الرئيسية / مقالات / أفتقدها بشدة: مريم فرج!

أفتقدها بشدة: مريم فرج!


مفيد فوزي*



حين كنت أرتدي ملابسي على عجل، اكتشفت بالمصادفة البحتة أن بعض زراير قميصي غائبة لعلها لقيت هذا المصير عند المكوجي، ولما تسلمت مديرة البيت القمصان المكوية لم تكلف نفسها بالمراجعة، فهي تقرأ الفاتورة فقط، أما «مريم فرج» فكانت تراجع المكوة وتركب زراير طارت أو تفتح عروة انسدت، ومن الممكن أن تلاحظ أن ياقة قميص ليست نظيفة فتلفت نظر المكوجي. مريم فرج امرأة من طراز خاص، هي أيقونة عمري وكاتمة أسراري ولم أخجل مرة واحدة وأنا أصارحها بهزائمي قبل انتصاراتي، ومهما كانت زراير قميصي الغائبة مبرراً للكتابة عن «مريم فرج»، التي أفتقدها بشدة، مريم فرج هي أمي التي ربتني وانفطمت من صدرها، وأبداً لم أكن تربية دادات، وحين رحلت عن عالمنا منذ سنين قريبة شعرت بقشعريرة الوحدة وصقيع الفراغ، فهمت معني ما قاله لي نجيب محفوظ «حين يفقد المرء أمه، يفقد ذلك الفردوس»، وأدركت قول محمد عبدالوهاب «يوم ماتت أمي كبرت ضعف عمري»، واستوعبت عبارة يوسف إدريس «الأم تصنع الأمة» وكان الشيخ الشعراوي يقول لي «إن عقوقها إحدى الكبائر» وكان نزار قباني على حق يوم قال:
«يا سيدتي»
«أنت خلاصة الشعر
ووردة كل الحريات
يكفي أن أتهجي اسمك
حتى أصبح ملك الشعر
وفرعون الكلمات
يكفي أن تعشقني امرأة مثلك
حتى أدخل في كتب التاريخ
وترفع من أجلي الرايات.
وما أجمل محمود درويش حين يعبر شعراً عن إحساسه بأمه بالحنين إلى قهوتها.
«أحن إلى خبز أمي
وقهوة أمي
ولمسة أم
وتكبر في الطفولة
يوماً على صدر أمي
وأعشق عمري لأني
إذا مت
أخجل من دمع أمي.
■ ■ ■
مريم فرج، كانت كف صديقا، كف حنان غامر، كانت تحميني من قسوة أبي الذي كان يفسر لي- بطريقته – مغزي هذه القسوة، لعله كان يود أن يزرع داخلي صلابة الأيام، كانت أمي تربت بكفها فوق ظهري فأهتز نشوة وهي تسكب عبر أصابعها الحنان كله، كانت تنحاز لي وإذا أخطأت، سامحتني، فإذا تكرر الخطأ، خاصمتني، وما أقسي ذلك الخصام، إنها تستل من غمدها سيف الصمت وتلوح به في وجهي، فإذا داعبتها نفرت ولا تبتسم، إلا حين أعتذر وأقبل يدها، ومنذ مطلع العمر تعلمت ثقافة الاعتذار من أمي، كانت مريم فرج تعلمني «ماتردش على شتَّام» كانت تقول «بمخك أنت أكبر»، كانت تردد «اللي مقسوم لك يبقي من نصيبك» تعلمت الرضا في مدرستها، تعلمت «أن الآخر يغار لأنه لا يملك من حباك الله به».
■ ■ ■
كانت آمال العمدة تستوعب جيداً متاعب العمل الإعلامي وكانت تغفر لي أسفاري الدائمة المستمرة من أجل الكينونة إذ يقول هيكل إن الصحافة مهنة «التحدي للنفس والظروف»، كانت بعض الهزائم الصغيرة تسقط من حواراتنا المشتركة، خصوصاً بعد أن صارت مذيعة ولها اسم وبرنامج فأزواج «المهنة الواحدة» قلما يلتقطون أنفاسهم، لأنهم في حالة تحد دائم وطويل للنفس والظروف، وبعد أن رحلت آمال عام 2001، افتقدت الأذن الحنونة، خصوصاً أن نساء هذا الزمن ناعمات بشراسة، أو شرسات بنعومة! لم أجد بعد آمال العمدة أحداً لديه القدرة على الإنصات، أي الإصغاء بحب وصبر، إلا ابنتي حنان، فهي «أمي وأختي» بعد غياب آمال، لكن هناك نقطة هامة، وهي أن الرجل، وخصوصاً الأب، لا ينبغي أن يبدو ضعفه أمام أولاده، فالأب هو القوة والعطاء، ويجب أن يظل قوياً في نظر أولاده، من هنا ما أحببت إحباط ابنتي إذا مررت بلحظات إحباط، وأكاد أقول إني نذرت نفسي لأكون مصدر طاقة إيجابية لحنان. الغريب أنها تبادلني نفس ذات المشاعر فهي تكتم عني لحظات الإحباط فإذا ما انتصرت عليه، أعلنت ذلك مشفوعاً بسخرية أظن أنها خط دفاعها في الحياة، صحيح لي صداقات مع سيدات فاضلات، ولكن في هذا الزمان «تقوقع» معظم الناس على أنفسهم وزرعتهم همومهم في وادي الأسماء، وهنا يقفز افتقادي الشديد لمريم فرج.. أمي.
■ ■ ■
أمي، هي التي كانت تحتفظ بالصحف ولا تلقيها أبداً في سلة مهملات ونشأت مثلها، أحترم الحروف والكلمات وأحتفظ بها ولو صارت كومة كبيرة، كانت تمرر لي الجورنال لأنهمك في القراءة، وكنت أقضي وقتاً طويلاً مع سطور الجرائد، بعض ما أقرؤه لا أفهمه فأعبره، والبعض أفهمه جيداً، كان ذلك في وقت مبكر جداً، ولما وجدتني مهتماً بالجورنال حرضتني على الذهاب لمكتبة البلدية لأستعير بعض الكتب، وأول مرة ذهبت إلى مكتبة البلدية قابلت «رسمي أفندي حشمت» أمين المكتبة، الذي ناقشني دقائق حول كتب أحبها ووجدت نفسي أقول له أحب «حياة الكبار» فلما قال «سير ذاتية»، لم أفهمها وقلت «قصص حياة العظماء» فجاء لي بكتاب «الأيام» لطه حسين، الذي قرأت منه 20 صفحة وشعرت بالملل، ولكنه علمني أن القراءة عادة، بل أشرف العادات، في حصص المطالعة، كنت أفاجئ مدرس اللغة العربية بعبارات عندما سمعها، اتسعت حدقتا عينيه، وعندما كنا نسافر من بني سويف إلى القاهرة وزيارة خالي، كنت أغافل أمي وأذهب إلى سور الأزبكية لأشتري كتباً بقروش معدودة، كان من بينها كتاب «إيران فوق بركان» لمحمد حسنين هيكل، الذي قلب تاريخي، ولما كان الكتاب في حالة رثة فقد ذهبت إلى مطبعة في شارع شهير اسمه شق التعبان، وقمت بتجليد الكتاب وقد سعدت مريم فرج بما فعلته واحتضتني بحنان بالغ، وقد فاجأتني أمي بأول مكتبة في حياتي.. إذ خصصت في دولاب ملابسي ثلاثة أرفف للكتب، كان ذلك يتم بعيداً عن عيون أبي لأنه لم يستطع أن يقبل قراءة أي كتاب سوى كتب المدرسة، وكنت أمامه فقط أدفن نفسي في كتب المدرسة الجافة، فقيرة الأغلفة، كان يري رأسي متدليا كالعنقود في الكتب المدرسية، خشية أن «يرمقني بنظرة» وكانت هذه النظرة مقدمة لعقاب يصل إلى حد منع نزولي للعب بالكرة الشراب.
لم أكن مفوهاً في الخطابة، فكانت تطلب مني أن أقف أمامها وأقول أي كلام بصوت عال، كانت تريد أن أتخلص من الخجل، هي حاولت بأقصى ما استطاعت لكني رغم كل ما حققت مازلت خجولاً يخذلني خجلي.
■ ■ ■
أفتقد مريم فرج..
أفتقد نظرة الهلع إذا مرضت، ونظرة الرضا إذا شفيت، أفتقد أذنها وإصغاءها الحنون لكل ما أقول حتى التفاهات، أفتقدها مخزناً لأسراري الصغيرة، أفتقد جراباً عاطفياً لنزوات عمري العارضة، أفتقد قلباً كبيراً يسع دنياي بالأمل والألم، أفتقد القوة إذا ضعفت، أفتقد الثقة إذا تعطشت، أفتقد الأمان إذا فقدته، أفتقد كفها وهي تربت فوق ظهري، أفتقد كلماتها التي صاغت وجداني وأنا بعد أطلع السلم، أفتقد امرأة ليست من نساء هذا الزمن الصعب، أفتقد مريم التي تعلمت حتى شهادة الكفاءة، كما كانوا يطلقون عليها وكانت قارئة، كانت كما لاحظت تتكلم أكثر من أبي في جلسات الجيران، كانت سعيدة عندما ينادونها «أم مفيد»، ليس لأني «إديسون» مخترع الكهرباء، ولكن لأنها تمنت أثناء حملها صبياً، وجئت أنا ثم ثلاثة رجال بعدي، هي أم «الرجال» وإن تمنيت أن يكون لي أخت، فأنا لم أعرف طعم «الأخت» في البيت، وربما لهذا صارت حبيبتي هي الحبيبة والأخت، فإذا خرجت الحبيبة لسبب أو آخر، بقيت «الأخت» بين الضلوع، مريم فرج زودت حياتي بقدر من السماحة يهزم غضبي إذا اشتد وصار لدخانه رائحة، لهذا أفتقدك يا أمي لأن غضبي- هذا الزمان المنفلت- يحتاج أن أرمي بنفسي بين ذراعيك فتهدأ النبرة الحادة ولحظتها أسمع زقزقة عصافير تلتقط الحبوب في سلام، أو هكذا أتخيل!
* المصري اليوم.

شاهد أيضاً

المصابيح الزرق انطفأتْ من زمان

*خليل النعيمي كنا صغاراً، وكانت «الحسَكَة» كبيرة. كبيرة جداً علينا. كنا ثلاثة: هشام وعوّاد وأنا. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *