعية. ولكم أن تستخلصوا النتائج. وقال كويتزي إنه جاء إلى فلسطين لكي “يرى ويصغي ويتعلم”، وإنه، على امتداد أسبوع، “رأى وسمع وتعلّم الكثير”، ويعود “بانطباع راسخ حول شجاعة الشعب الفلسطيني ومرونته في هذا الزمن الصعب من تاريخه. كذلك الأمر بخصوص الألق والفكاهة اللذين يردّ بهما على إحباط الاحتلال ومهاناته”.

___
*الأيام الفلسطينية

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *