الرئيسية / إضاءات / محاكمة نُوَّاب الله

محاكمة نُوَّاب الله



*أشرف أبو اليزيد


قف مشروع أحمد الشَّهاوي؛ الثائر شعرا ونثرا، عند تلك العتبات الفاصلات بين التواصل مع التراث والصدام معه، لذا يخطئ من يعتقد أن كتابه السردي الأحدث؛ نُوَّاب اللَّه، هو ابن اليوم، أو أنه بمثابة نتوء صخري حاد في جبله الشعري الشامخ، وإنما هو ذلك الوجه البحثي من عُملة يمثِّل الخيالُ الشعري وجهها الأول.
وقد أتيح لي أن أكون قريبا من الثائر شعرا ونثرا، فأيقنت أن ذلك الكتاب لا محالة قادم، لأن سيرة المؤلف ومسار حياته، في الكتابة والرأي والاستلهام والصوغ، كلها تقول إنه خير من يهضم تراث لغته، وأقرب من يعبر عن تراث نصه المقدس، وقد لاحت لنا هذه المتون الحوارية ـ بين نصوصه والقرآن الكريم ـ منذ بواكير إصداراته الشعرية، بدءا من العناوين ـ مثل : ركعتان للعشق، الأحاديث، ـ مرورا بإحالاته الصوفية التي تبحر فيها وأخلص لها في أحوال العاشق، الوصايا في عشق النساء، سماء باسمي، حتى أن دراسة أكاديمية خصته بالدرس والبحث تناولت حوار القرآن والشعر عنده أعدتها الباحثة حياة الخياري.
هذا القرب ـ كذلك ـ عرفني على جذور الثائر شعرا ونثرا، فهو ليس دخيلا على عالم التصوف، وليس بعيدا عن منازل التدين، وليس غريبا تحت سماء التراث، وإنما هو غاو هاو، لا يمل ولا يكل من تلك المحاورات المتواصلات مع التراث.
وإذا كان الثائر شعرا ونثرا، أحمد الشهاوي، مكتفيا خطابه الشعري، كصوته الواحد، وآيته الوحيدة، فقد رأى أن ذلك الخطاب لم يعد كافيا، ومن هنا تمثل دور الناشط الفكري والاجتماعي، خاصة بعد أن تعددت المنابر الإعلامية التي استقطبته لها، بين شاشة التلفزيون، وصفحات الجرائد، وأبواب المجلات، وأخيرا نافذة وسائل التواصل الاجتماعي التي رأى فيها ذلك الصدى الأسرع لصوته الأجرأ، وتخلص الثائر شعرا ونثرا، كثيرا، من دماثة التعبير ليكون حادا وصارخا ومعارضا، خاصة بعد أن عصفت بمصر، والمنطقة العربية، رياح التغيير الزائفة، التي خلفت دخانا حسبه المؤمنون شواء، ولم يكن أكثر من حرق للقيم التي تربينا عليها كثيرا، فحاولنا أن نحسن كما أحسن الأولون، قبل أن يأتي شيوخ النفط ليسودوا شاشات التلفزيون العابر للحدود بفتاواهم الغثة، وقبل أن تُخترق حصون المناهج التأصيلية من قبل واضعي المناهج المتطرفين بلوثة الإسلام الوهابي.
من هنا جاءت الندوة التي أقامتها الدار المصرية اللبنانية لتدشين انطلاقة الكتاب؛ نواب الله، وتوقيع نسخه الأولى، بمثابة محاكمة لهؤلاء النواب الذين فرضوا أنفسهم على حياتنا فلوثوا الماء والهواء، وسمموا الشرايين والأوردة، وزيفوا الفتاوى والأحاديث، فيأتي أحمد الشهاوي، كما جاء العقلاء من قبله، ليفندوا تلك الآراء، ويدحضوها بالمنطق الذي يرفضون، والخيال الذي لا يؤمنون به.
في الندوة التي قدم لها الناشر محمد رشاد أفاض الدكتور جابر عصفور في إسباغ آيات الشجاعة الفكرية على أحمد الشهاوي، دون أن ينسى الإشارة إلى أن تلك الشجاعة حبة في مسبحة قادة الفكر الذين قاوموا الإرهاب الفكري باسم الدين، حتى أن الشهاوي قال: لو عرفت أن الدكتور جابر عصفور سيأتي ليقول مثل هذا الكلام، لكتبت كتابي هذا قبل 15 عاما، وهو ما يؤكد ما ذهبت إليه في السطور الأولى من مقالي هذا بأن الكتاب “نواب الله” هو المعادل الفكري الموضوعي للمشروع الشعري لأحمد الشهاوي، وأنه حين كان يصوغ قصائده، كان ذلك العقل الممنطق يصوغ حياته.
وتناول الدكتور نبيل عبد الفتاح، من جهة أخرى، ذلك الجهد المبذول في الكتاب، وشموله، وفي رأيي أن اختيار الدكتور نبيل عبد الفتاح كان موفقا لخبرة الأخير في جذور الجماعات الإسلامية التي يعرض الكتاب لزيف مؤسسيها، وخاصة : سيد قطب وحسن البنا.
كنت أستمع إلى حديث المنصة؛ إلى المؤلف الثائر شعرا ونثرا، وإلى الناقدين المتبحرين في قضايا التنوير ـ الفكري والديني ـ وكنت أفكر: كيف فشل هذان في رحلة التنوير التي خاضاها خلال عقود؟
بدأ الحوار الذي دعا إليه الأستاذ محمد رشاد بهذا السؤال، وأضفتُ: إن المؤلف الجالس بين قامتين فكريتين، يدعوني لأتساءل؛ إذا كان الدكتور جابر عصفور يشير إلى أن المؤلف يقدم الأسئلة الفكرية التي ما كل المفكرون من طرحها حول وجوب إعمال العقل والمنطق والخيال، وأن النص القرآني هو المصدر الوحيد حين يثار شك حول معنى في التأويل، وإذا كان الدكتور نبيل عبد الفتاح، بعد أن قدم مشروعه في مركز الأهرام للدراسات في صورة التقرير السنوي للحالة الدينية، وهو موجه لقادة الرأي، وصناعه، فإذا كنا قد وصلنا إلى عدم وجود قادة رأي يفيدون من ذلك، وإذا كان الوزير لا يستطيع أن يعبر عن رأيه الفكري فيخرج من الوزارة التي أغضبت الأزهر، فهذا يعني أن رحلة التنوير التي قاداها هما وسواهما قد فشلت.
بالطبع أثنيت على فكرة الدكتور جابر عصفور بأن يصبح مثل لك الكتاب بمثابة منهج يدرس في المدارس، ولكنني قلت باستحالة ذلك لأن من يريد أن يعبر عن رأيه في تجديد الخطاب لن يجد مكانا سوى وراء القضبان، كما أن القمع لم يستثن دولة عربية بشكل أو آخر، بما يعني أن الفشل ينتظر عند كل زاوية وأن علينا أن نثور من داخل المناهج التعليمية ذاتها.
اعتبر الدكتور جابر عصفور سؤالي للمنصة استفزازا أجاب عليه بأن قال: إن رحلة التنوير لم تفشل، ولكن الذي فشل هو الحكومات من مرحلة ما بعد جمال عد الناصر، الذي أثمرت تجربته عن كفاءات وأسماء نابغة، لأنه آمن بأن يبني ثلاثية التنوير: المصنع والمدرسة وقصر الثقافة.
أجدني قد ابتعدت عن سطور الكتاب إلى محاكمة نواب الله، ونواب الحكومات كذلك، ولكنني أختتم بالتأكيد على أن نصوص الشهاوي السردية في هذا البحث تدعو للتأمل بلغة قوية، ومعرفة يقينية، صحيح أنه لم يضع في الهوامش مراجعه، الكثيرة، لكنه كان مخلصا لعقله البحثي، وأذكر كيف أوقف في مطار دبي لأنه كان يحمل نسخا من تلك المراجع معه، وجلسنا معه نحو الساعتين حتى أفرج عنه وعن مراجعه، فهو قبل أن يكون الثائر شعرا ونثرا، كان وسيظل الصحفي الذي يعرف التشويق والإثارة، مثلا يعرف قيمة الحقيقة وقدْر الحبر، الذي يسيل فيصبح زيتا في مشكاة تنير، أو يجف فيكون بارودا في قنبلة تقتل.
__________
*آسيا

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *