الرئيسية / فكر / الزمان.. لغز الوجود

الزمان.. لغز الوجود



*الفاهم محمد


يبدو أن البحث في الزمان هو بحث في حقيقة الوجود وفي المعنى النهائي للحياة البشرية. لكن الزمان ظل دائماً سراً مبهماً وجوهراً مغلقاً أمام الذهن البشري. في هذا السياق، قال أغسطين كلمته الشهيرة: «حينما لا أسأل عنه أعرفه، وبمجرد ما يتعلق الأمر بتفسيره فإنني لا أعرفه أبداً». لقد ظل الإنسان يتساءل دوماً، هل الزمان حقيقة طبيعية حسية موجودة في عالم الأعيان أم أنه مجرد شعور ذهني نفسي، وليس كياناً موضوعياً موجوداً في الخارج؟ هل هو حقيقة أم مجرد وهم ذاتي؟ ما هي أهم الألغاز والمفارقات التي تعترضنا عندما نريد دراسته. وهل تحمل الفيزياء المعاصرة بعض الوضوح بصددها؟
يقول إتيان كلاين:«إن التفكير في الزمان يشبه حرث سطح البحر» (1)، وكان نيوتن يعتقد أن الزمان صيرورة متجانسة مطلقة تسري في الكون بنفس الوتيرة. إنه مقدار كمي قابل للقياس، بحيث يمكن ملاحظته بشكل واحد بالنسبة لجميع الملاحظين مهما تباعدت المسافة بينهم. لكن الفيزياء المعاصرة، خلافاً لهذا، قلبت تصورنا عن الزمان رأساً على عقب. فالنظرية النسبية عند أينشتاين تبين لنا أن الزمان ليس حقيقة مستقلة بذاته وقابل للقياس بشكل معزول. إنه لا وجود له إطلاقاً من دون المكان. فالزمان لا يمكن قياسه إلا في ارتباط بالمكان أي من وجهة نظر المراقب. أما الفيزياء الكوانطية فتذهب إلى أبعد من هذا الأمر بكثير، فهي تتحدث عن إمكانية تجاوز الزمان عبر التنقل الفوري في الفضاء.
بالنسبة لنيوتن كل الأحداث التي تدور في الكون مثل دوران الكواكب أو حركة المجرات، تجري في فضاء مكاني محايد ثابت ودائم. بمعنى أن هذا المكان هو شيء فارغ لا يؤثر تماماً على الأحداث التي تجري فيه. أما أينشتاين فقد اختلف مع هذه الفكرة. المكان بالنسبة له ليس شيئاً سلبياً محايداً، بل بالعكس كل ما يحدث فيه من مجريات تخضع لتأثيرات متبادلة. إن سرعة جسم ما تؤثر على المكان مما يجعل الزمان أيضاً يتقلص. باختصار نقول إن أحداث المكان تؤثر على الزمان والعكس صحيح. هذا هو مفهوم الزمكان، الاكتشاف الذي أدخل أينشتاين في عداد الخالدين.
لم يتوقف الأمر عند هذه الحدود، بل إن ربط أينشت اين للزمان والمكان ضمن مركب واحد، أدى به إلى اكتشافات أخرى أهمها مفهوم الجاذبية الغامض الذي خلفه نيوتن. نحن نعلم أن هذا الأخير هو مكتشف الجاذبية، باعتبارها القوة الكونية التي تنظم حركة كل شيء في هذا الكون بدءاً من سقوط تفاحة من الشجرة إلى دوران الكواكب حول مداراتها. غير أن نيوتن لم يحدد طبيعتها الخاصة التي ظلت في فيزيائه سمة من سمات القوة الإلهية. أما أينشتاين فقد استطاع لأول مرة أن يكشف عن سر هذه القوة، هذا السر الذي لن يكون شيئاً آخر غير الزمكان نفسه. بطريقة أخرى هذا الفراغ الذي كان يعتقد نيوتن أنه مجال مكاني محايد ومطلق، هو في الحقيقة مركب معقد من الزمان والمكان، إنه نسيج يمكن أن ينثني كما ينثني سرير الترامبولين، وبالتالي فإن حركة الكواكب توجد عالقة داخل هذا الانثناء.
ليس الزمان شيئاً واحدا، وكمثال على ذلك نقول إن الزمان الذي نعرفه فوق كوكبنا ناتج عن دوران الكرة الأرضية حول نفسها وحول الشمس، ما يعني أن الزمان مرتبط بمدار الكوكب، وعليه، سيكون له مفهوم مغاير في كوكب آخر له مدار مغاير. ففي عطارد – مثلا- نجد أن هذا الكوكب عندما يتم الدورة حول نفسه يكون قد أتمها حول الشمس مما يجعل اليوم والسنة فيه يتساويان. هناك إذن أزمنة وليس زماناً واحداً كما هو الحال عند نيوتن. كما تطرح فكرة الزمان عند أينشتاين صعوبة التمييز بين الحاضر والماضي، فما ألاحظه هنا على أنه حاضر هو حاضر بالنسبة لي فقط، بينما هو قد أصبح ماضياً هناك. تضيف النظرية النسبية كذلك أنه كلما زادت سرعة جسم ما استطاع أن يبطئ الزمان. كان هذا هو معنى المثال الشهير بتوأم لا نجفان. لقد فتح أينشتاين بنظريته هذه شهية الإنسان وخياله من أجل تحقيق حلم طالما راوده وهو السفر عبر الزمان.
السفر عبر الزمان
إن تجاوز الفيزياء المعاصرة للمفهوم العادي للزمان قد أغرى الكثير ببعض التطبيقات التي كانت تبدو من قبيل الخيال العلمي الجامح، ومنها مثلا فكرة السفر عبر الزمان. إن القول المعتاد الزمان يجري ولا نستطيع إيقاف جريانه يمكن أن يصبح قولاً متجاوزاً بالنظر إلى هذه الإمكانية التي تمنحها لنا الفيزياء المعاصرة. تؤكد النظرية النسبية على إمكانية تحقيق هذا الأمر على الأقل من الناحية النظرية، وإن كانت العدة التكنولوجية لا تسمح لنا بذلك بعد.
السفر عبر الزمان تعترضه الكثير من الصعوبات النظرية والمفارقات العملية، منها مثلاً كيف يمكننا الذهاب إلى المستقبل وهو لم يوجد بعد؟ وكيف تمكننا العودة إلى الماضي دون تغيير أحداثه؟
يتحدث ستيفان هوكنج عن مفارقة الجد، في نظره لا يمكن تغيير مجرى الأحداث الماضية فلو عاد شخص ما للماضي وقتل جده كيف يمكنه أن يولد؟ والنتيجة التي ينتهي إليها هي أن فكرة السفر عبر الزمان مستحيلة، فلو كانت ممكنة لكان بيننا اليوم بالفعل مسافرون جاؤوا من الماضي أو من المستقبل.
مع ذلك، ورغم كل المفارقات والإشكالات الفلسفية التي يمكن أن تطرحها فكرة السفر عبر الزمان، فإن المسألة ليست مجرد خيال محض. إن الحل المقترح هو إيجاد ممرات يمكن أن تختصر الطريق للعبور من فضاء إلى آخر، أو من نجم إلى آخر يبعد عنه سنوات ضوئية. هذه الممرات المختصرة هي التي تدعى بالثقوب الدودية. ورغم أنها قد تبدو فكرة في غاية الغرابة بعيدة عن أي تصور علمي محترم، فإنها مع ذلك ذكرت لأول مرة من طرف أينشتاين ومعاونه ناتان روزن. إنها تقضي بكل بساطة بإمكانية ثني الزمكان على حافتين متطابقتين للحصول على مثل هذه الثقوب. كيف يمكن أن تطوى السماء؟ تبدو العملية أمراً إلهياً خارقاً.
إلى الآن، مازالت الثقوب الدودية مجرد فرضية علمية. ولكن ألم تكن هناك العديد من القضايا العلمية التي تتمتع فقط بصلاحية نظرية في بداية الأمر، ثم أثبتت التجارب العلمية صحتها فيما بعد. ألا يمكن أن يصدق الأمر نفسه على هذه الثقوب الدودية التي يمكن أن تصبح حقيقة علمية عادية؟ كيفما كان الحال تظل فكرة السفر عبر الزمان كما وصفها جيلبير شاردان:«إحدى أكثر الدراسات تشويقاً في الفيزياء» (3)
الإنسان ككائن زماني
ما هي حقيقة الزمان إذن بالنسبة للإنسان؟
إن ذهننا يعجز عن تصور هذا الزمان الطويل الذي قطعه الكون منذ الانفجار العظيم وإلى حين ظهور الإنسان العاقل، ولكن على سبيل التقريب لنقل إننا استطعنا أن نختزل هذه البلايين من السنين في قرن واحد فقط، فإذا كان الانفجار قد حدث في الثواني الأولى من هذه المائة سنة، فإن العناصر الأساسية للمواد قد تكونت في الدقائق الثلاثة الأولى- كما يقول ستيفان واينبرج- وتكونت مجرة درب اللبانة مع المجموعة الشمسية التي تضم الأرض في الخمسين سنة الأولى، غير أن الأرض عاشت أحداثاً كبيرة قبل أن تظهر الحياة الأولى التي لم تتعد في بداية الأمر مجهريات صغيرة تعيش في الحساء البدائي، ولنقل إن هذا الأمر تطلب نحو سبعين سنة منذ الانفجار العظيم، غير أن ظهور الكائنات والحيوانات القادرة على التناسل والإنجاب لم يكن إلا في السنين العشر الأخيرة، وتطلب الأمر عشرين سنة أخرى ليظهر الديناصور فوق الأرض. ثم تسعة وتسعين سنة لينقرض هذا الديناصور وتظهر القردة. أما الإنسان العاقل فلم يظهر إلا في الساعة الأخيرة من حياة الكون، وفي نصف الساعة الأخيرة تم اكتشاف الزراعة والكتابة، أما الثورة الصناعية الحديثة فقد ظهرت في الدقائق العشر الأخيرة.
من منظور الزمان الكوني إذن، لا يشكل الإنسان سوى مجرد كائن عابر لا تحتل حضارته سوى دقائق معدودة. أليس لهذا السبب ينظر هيدجر إلى الإنسان ككائن زماني، حيث ربط بين مشكلة الوجود ومشكلة الزمان ربطاً جوهرياً. يمر الزمان ويترك أثره على الأجساد وعلى الطبيعة، لكنه يحفر عميقاً مجراه في وعينا ومشاعرنا. هذا الإحساس بالزمان هو ما عبر عنه الأدب والشعر، حيث تظل صرخة لامارتين خالدة:
وتلقي بنا {الأيام} دوما نحو شطآن جديدة
وفي الليل الأزلي تأخذنا من دون رجعة
على عباب أقيانوس الدهور، أفلا نستطيع أن نلقي المرساة ولو ليوم واحد؟.
…………………………………
هوامش

1ـــ إتيان كلاين، هل الزمن موجود؟ ترجمة فريد الزاهي، طبعة هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة 2012 ص 8.

2 ــ بول دايفز، كيف تبنى آلة الزمن؟ ترجمة منير شريف، الطبعة الأولى 2010 ص 132.

3 ـــ جيلبير شاردان: هل يمكننا السفر عبر الزمن؟ ترجمة د عز الدين الخطابي. طبعة هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة 2012 ص 56.

ممرّات دوديّة

يتحدث العلماء عن فكرة السفر في الزمن بشكل مختلف عن الروايات وكتابات الخيال العلمي.. إن الحديث يجري عن إيجاد ممرات يمكن من خلالها العبور من فضاء إلى آخر، أو التجول بين النجوم والكواكب والانتقال بينها، ويطلق العلماء على هذه الممرات اسم: الثقوب الدودية. والغريب، الذي يصعب حتى على الخيال تصوره، أن هذه الفكرة تقضي بكل بساطة بإمكانية ثني الزمكان على حافتين متطابقتين للحصول على مثل هذه الثقوب. كيف يمكن أن تطوى السماء؟

تبدو العملية أمراً إلهياً خارقاً.
_______
*الاتحاد

شاهد أيضاً

ربيع الفلسفة بفاس يحتفل الفلسفة والترجمة

*خاص  ثقافات  * د . عزيز الحدادي الترجمة ابداع ,والإبداع وجود ,والوجود فلسفة ,انطلاقا من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *