الرئيسية / قراءات / كتابةُ السياسة أم سياسةُ الكتابة؟/ قراءة في رواية “بيضة العقر” لمحمد الهجابي

كتابةُ السياسة أم سياسةُ الكتابة؟/ قراءة في رواية “بيضة العقر” لمحمد الهجابي



*عمر نعسيلة


خاص ( ثقافات )
«ليس الروائي مؤرخاً ولا نبياً: 
إنه مستكشفُ الوجود»
Milan Kundera, L’art du roman,
Ed. Gallimard, Coll. Folio, (1986) 1995, p. 59.
••• 
«ليست الرواية اعترافَ الكاتب، ولكنها
استكشافٌ لما هي عليه الحياةُ البشرية 
داخل عالم أضحى فخّاً»
Milan Kundera, L’insoutenable légèreté de l’être, 
Ed. Gallimard, Coll. Folio, (1987) 1992, p. 319.
-1-
“بيضة العقر”
عنوان طريف، لاشك.
لكن الأطرف، أنه يشير إلى استراتيجية كتابية بانية لأعمال محمد الهجابي. العنوان في هذه الكتابة ليس حلية للتزيين، ولا عبارة إشهارية تعرض المُنْتَجَ وتحفز على الاقتناء والاستهلاك، ولا وسيلة تربوية تأخذ بيد المتلقي وتقوده أثناء رحلته الخطرة في دهاليز النص وسراديبه، وتساعده في الوصول إلى سدرة المنتهى: كنز المعنى. إنه هامش يخترق النص ويبني الخطاب. وهذا الاختراق وذاك البناء يأخذ شكلين مختلفين. يتجلى الأول في المبتدَع (بوح القصبة ، إناث الدار ). ويتمثل الثاني في استثمار العنوان عبارات مسكوكة تراثية، وإقحامحها في مغامرة كتابية جديدة مختلفة، فتصبح لهذه العبارات وظائف تنسجم والخطاب الروائي المتغيا بناؤه (زمان كأهله ، موت الفوات ). ويمكن إدراج عنوان “بيضة العقر” ضمن هذا الشكل الثاني. لا يتعلق الأمر، إذن، بخمّ ودجاج وديكة وبيض، وإنما بعنوان سؤال. أَيُّ كتابة هي كتابة محمد الهجابي؟ أهي الكتابة الوثيقة؟ الكتابة الشهادة؟ الكتابة المرآة؟ الكتابة الحقيقة؟ أي كتابة السياسة؟ أم هي كتابة فريدة، بيضةُ عقرٍ ، تفتح أفق كتابة مختلفة، وتمارس فعلاً كتابياً سياسياً حقاً يتأسس على المستمر بين الفعل الكتابي والحياة لا على المنقطع بينهما؟
-2-
وأسفل العنوان نقرأ العبارة المثيرة التالية:
«وضمنه بعضٌ مما جاء في مذكرة النحيلي الخاصة بصدد هذا النص وعلى هامشه»
هناك نصان في هذا المؤلَّف، إذن.
الأول كتبه الكاتب محمد الهجابي، وهو رواية بيضة العقر.
والثاني ألفه النحيلي بصدد النص الأول وعلى هامشه، وهو مذكرة النحيلي الخاصة. لكن الحاضر في المؤلَّف ليس المذكرة بكاملها، بل بعض مما جاء فيها. النص الثاني عبارة عن منتخبات من المذكرة إياها.
مَن الذي اختار وانتخب؟
العنوان والعبارة يعلوهما اسم واحد، هو: محمد الهجابي.
النص، لذلك واحدٌ، لكنه ليس بالبسيط. إنه مركب، يقوم على تعدد الأصوات.
في كتابة السياسة نجد صوتاً واحداً (أنا/نحن)، يتوجه إلى الآخر (أنت/أنتم)، يخاطبه بالحقيقة التي لا حقيقة سواها. الكتابة، هنا، مونولوغ، أي تكلُّم مع الذات. وليس هناك صوت يتقاطع مع صوت هذه الذات، ويعارضه، وينافسه، ويكمّله، ويناقضه، ويخالفه.
في سياسة الكتابة نجد أصواتاً متعددة يضمها ضمير واحد هو: نحن. عندما يتكلم (أنا) بكلام (أنت)، وعندما يتكلم (أنت) بكلام (أنا)، أي عندما أتكلم من موقع الآخر، وعندما يتكلم الآخر من موقعي، أو عندما أتكلم مع الآخر كما لو أنني أكلم نفسي، نصبح في مونولوغ من نوع جديد؛ مونولوغ النحن تذوب فيه كل الفوارق، وتنهدم فيه كل الإجابات، ولا تبقى السيادة إلا للسؤال؛ سؤال تبنيه ذات متفردة لأنها ذات متعددة.
-3-
“تنبيه”
يواجه القارئ حاجزاً بين صفحة الغلاف الداخلية وتصدير الرواية. “تنبيه” (ص.5). والتنبيه إيقاظٌ من نوم أو غفلة، لفتُ انتباهٍ إلى أمر، دعوةٌ إلى اليقظة والحذر والاحتراز. 
مَن المخاطَب هنا؟
إنه القارئ الغافل الجاهل، ذاك الذي يسميه عبد الله بن المقفع بالقارئ السخيف أو السفيه .
لكن القارئ السخيف لدى ابن المقفع هو ذاك الذي يحتفي بالحكاية، بالسرد أي بـ”اللهو”، ويهمل “الحكمة”. بينما القارئ السفيه لدى الهجابي هو ذاك الذي يهتم بـ”التاريخ” وينسى “الحكايةَ”. “التخييلَ”، “السردَ التخييلي”. “التخييلَ السردي”.
هناك قارئان سخيفان، إذن.
قارئ ابن المقفع السخيف يصرف «همته إلى النظر في أبواب الهزل»، فيكون «كرجل أصاب أرضاً طيبة حرة وحَبّاً صحيحاً، فزرعها وسقاها، حتى إذا قرُب خيرها وأينعت، تشاغل عنها بجمع ما فيها من الزهر وقَطْعِ الشوك؛ فأهلك بتشاغله ما كان أحسن فائدة وأجمل عائدة.» (ص. 122).
وقارئ الهجابي السخيف يقرأ النص بوصفه نقلاً لوقائع «حصلت تماماً في فترة مَفصلية من تاريخ المغرب الراهن؛ نهاية سبعينيات القرن العشرين.»، أي يقرأ النص بوصفه “تاريخاً ” للتحولات التي شهدها تيار من اليسار المغربي، وانتقاله من العمل السري (حركة 23 مارس) إلى العمل القانوني الشرعي (منظمة العمل الديموقرطي الشعبي) سنة 1983. إن القارئ، بهذا المسلك القرائي، «يُخرج الحكاية عن إطار التخييل»، ويحمّلها «ما لا تستطيع تحمّله، ما يتجاوزها بكثير.» (ص. 5)
ويفصح ابن المقفع عن قارئه الآخر؛ إنه القارئ النَّبِهُ الفَطِنُ الحكيم الفيلسوف، ذاك الذي يستطيع «الوقوف على أسرار معاني الكتاب الباطنة.» (ص. 123)، بل إنه القارئ العاقل ذاك الذي «إذا فهِمَ هذا الكتابَ وبلَغَ نهاية علمِهِ فيه، ينبغي أن يعمل بما عَلِمَ منه لينتفع به؛ ويجعلَهُ مثالاً لا يحيد عنه.» (ص. 112).
الحكاية عند ابن المقفع صدفة داخلها درّةٌ هي الحكمة. ولا فائدة في حكمة لا عمل بها. الحكاية هنا مجرد وسيلة تعليمية تستهدف تغيير الوعي وتوجيه العمل. الكتابة، لذلك، لدى ابن المقفع تأديبية تربوية.
هل يشير الهجابي إلى قارئه الآخر؛ القارئ النابه؟
إذا كان هذا القارئ نبيهاً وذكياً فهو لا يحتاج إلى دعوة إلى اليقظة والحذر والاحتراز. لكن من خلال تنبيه الهجابي للقارئ الغافل يمكن بناء صورة لقارئه الفطن. 
يدرك هذا القارئ أنه بصدد نص تخييلي، شخوصه ورقية، وليست صورة لكائنات حية؛ إنها كائنات خيالية. لكنه يدرك، في الوقت نفسه، أن “معمار” هذا التخييل مؤسس على «تجربة في الحياة والسياسة والحب» موشومة برغبة عارمة في «تحقيق أحلام بسعة جموح أفراس البراري والنجود» (ص. 5). النص، بالنسبة لهذا القارئ، ليس تأريخاً واستعباراً، ولا حكمةً ولا لهواً. إنه ليس صدفة/ تخييلاً بداخلها لؤلؤة/ عبرة. إنه الصدفة واللؤلؤة في الآن نفسه. لا انفصال بين الكتابة والحياة؛ إذ الكتابة ليست مجرد كتابة. إنها ليست مجرداً. إنها مادةٌ تُدركُ بالحواس الستّ. جسدٌ له إيقاعه الخاص. في الكتابة، لذلك، حياةٌ. إنها الحياة.
ثم إن القارئ النبيه هو من ينتبه إلى الكلمة في أسفل صفحة الغلاف الأولى: “رواية”. كلمة سيقول عنها مريدو الشعرية البنيوية، المغرمون بتصنيف الأعمال الأدبية وتقسيمها وترتيبها وتحديدها لا بالكشف عن خصوصياتها الكتابية وبالتالي فرادتها، متابعين في ذلك شاعريهم المقدّم جيرار جُنيت : إنها كلمة تجنيسية، تشير إلى جنس النص الأدبي. والجنس هنا هو جملة من القواعد الفنية المحددة والراسخة والمنتهية، يكتب الكُتاب نصوصهم باحترامها كلياً أو جزئياً.
هل الأمر يتعلق بجنس معلوم الخصائص والمميزات، محدد القواعد والمعالم؟
لنشارك القارئ النبه في نَهَلِ ثلاث جُرَع من ثلاث خَوابٍ معرفية لعلها تطفئ الغُلّة، ولو إلى حين، وتتيح متابعة المسير.
الجرعة الأولى: يكتب ميخائيل باختين، صاحب المبدأ الحواري، شارحاً المعنى التطهيري (أو الكاثارسيسي) للضحك الكرنفالي في أعمال دوستويفسكي: «إن الموقف الكرنفالي من العالم لا يعرف […] النقطة النهائية، وهو يرفض أي خاتمة نهائية: إن أي خاتمة هنا هي مجرد بداية جديدة» . ويضيف شارحاً بعبارة أخرى: «لم يوجد بعدُ في العالم شيء نهائي، ولم تصدر كلمة العالم الأخيرة عن العالم بعدُ، والعالم مفتوح وحر، وإن كل شيء ما يزال طي المستقبل وسيكون طي المستقبل.» . والسؤال الذي يمكن طرحه هنا: إذا كان العالم مفتوحاً وحرّاً، وإذا كان كل شيء ما يزال في طور المجيء، وسيظل كذلك، وإذا كانت كلمة العالم الأخيرة وعن العالم لم تُقل بعدُ، فأي شكل كتابي سيكون ملائماً لكتابة هذه الخاتمة أي البداية الجديدة؟
الجواب لدى باختين واضح: النثر الروائي. الرواية.
لكن، ما الرواية لديه؟
يؤكد باختين أن الرواية بُنيت، منذ البدء، «في منطقة اللقاء المباشر مع هذا الحاضر غير المنتهي، لا في “الماضي المطلق” السحيق. وكان أساساها التجربةُ الشخصية والإبداعُ الحرُّ الخلاق.» . ولذلك، فهي قد عُجنت في «عجين آخر مختلف عن عجين باقي الأجناس المنتهية. إنها من طبيعة مختلفة» . فهي «لا تمتلك أدنى قاعدة !» لأن طبيعتها المختلفة تلك تجعلها تمتاز بغياب القواعد. «إنها الكلّ في حالة مرونة. إنها جنس يبحث عن نفسه باستمرار، ويحلّلها، ويعيد النظر في كل أشكاله المكتسبة. وهذا غير ممكن إلا لجنس يُبنى في منطقة اللقاء المباشر مع الحاضر وهو في حالة صيرورة.» .
يمكن اختزال فكرة باختين في العبارة التالية:
لا يعبر عن عالم مفتوح وحر إلا جنس مفتوح وحر: الرواية.
الجرعة الثانية: يلاحظ إ. م. فورْسْتْرْ في كتابه مظاهر الرواية بأن الرواية هي «جنس أدبي من أنواع جد متنوعة» ، ويستخلص من ذلك أنه «لا توجد قواعد، ولا فن للرواية. لا يوجد إلا الفن المطلوب من قِبل الروائي من أجل أن يبلغ بعمله الخاص إلى شاطئ الآمان.»، أي الفن الذي يلائم «إشكاليته» و«طبعه الفردي» .
الجرعة الثالثة: حاول ميلان كونديرا أن يستنطق الفكرة الخاصة عن الرواية التي تتضمنها أعماله الروائية، ويستكشف رؤيتها الضمنية لتاريخ هذا الجنس الأدبي، ويحتفي بسلالته الروائية، في كتبه: فن الرواية، الوصايا المغدورة، الستار، لقاء.
ويبين في كتابه فن الرواية أن العلوم قد دفعت الإنسان، منذ الأزمنة الحديثة، إلى داخل أنفاق معارف متخصصة. وكلما تقدم في معرفته كلما فقد اتصاله بمجموع العالم وبنفسه غارقاً في ما سماه هايدغر “نسيان الوجود”. «هكذا أصبح الإنسان، الذي رفعه ديكارت قديماً إلى مرتبة “سيد الطبيعة ومالكها”، مجرد شيء بسيط في منظور القوى التي تتجاوزه، وتتفوق عليه، وتتملكه؛ قوى التقنية، والسياسة، والتاريخ. إن هذه القوى ترى أن الوجود الملموس للإنسان، “عالم حياته” لم تعد له أي قيمة ولا أي فائدة: لقد أصبح محجوباً، منسياً سلفاً» .
ويلاحظ كونديرا أن الرواية، عكس العلوم «قد صاحبت الإنسان على الدوام وبإخلاص منذ بداية الأزمنة الحديثة. إن “شغف التعرف إلى” قد تملكها إذ ذاك من أجل أن تتقصى الحياة الملموسة للإنسان وتحميها من “نسيان الوجود”؛ من أجل أن تُبقي “عالم الحياة” تحت كشف مستمر.» (م.ك، المرجع نفسه). 
ويضيف كونديرا مكثفاً رؤيته للرواية، أنه بهذا المعنى يفهم ويشاطر الإصرار الذي كان هرمان بروخ يكرر به الرأي التالي: «اكتشاف ما لا تستطيع غير الرواية اكتشافه، هذه هي العلة الوحيدة لوجود رواية. الرواية التي لا تكتشف قِسماً ما يزال مجهولاً من الوجود إلى ذلك الحين، رواية مُنْكَرَة. المعرفة هي المغزى الوحيد للرواية.» .
-4-
التصدير
وصل محمد الهجابي بين العنوان والنص بتوظيف تصدير. والتصدير عنصر بنائي للنص والدلالة والخطاب في أعماله، وتتمثل وظيفته الأساس في الإسهام في تحقيق الترابط بين الداخل والخارج النصيين. 
اختار الهجابي لازمة أغنية “سقوط وتحليق”، وهي من أغاني فيلم القلب المجنون لسكوت كوبر (2009)، كتصدير لروايته:
«من الغريب أن يبدو السقوط كتحليق لمدة قصيرة».
يتأمل المتكلم/ المنشد في الأغنية حياته، ويكثفها في بعض العبارات من مثل: إنه ذهب إلى حيث لا يجب أن يذهب، ورأى ما لا يلزم أن يراه، وفعل ما لا ينبغي أن يفعله، وحاول أن يكون مَن لن يكونه أبداً… وإذا اعتقد مخاطَبوه أنه قوي، فهو يخبرهم أنه قد توقف عن المقاومة.. وأنه لم يرد أن يؤذي أحداً.. وأنه قد عثر على طريقه أخيراً.
واختزل المنشد تجربته في اللازمة التي اختارها الهجابي كتصدير للرواية: من الطريف (أو العجيب، أو الخادع) أن يبدو السقوط كتحليق لبعض الوقت.
والسقوط هو الوقوع أو الهبوط على الأرض بسبب فقدان التوازن، وهو الرسوب والإخفاق وعدم النجاح، وهو الفشل، وهو الانحطاط والانهيار. أما التحليق فهو الطيران والارتفاع في الجو، وهو السمو.
هل يتعلق الأمر، في هذه الرواية، بحكاية سقوط يبدو كتحليق؟ ! بنسيان الوجود بفعل قوة سائدة هي قوة السياسة، كما يقول هايدغر؟! بفصل الكائن/ الحلزون عن العالم والحياة الفعلية/ القوقعة والقذف به خارج الفضاء؟! بحجب الكائن وإلقائه في غيابات النسيان؟!
-5-
وحدةٌ في تعدد
إننا كقراء للعمل السردي، لا نحصل على تلقٍ مباشر للوقائع التي يصورها. إننا نتلقى، بالإضافة إلى الأحداث، رؤيةَ من يرويها.
فمن السارد في رواية بيضة العقر؟
تتقدم الرواية إلى القارئ، بعد صفحة الغلاف الداخلية والتنبيه والتصدير، في تسعة عشر فصلاً. وكل فصل مقسم إلى ثلاثة مقاطع سردية تفصل بينها نجيمات. المقطع الأول والثالث من كل فصل مرقونان بالخط نفسه وحجم (بنط) الحرف عينه. أما المقطع الثاني فمختلف عنهما نوعَ خط وحجمَ حرف. والملاحظ أن الفصل 17 لا يخضع لهذه القاعدة؛ فهو غير مقسم إلى مقاطع سردية، ومرقون بخط المقطعين الأول والثالث نفسه، وحجم الحرف فيهما أيضاً.
ما دواعي هذا البناء؟
الملاحظ أن المقطع الثاني هو الذي يتضمن بعضاً مما جاء في مذكرة النحيلي الخاصة بصدد نص الرواية وعلى هامشها، ويبلغ عدد هذه المقاطع ثمانية عشر مقطعاً، وهو يغيب عن الفصل 17.
أما بقية مقاطع الرواية فقد تقاسم سردها ساردان.
تكفل السارد الأول بسرد عشرين مقطعاً: مقطعا الفصلين 2، و4، والمقطع الأول فقط في الفصول 1، و3، و5، و6، و8، و9، و11، و12، و 13، و16، و19، والمقطع الثالث فقط في الفصول 7، و10، و14، و15، و18، وغاب عن القيام بمهمة السرد في الفصل 17.
أما السارد الثاني فهو الهلالي، وقد تكفل بسرد ثمانية عشر مقطعاً؛ المقطع الأول في الفصول 7، و10، و14، و15، و17، و18، والمقطع الثالث في الفصول 1، و3، و 5، و6، و8، و9، و11، و12، و13، و16، و19. والملاحظ أن الهلالي يحضر كسارد في بداية ونهاية الفصل 17 ليقدم نص شاهد هو إبراهيم، ثم ليعلق عليه. 
هكذا نلاحظ غلبة سرد السارد الأول للمقاطع الأولى من فصول الرواية: ثلاثة عشر مقطعاً، في حين لم يسرد الهلالي إلا ستة مقاطع أولى. وبالمقابل نجد غلبة سرد الهلالي للمقاطع الأخيرة في الرواية: أحد عشر مقطعاً، في حين لم يرو السارد الأول إلا سبعة مقاطع أخيرة.
لكن الفصل 17 يبقى استثناء. وإذا أزلنا تقديم الهلالي وتعليقه، نحصل على سارد ثالث هو إبراهيم، الذي عاش الوقائع التي شهدتها الدار البيضاء بعامة، وحي اسباتة بخاصة، بعد الإضراب العام يوم 20 يونيو 1981 وما تلاه، وكتب عمّا شهده وسمعه نصاً، وأرسله إلى نشرة التيار الطلابي، فقام الهلالي بترجمته من الفرنسية إلى العربية. وصرح في بداية الفصل، بأنه، ربما، أحدث بعض التغيير البسيط فيه.
ما الذي يَلْحُمُ هذه العناصر المختلفة؟
إنها ليست استمرارية الحدث، ولا سيرورة التاريخ، ولا كرونولوجيا سيرة شخصية (الهلالي مثلاً) أو عائلة سياسية (تيار من اليسار المغربي). إن ما يؤسس لوحدة هذا المجموع هو شيء آخر لا يمكن تبيُّنُهُ بسهولة ولأول وهلة؛ إنه استمرارية نفس التيمة: استكشافُ ما حياة الإنسان في ظل سياسة متسلطة، وإيديولوجيا مجنونة عمياء. 
وقد جنّد الكاتب لهذا الاستكشاف ثلاثة أصوات بالأساس: السارد الأول والسارد الهلالي، والنحيلي، كلٌّ من موقعه وتجربته ومساره: السارد الأول العارف المتابع الملاحظ القريب البعيد، والهلالي الفاعل المشارك المكتوي بلهيب الحياة والسياسة والحب، والنحيلي الصديق والرفيق صاحب كتابٍ مخطوطٍ ضَمّنه انطباعاتٍ ومرويات مما تحاور فيه لأيام مع الهلالي. (ص. 289)
وليس هذا وحسب، فشهادة إبراهيم في الفصل 17 وجهة نظر أيضاً. ويمكن الانتباه إلى أن السارد الأول والسارد الهلالي يستعملان ضمائر متنوعة للقيام بمهمة السرد. لكن السارد الأول يوظف ضمير الغائب للسرد بالأساس، وبالأخص ضمير الغائب المفرد (هو) الذي مرجعه الهلالي في المرتبة الأولى، لكن عندما يغيب الهلالي (لم يحضر حفل استقبال عودة قيادة المنظمة من المنفى) في المقطع الأول من الفصل 16، يستعمل هذا الضمير للدلالة على صديق الهلالي سلام بالأساس، وقد يستعمل أحياناً ضمير الغائب الجمع (هم): في المقطع الأول من الفصل 12 والمقطع الثالث من الفصل 14 للدلالة على أفراد خلية الرباط، وفي المقطع الأول من الفصل 16 للدلالة على مناضلي المنظمة الذين قدموا من مختلف المناطق لاستقبال عودة القيادة من المنفى يوم 8 مارس 1981. أما السارد الهلالي فيستعمل في السرد ضمير المتكلم المفرد (أنا) بالأساس، لكنه أحياناً يستعمل ضمير المتكلم الدال على المثنى في المقطع الثالث مثلاً من الفصل 11، ويقصد نفسه وسلام، أو يستعمل ضمير المتكلم الدال على الجمع في المقطع الثالث مثلاً من الفصل 12، ويقصد به الجماعة المنسحبة من حزب التقدم والاشتراكية. غير أن الرواية تحكي قصة انسحاب جزء من (نحن) ثم التحاقه بـ(نحن) آخر، وداخل هذا (النحن) الجديد سيجد الهلالي نفسه ضمن فريق عمل، أو خلية نحل، أو (نحن) داخل(نحن)؛ خلية الرباط.
أما نص النحيلي فيجنسه الكاتب في العبارة أسفل عنوان الرواية بـ”المذكرة”، ويصفه الهلالي بالمخطوط الذي ضمّنه النحيلي «انطباعات ومرويات مما تحاورا حوله لأيام، فجاءت في ما يشبه كتاباً». أما النحيلي نفسه فيكتب عن مذكرته ما يلي: «على مشارف السنة الجديدة، سلمته [يقصد الهلالي] مخطوطاً بارتساماتي. قلت له إنها مجرد انطباعات ونقل مبتسر لآراء دارت بيننا. وقد سجلتها متوسماً فيها نفعاً. لم ألمع إلى محتوياتها. وضعت المخطوط بين يديه، وتركت له المساحة الضرورية ليفكك شيفراته. أما أنا فاكتفيت بما أودعته إياه من هواجس وأفكار.” (ص. 281). المقطع الثاني، إذن، من فصول الرواية هو مذكرة خاصة تتضمن انطباعات ومرويات مصاغة في شكل كتاب. والمذكرة (Le mémoire) هي البحث، لكنه بحث خاص حر لم يلتزم النحيلي في صياغته بالقواعد الصارمة للبحث العلمي، فهو يتضمن تدويناً لانطباعات وهواجس ومرويات كانت موضوع حوارات بينه وبين الهلالي. ولعل هذا هو ما دفع الكاتب لانتخاب بعض مما جاء في هذه المذكرة فقط، وتقييدها وسط فصول روايته لخدمة “إشكاليته” الخاصة كما يقول أ. م. فورْسْترْ، وإيصال عمله الروائي إلى برّ الأمان. 
نص بيضة العقر متفرد.ٌ ولذلك فهو متعدد. أصواته متعددة، وكل صوت لا ينفي الآخر و لا يلغيه، بل يضيئه. لا غرابة إذا وجدنا الرواية تتضمن كتابات من أنواع متنوعة: سردٌ وشهاداتٌ ووثائقٌ وأبحاثٌ، ولا عجب إذا ألفينا مَن يدوّن المرويات وينجز أبحاثاً ينتقد من يقوم بمهمة السرد. يكتب النحيلي في مذكرته: «.. في هذا المخطوط الذي بين يدي [يقصد رواية بيضة العقر]، قبل أن يدفع به كاتبه إلى النشر، استرعت انتباهي علاقة الولد الهلالي بالأنثى. القارئ للعمل سيخرج، ولا شك، بانطباع مؤداه أن الولد جريء. معرفتي الشخصية به تقول غير ذلك. على الأقل ليس بتلك الجراءة التي يصرح بها المخطوط. أنا لا أفقه لم اختار المؤلف أن يقدمه على هذا النحو، وما الغاية من ذلك؟ هذا ليس بالهلالي. حتماً ليس بالهلالي الذي أعرف، أفكر في علاقته بليلى مثلاً. يتكلم عنها كما لو كانت قحبة مكرسة. السارد أيضاً وَغَلَ في الموضوع كأنه شاهد عيان. من حديثهما عن البنت قد يُركِّب المتلقي صورة مشوهة لها. وهذا ليس عدلاً» (ص. 253)، ويضيف بعد ذلك: «فدعوني أقول لكم: إنها مجرد حكايات لا أساس لها من صحة. عقب تخرجها تزوجت البنت. الساعة هي حامل. شاهدتها شهر يونيو بالقنيطرة تمشي الهوينى على رصيف شارع محمد الخامس تدفع قدامها بطنها المنتفخ كبالون، وترتفق بذارع زوجها. من مرآه يبدو أنه موظف حكومي. ألا تكفي هذه الشهادة لكي يعاد الاعتبار لليلى وعبْرها لياسمين؟ أنا لا أستبعد أن حقيقة حكاية هذه الأخيرة ليست كما قُدمت في المتن الذي بين يدي.. أقول قولي هذا ولا أُهَوِّرُ أحداً بخراقة أو هَلْج. ولا آبه أيضاً إذا ما اطلع الهلالي يوماً على ملاحظاتي هذه وأظهر اعتراضاً..» (ص. 256-257).
دعونا نلعب !
يا صاحبي الشاعر والأخ والزميل والصديق والرفيق والباحث النحيلي، إنك لم تنتبه إلى أنك قد وضعت يدك على موضع سوء الفهم بخصوص الكتابة؛ كتابة رواية: إنها ليست كتابة الحقيقة، إنها، كما تقول عنها أنت، «مجرد حكــــــــــايات، ولا أساس لها من صحة.» (ص. 256) واسمح لي ببعض التصرف في عبارتك عبر حذف كلمة (مجرد) وأقول: الرواية هي حكاية أو حكايات، وبما أنها كذلك فإن الهلالي وليلى وياسمين وجميع شخصيات الرواية الأخرى، وأنت واحدٌ منها أيضاً، ليست بكائنات من لحم ودم تمشي في الأسواق. إنها كائنات خيالية يمتحن الكاتب عبرها ما يمكن للإنسان أن يَكونه، وما يمكن أن يحققه. هذا هو درس كونديرا: «لا تفحصُ الرواية الواقع لكن الوجود. والوجود ليس هو ما وقع، إنه حقل الإمكانات البشرية، كلّ ما يمكن للإنسان أن يَكونه، وكل ما هو قادر على إنجازه.» .
لنفهم، إذن. الصوتُ واحدٌ في رواية بيضة العَقر، لكنّ أُسَّهُ الاختلاف، وأفقه التعدد.
-6-
سطوة السياسة
تبدو السياسة كما تمارسها أطراف كثيرة في الرواية قوة ذات سلطة وسيادة وسطوة وعنف وسيطرة. إنها تهيمن على كل شيء. تجعل من نفسها مركزاً؛ المركز الوحيد الذي لا مركز سواه. أما باقي العناصر فما هي إلا أدوات؛ مجرد أدوات في خدمة أمنا السياسة ليس غير. وتزداد شراسة هذه القوة حدة عندما يغيب عنها عنصر مؤسِّس: الثقافة، وإذا اعترفت به تحصره في هامش ضيق معزول. كيف يمكن تصور سياسة ملائمة ومطابقة إذا لم تكن صادرة عن فكر مؤسَّس على الحرية، ومتولدة من ثقافة قائمة على السؤال؟ 
يشير النحيلي إلى ردود الفعل التي قوبل بها إعلان الهلالي عن انسحابه من حزب التقدم والاشتراكية: «منذ البداية أُشعِرَ بأن في انسحابه من الحزب عقوقاً ومروقاً […] هذا ارتداد […] هذه ضربة وراء الظهر. إنها خيانة حتى.» (ص. 12). إن الانسحاب من حزب؛ وحزب ينتمي إلى عائلة اليسار الواسعة، لم يكن مسألة بسيطة آنذاك، إذ قد يكون لها انعكاسات شتى على المناضل المنسحب نفسه لتشبّعه بثقافة حزبية ضيقة. يكتب النحيلي: «لا ينكر الهلالي أن شعوراً باليتم اعتراه في البداية. لم يكن أمر الانسحاب سهلاً كما يبدو للبعض.» (ص. 19)، ويضيف في مكان آخر مبرزاً أثر الانسحاب على جسد الهلالي ولسانه: «وفي خضم ذلك عانى معاناة قاسية جعلته يفقد الكيلوجرامات من وزنه، حتى تعظّمت منه الوجنتان والفكان، وغرقت عيناه في محجريهما، ونسلت عنه كسوته وفاضت. على أن لسانه تحرر كثيراً» (ص. 239-240).
ومن النتائج التي قد تترتب عن اختلاف في المواقف داخل التنظيم الواحد أو بين تنظيمات مختلفة هو قيام حرب قذرة بين الأطراف المختلفة تقوم على ترويج صورة مشوهة عن الآخر المختلف، دون احترام لقيم الحرية والتعدد والاختلاف. يعترف الهلالي لهشام؛ رفيقه الجديد في التنظيم الذي التحق به قائلاً: «إنني في زمن انتمائي إلى حزبي السابق أشعت عنك خبراً مفاده أنك تدخن الحشيش. الذي شجعني على ترويج هذه الكذبة المقرفة بين مناضلي الحزب والعاطفين عليه من الطلبة هو هيئتك. عِظمُ جمّة شعر رأسك المهوش والمنفوش، طريقة سفّك للسجائر، مداسك السابو.» و«ابتسم هشام وعلّق: لا عليك يا رفيقي. أتفهّم ذلك حتى وإن لم يرقني. إنها حرب التنظيمات الحزبية.» (ص. 33). ويضيف النحيلي: «الحرب! هذه الحرب نفسها عانى منها الهلالي عقب انسحابه من الحزب. قيل عنه من طرف رفاق الأمس إنه صار يسارياً متطرفاً. وبكلمة أخرى إنه أصيب بـ”مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية”[…] لم يقل الحزب عن الهلالي إنه انتسب إلى “اليسار الجذري” أو “اليسار الراديكالي” أو “اليسار الماركسي-اللينيني” أو “اليسار” حتى […] الحزب قال عن الولد إنه انتمى، بالأحرى، إلى “الانتهازية اليسارية”، وفي أحسن الأحوال إنه التحق بـ”اليسار المتطرف”[…] والمؤدى العملي من ذلك، بالنسبة للحزب، أن الهلالي يخدم بانسحابه وبسلوكه الجديد أعداء الحزب، ما دامت “الانتهازية اليسارية في خدمة الانتهازية اليمينية”. لم يصر الهلالي إذا إلى اليسار، وإنما صار إلى اليمين.» (ص. 35-36).
إن العدو الأكبر لسادن المؤسسة الحزبية هو السؤال، فهو بداية الانحراف. يحكي النحيلي عن الهلالي أن هذا الأخير رافق عضواً من الديوان في سيارته من فاس إلى القنيطرة، «وفي الطريق راح يطرح على الأخير أسئلة حول حقيقة بعض مواقف الحزب الإيديولوجية والسياسية. كان دافعه إلى طرح أسئلته تلك هو حبه في فهم أطاريح الحزب. وفي لحظة، هي أسرع من خطف الرمش، ضغط ش. ل على كابح السيارة، ونحا بالآلة الحديد جانباً، ثم اندفع إلى الهلالي يستفسره عن مرماه من أسئلته هذه التي جعل يقصفه بها بالتتابع والترادف. سكت الهلالي على الفور […] احتفظ بأسئلته لنفسه. دفع بها إلى داخله دفعاً دون أن يعدمها. بقيت راقدة في أنفاق روحه […]ساعتها تأيّد للولد أن أشد ما يخشاه سادن التنظيم السياسي […] هو أن يشْرع مناضل […] في طرح أسئلة عن “الحقيقة الحزبية” […] بداية الانحراف تبتدئ بوضع منطلقات التنظيم محل سؤال.” (ص.52-53).
وإذا كان هذا حال حزب يعمل في العلانية، فإن الأمر في تنظيم سري يزداد غموضاً. يدون النحيلي في مذكرته قولاً لسلام: «في السرية هناك الكثير من اللبس والغموض والإبهام. أنت تسمع توجيهاً باسم الم. س ولا تعرف من أصدر هذا التوجيه بالضبط. إذ أنك باسم الم. س قد تُمرّر قرارات ومواقف. الم. س قال. الم. س قرّر. الم. س أعطى التوجيه. هذه تعليمات الم. س. من يكون هذا الم. س؟ […] الم. س هو المكتب السياسي. والل. م هي اللجنة المركزية.» (ص. 113). ويسجل النحيلى إضافة الهلالي: «الهيئات العليا، ومنها الم. س، تقرر بينما الهيئات السفلى، ومنها الخلايا واللجان، تنفذ. الفوق يوجه والتحت يطبق. السيد يصدر تعليمات، والعبد ينجزها. هي، إذن المركزية الديموقراطية(؟!)|. هناك من يبدع في تنفيذ التوجيه رغم اختلافه معه أو معارضته له. ينفذ بإبداع. هنا المتعة أيضاً […] أليس هو من قمة التنفيذ ومنتهى جماليته أن تدرك أنك عبدٌ، وتبدع في عبوديتك؟..» (ص. 115-116).
ولهذا نرى الهلالي يؤيد قرار الشرعية لأن حقيقة الديموقراطية بالنسبة له «هي العلانية والشرعية بالمعنى الرحيب للفظين. والقرار بالعمل في العلانية هو اعتراف بروح الديموقراطية. النضــال الديمـــوقراطي هو نضال عــــلاني، ولا يمكن أن يكون غير ذلك.» (ص. 141) . كتبتُ «الهلالي يؤيد». نعم، لكنه لم يستشر في الأمر، هو ولا غيره. يسرد قائلاً: «اللجنة المركزية للمنظمة أخذت القرار. والمكتب السياسي يخبرنا باللازم. نفذ ثم ناقش، تقول القاعدة. هذا كل ما في الأمر. وما صار بوسعنا فعله هو السعي إلى تسويغ القرار.» (ص. 139). مع ذلك يقيد النحيلي أن الهلالي «رأى في قرار القيادة حكمة ونضجاً»، ولأنه قرار سيحرره من قداسة أقنوم جديد: السرية (ص. 145).
لكن عودة الهلالي إلى النضال العلني لا يعني أن رياح هذا النضال ستهبُّ في الاتجاه الذي تشتهيه سفن الديموقراطية. يسرد في مستهل الفصل 14: «فاتح ماي، نقله غلاف النشرة الطلابية “الشباب الديموقراطي” في صورة، وبالأبيض والأسود. الصورة الفوتوغرافية عوضت لوحة تشكيلية لفنان رأت هيئة التحرير الموسعة أنها لا تفي بالغاية (؟!)؛ والغاية أن تكون الصورة جزءاً من دعايتنا وتحريضنا.» (ص. 211). ويضيف في مكان آخر: «إنني لم أستوعب بما فيه الكفاية كيف ألغينا بسهولة لوحة تشكيلية معبرة؛ لوحة فنان شهير لا يشك أحد في انحيازه إلى اليسار!» (ص. 212). يا سي الهلالي، التفسير واضح: في السياسة المطلوب هو ثقافة الدعاية والتحريض لا ثقافة الصالونات ! تصوُّرُ السياسةِ كمركز ما يزال مستمراً. أراك تحرك رأسك يمنة ويسرة. أهو رفض للتأويل أم قبول مشروط به؟ راجع ما كتبته عن زايد: «منذ عادت القيادة من المنفى تراجع زايد عن الإشراف على عدة حقول. تراجع إشرافه، وأخذ يخلف فراغاً. الطلبة حقل بدأ يفتقد حضور الرجل. الذين رافقوا الرجل يتحسسون هذا التلكؤ منه، ولا يكنهون معناه. الهلالي يعزو هذا التطور إلى رغبة القيادة في تولي شؤون المنظمة مباشرة دونما وسيط، حتى ولو كان هذا الوسيط هو زايد. الجريدة كذلك استخذت للمنطق نفسه.». أنت الذي تؤول هنا يا السي الهلالي. القيادة تريد أن تؤدي وظيفتها كقيادة. تريد أن تكون هي القيادة القائدة. ثم تأمل معي ما رويته عن مصير خلية الرباط. إنه دال، لدرجة أن الكاتب قد اختاره ليجعله في صفحة الغلاف الرابعة. أقتطف لك منه ما يلي: «دقت ساعة الوداع. لم يجتمع أفراد الخلية كي يتوادعوا. لم يتوادعوا قط. لم يتعانقوا أو يتباوسوا أو يتحاضنوا، ثم يعلنون الوداع. سارت بهم السبل متفرقة من غير أن يقرروا فيها. لا قرار اتخذوا[…] لكأن آخرين، غيرهم، قرروا بالنيابة عنهم. على حين غفلة منهم، وفي غيابهم كذلك، حددت مصائرهم الجديدة.». عن أي قوة قاهرة تتحدث هنا يا سي الهلالي؟ قوة السياسة أم قوة التاريخ؟ أميل إلى القول إن القوتين معاً تضافرتا من أجل الحسم في مصائر أفراد خلية النحل تلك. أفراد (النحن) الناشط ذاك. إن القوتين المهيمنتين قد نَفَتا أفراد المجموعة إلى فضاء صورة فوتوغرافية وحيدة. صورة يتيمة هي الدليل على أنهم كانوا هنا.
-7-
عماء الإيديولوجيا
نجاحُ السياسة بوصفها قوة تلغي الكائن وعالمَ حياته رهينٌ بتوفرها على إيديولوجيا خاصة. أهم سمات هذه الإيديولوجيا هي قدرتها على اعتقال العقول. وعملية الاعتقال هذه تصفها الرواية بالكثير من السخرية. يدوّن النحيلي في مذكرته: «هذه مهمة الحزب. مهمة قيادته أن تشرف على تكوين المناضلين. التكوين الذي يسهر على راحة بَالِهِمْ وطمأنينة مُهجهم. إنه الحزب/الأب. هناك درس حول الث. الو. الد. في عشر صفحات. ودرس حول الحزب في اثنتي عشرة صفحة. ودرس في الطبقات الاجتماعية والصراع الطبقي في جزأين من ثمان عشرة صفحة. ودرس في الطبيعة الوطنية والطبقية للبرنامج الاقتصادي في خمس عشرة صفحة.. وهكذا دواليك. دروس تغني الهلالي، ولا غرو، عن صرف نقوده في كتب، مثلما تغنيه عن معاناة القراءة والتفكير. عشرات الدروس في المتناول كما كراريس المدرسة، لا تحيق صداعاً بالرأس ولا تثير قلقاً للأعصاب. ما أروعها من دروس، وما أحلاها وأشهاها وأمتَعها، هي لذيذة كالشوكولاتة!» (ص. 205).
وسيحاول الهلالي تحرير عقله من الاعتقال عبر الانطلاق من وثائق المنظمة القائمة على الربط بين السياسة والفكر، والعناية المتميزة بالمسألة الثقافية. ومن حسن حظه أنه التحق بصفوف المنظمة وهي بصدد التشكل الفكري والنظري. كما سيحاول التخلص مما يسميه التعليب الإيديولوجي عبر قراءة أعمال الكثير من المفكرين تُذكر أسماؤهم وأعمالهم والمفاهيم التي نحتوا في الرواية. لكنه يسجل أن المهمة ليست باليسيرة. يروي النحيلي من ضمن مروياته أن الهلالي «أدرك أنه لكي يغادر منطقة التعليب الإيديولوجي لا مناص من قراءات حرة. ولا مفر له مِن تمرد. هو طريق صعبٌ عقب مرحلة تعليب بكاملها، لكن لا خيار للولد. عاد الهلالي إلى العروي، ومنه إلى مفهوم “التأخر التاريخي”. الهلالي مدين لهذا المفهوم في تلمس بعض من معيقات التحديث والحداثة في السياسة والدولة والمجتمع. لكن الهلالي لم يتخلص بالتمام من أثار الدروس ليرى الشارع في ملء اتساعه. هو مقتنع بأن الشارع عريض وفسيح، بيد أنه لم يكن ليراه كذلك بعد.» (ص. 207). 
ولعل الإشارة الأخيرة لا تعني الهلالي وحده بقدر ما تعني الكثيرين من الجيل الذي ينتمي إليه، وحتى المنتمين إلى أجيال سبقت أو لحقت. إنهم لم يتخلصوا من عماء الإيديوجيا وخوائها تماماً ليروا الشارع العريض الفسيح زاهراً بألوانه القزحية. يتطلب الأمر جعل الثقافة هي الأرضية الأساس لبناء الحداثة في السياسة والدولة والمجتمع. 
-8-
سينما.. سينما.. سينما
تحضر السينما في الرواية بشكل مكثف. لنقرأ هذا المقتطف الدال:
«.. ولا يهم الفيلم الذي سيعرض بالقاعة، تقول جنات. المهم هو أن نخرج إلى السينما، تؤكد. يوافقها الهلالي الرأي، ويضيف بأنه لم يترك قاعة بالرباط تقريباً لم يلجها، ويروح يستعرض الأسماء، فيما جنات تجيب: هذه دخلتها، هذه لا. سينما رويال (زنقة بارتو)؟ نعم. رونيسانس وكوليزي ومارينيان (شارع محمد الخامس)؟ ترد جنات: رونيسانس. فوكس (زنقة مولاي إسماعيل، أي زنقة هاري بوب سالفاً)؟ لا. أ. ب. س. بشارع عبد الكريم الخطابي (شارع ماري في سابقاً)؟ لا. ستار (شارع لعلو) وموريطانيا (زنقة الجزاء) والزهراء (ديور الجامع)؟ الزهراء فقط. والحمراء (أو العنبراء) والصحراء (قصر البحر)؟ لا. والمنصور (حي يعقوب المنصور)، والكواكب (شارع الكفاح)؟ لا… وهلمجراً. يعلق الهلالي على إجابات جنات بأنها لا بأس بها. ثم تسأل البنت الهلالي: كيف تجد يا رجل متسعاً من الوقت لارتياد كل هذه القاعات؟ القاعات هذه سكنَ الولدُ إلى ظلمتها وتجلّى شاشاتها. يسمع السينما فيفور الدم في عروقه، وتنفتح مسامّه. ولقد ذَكر أن أولَ قاعة ولجها بالرباط هي سينما الزهوة بحي مابيلا-التقدم. كيف ينساها، وقد تفرج بها سنة 1975، صحبة رفيق سابق له، على شريطLe papillon (1974). كل أصناف الأفلام تداولها الولد. حدث له أن دخل ثلاث قاعات في اليوم الواحد. هذا هوسٌ، تعقب جنات ضاحكة.»(ص. 70-71).
ما التفسير الذي يمكن إعطاؤه لهذا الحضور القوي للسينما في الرواية: أسماءُ القاعات في مختلف المدن التي مر بها الهلالي، وعناوينُ الأفلام التي شاهد، وأسماءُ المخرجين والممثلين..؟ 
يمكن تفسير هذا الحضور بإشارةِ تكريمٍ من الكاتب إلى هذا العالم؛ عالم السينما الذي بدأ يختفي من معمار مدننا وبالتدريج ومن الثمانينيات من القرن الماضي. فأغلب القاعات المذكورة في الرواية وما يحيط بها من مرافق لم يعد لها وجود. وهذا ما يُفزع الهلالي. إنه يشهد غيابَ فضاءاتٍ أمتَعتْهُ زمناً بسبب تحلّل القيم في عالم ما ينفك هو الأخر ينحدر، عالم لم تعد السيادة فيه إلا لسلطة المال والاستهلاك المَرضي والعمران المتوحش. إن الكائن، هنا، يُنتزع من عالم حياته الفعلي ليصبح شيئاً حقيراً. حضورُ السينما في الرواية هو مقاومةٌ للنسيان، إذن.
وكان من نتائج هوس الهلالي بالسينما أثرٌ على كتابة الرواية. إن الرواية لدى الهجابي هي شريطٌ سينمائي. إنها وصفٌ وتصوير. وبما أنها كذلك فهناك اهتمام بكل شيء يمكن أن يدخل الكادر. كل شيء الأشكال والأحجام والألوان والظلال، وكذا الأجساد، والملابس، والنباتات، والحيوانات، والأدوات، والآلات، والروائح، والأصوات… إن السارد يصبح كمخرج سينمائي يرسم للقارئ العالمَ التخييلي الذي يريده أن يقرأه ويتخيله. عالم الهجابي الروائي هو عالمُ فنانٍ، التفاصيلُ فيه لها كل الأهمية، ولذلك تكثر في لغته الكثير من الكلمات المتخصصة، التي قد يصعب على القارئ العادي إدراك دلالتها بدون الرجوع إلى المعاجم، وإلى المعاجم المتخصصة أحياناً. وهذا الهوس بالتفاصيل هو هوسٌ بعالم الحياة الفعلي المادي، واحتفاءٌ به لأنه هو القوقعة التي يسكنها الإنسان. وإذا كان الحلزون لا يستطيع أن يعيش خارج قوقعته، فإن الإنسان لن يستطيع أن يعيش إلا داخل عالم حياته.
ويمتد تأثير السينما في كتابة الهجابي إلى حد تداخل خطابه مع خطابات أفلام سينمائية. لنأخذ نموذجاً دالاً:
«كانت القاعة قد برمجت فيلم (1974)Nous nous sommes tant aimés للمخرج إيتوري سكولا وبطولة نينو مانفريدي وفيتوريو كاسمن وستيفانيا سانديلي (الفيلم حاصل على جائزة موسكو وجائزة سيزار)[…] “كنّا أردنا أن نغيّر العالمَ، لكن العالم غيّرنا!” صرّح نيكولا أحد أبطال الشريط. هذا التصريح جعل يفري في دخيلة الهلالي قبل أن ينتبه إلى يد يامنة وهي تتماس مع يده، كأنما اليدان تتداعبان. رفعت وجهها إليه، وابتسمت، ثم سألت: أين سرحت؟ رد على الفور: الفيلم قوي! وصمت لثوان، أحس بها تهزّ رأسها موافقة.» (ص. 125).
وإذا كان تصريح نيكولا الشهير: “أردنا تغيير العالم، لكن العالم هو الذي غيّرنا” «قد جعل يفري في دخيلة الهلالي»، وإذا كان الهلالي قد علق على الفيلم تعليقاً عامّاً حين قال: «الفيلم قوي»، فإننا نرى أن هذا التأثير القوي للفيلم على الهلالي قد بقي موشوماً في ذاكرته، ومحفوراً في أعمق أعماقه منذ ذلك العهد، حتى إذا استدعاه الكاتب محمد الهجابي للإسهام مع السارد الأول في سرد عمله بيضة العقر، استثمر الفيلمَ وعبارتَه الشهيرة في إنجاز مهمة السرد الموكولة له. لنُعد قراءة ما كتب السارد الأول بصدد خلية الرباط:
«يستوحش الهلالي لاجتماعات خليته لأواخر السبعينات. ولا يدري كيف يمكن أن تستعيد الخلية لمّتها وتألقها. لعلها تجربة كانت وانقضت. هي فترة حصلت في حياتهم، وهي الساعة تبتعد، وهي قطعاً لن تعود. أيامٌ حسانٌ هي، ولن تتكرر، كأنما هي بيضة العقر […]دقت ساعة الوداع. لم يجتمع أفراد الخلية كي يتوادعوا. لم يتوادعوا قط. لم يتعانقوا أو يتباوسوا أو يتحاضنوا، ثم يعلنون الوداع. سارت بهم السبل متفرقة من غير أن يقرروا فيها. لا قرار اتخذوا. بعد خروج هشام والهواري من المطابق لم تعد الخلية إلى سابق عهدها. لكأن المرحلة طويت. لكأن آخرين، غيرهم، قرروا بالنيابة عنهم. على حين غفلة منهم، وفي غيابهم كذلك، حددت مصائرهم الجديدة. لا زنقة سبو جمعتهم من جديد، ولا القبيبات فعلت، ولا شارع الجزائر بادَرَ. افترقوا في برودة زمن، وقد كانوا التمّوا في حرارة زمن. لم ينسحبوا على رؤوس الأصابع. بَيد أنهم أيضاً لم يفكروا في الأمر. لم يتفقوا على انسحاب. هكذا، ألْفوا أنفسهم فجأة متباعدين. الصورة الفوتوغرافية الوحيدة التي احتضنتهم أُخذت لهم بمراكش بمناسبة زفاف. أخذوها رفقة خالد. غير هذه الصورة، لا يملكون دليلاً مادياً على اجتماعهم. حتى هذا الدليل لا يتوفر عليه أغلبهم. الهلالي لا يمتلكه. يتذكر أمر الصورة. لكن لا يمتلك الدليل عليه…» (ص. 294-295).
ليس هنا، في هذه الورقة، مجال للمقارنة بين الرواية والفيلم. لكن يمكن القول إنهما يتقاطعان. وتتمثل عناصر التقاطع بينهما في بناء خطابهما باعتماد وسائل، منها: التاريخ والذاكرة، الحلم والهزيمة، استكشاف وسائل التعبير ومساءلتها، اعتماد تعدد الأصوات والرؤى، تشييد علاقة رمزية بين التخييل والتاريخ و الفن (سينما كان أو رواية).
ولكن، ما يضئ علاقة التقاطع بينهما أكثر هو أنهما معاً يشكلان، كلّ في مجال كتابته، مقاومة للقوتين اللتين تتجاوزان الإنسان، وتتفوقان عليه، وتتملكانه: قوة السياسة، وقوة التاريخ. 
-9-
إيروتيكا الهلالي
انتفض النحيلي في مذكرته ضد المؤلف والسارد لأنهما قدّما صورة عن علاقة الهلالي بالأنثى غير حقيقية إطلاقاً (ص. 253). ويحلل حالة ليلى، ويقدم الصورة التي يتخيلها بها، ويعرضها على أنها الحقيقة، ويشكك في السياق ذاته في حقيقة حكاية ياسمين (ص. 257). إن مشكلة النحيلي أنه صُدم بعشق الهلالي للجسد، واعتقد أن الرواية بورنوغرافية، تقوم على وصف المجون والجنس والمتعة الجسدية المادية.
هل الرواية بورنوغرافية؟
ما لم يستسغه النحيلي هو فحصُ الرواية لإيروتيكية الهلالي.
فما مظاهر هذه الإيروتيكية؟
لنقرأ المقتطفات التالية:
– «طرقتان على لوح الباب، وإذا بوجه صبوح يشرق من فرجته، ياسمين، هو اسم ربة الوجه[…] ودعتني إلى الجلوس وقد افترت شفتاها الرقيقتان والصغيرتان عن أحلى ابتسامة رأيت.» (ص. 27).
– «ولست أدري كيف ظل وجه ياسمين منتصباً قدامي» (ص. 28).
– «يعجبني في ياسمين أنوثتها الفائقة. انكساراتها وهي بين ذراعي تخلب مني العقل والإدراك. تسكرني ضحكتها الماتعة.» (ص. 55).
– «رمتني بسهم من لحظها الفاتن وابتسمت[…] مددت يدي الشمال وجررت يدها النظير إلى سطح الطاولة، أحسست بكفها في يدي لهنيهة مثل عصفورة دافئة، ثم ما عتمت أن أخذتُها إلى شفتي وقبّلت باطن الراحة. أرجعت اليد بتأن إلى موضعها على الطاولة. أعجبها صنيعي، فأشرق وجهها وافتر ثغرها الريان على ابتسامة كشفت عن حيز من تيجان أسنانها المتراصة الجميلة.» (ص. 93-94).
– «وأنا أودعها[…] رأيت في عمق عينيها الصغيرتين ما يشبه حلماً ترسب في أعماق أعماقي منذ الأزل.» (ص. 96).
– «.. فأسرع أنا إلى حط السبابة على شفتيها المزمومتين. تتدارك ياسمين وتستسمح مبتسمة. أعود بسبابتي إلى فمي فألثمها. تعلّق: أنت تستفزني. أحيط كتفها بذراعي وتحيط خصري بذراعها ونستأنف المشي.» (ص. 102). 
تبرز هذه المقتطفات أن إيروتيكية الهلالي تتأسس على رؤية وجه صبوح، وثغر ريّان، له شفتان رقيقتان صغيرتان تفتران عن «أحلى ابتسامة»، أو تصدر منهما ضحكة مسكِرة ماتعة، فتكشفان بذلك عن تيجان أسنان متراصة جميلة. وإذا دخلت الكف إلى المشهد فإنما لتقوم بأخذ كف الحبيبة إلى فمه لِلَثْمِها، أو حط السبابة على الشفتين المزمومتين والعودة بها إلى الفم لتُقبلها. أما إذا تدخلت الذراع فلكي تحيط بالكتف أو الخصر. والوجه لدى الهلالي هو ذلك الوجه الذي يظل جليّاً حتى وهو في الغياب، أي ذاك الذي تعلوه عينان صغيرتان يرى في عمقهما ما يشبه الحلم مترسباً في أعماق أعماقه منذ الأزل. عند ذاك تتجلى أنوثة ياسمين الفائقة فتخلب انكساراتُ جسدها بين ذراعيه منه العقلَ والإدراك.
فافْهمْ يا صاحبي ! 
إيروتيكية الهلالي قصيدة؛ قصيدة عشق تتغنى بالحنين إلى الدفء والحنو والمودة والألفة.
-10-
بيضة العقر
ما بيضة العقر هذه؟
لعلها هي خلية الرباط. كان أفرادها «فريق عمل، وقفير نحل. وخلية إن شئتم.» (ص. 295). كانت عنوان العمل الجماعي الناشط والمنظم. 
هل الأمر يتعلق بـ«تجربة كانت وانقضت»، و«قطعاً لن تعود» فعلاً؟
يكتب السارد الأول سابراً أغوار الهلالي السحيقة، ومولّداً هاجساً جعله يقول كلاماً نوستالجياً مفعماً بإيديولوجيا الأمل:
«هاجس، في عمق أعماق الهلالي، يقول إن شتاتهم هذا لن يطول. لا شك أنهم سيجتمعون. لا يمكن أن تنتهي الحكاية على هذا المنوال، هذه ليست نهايتها، يرُسُّ الصوت الخافت للهلالي.» (ص. 296).
كيف نقرأ هذا الهاجس؟
لنتذكر درس باختين: إن كل شيء ما يزال في طور المجيء، وسيظل كذلك، وإن كلمة العالم الأخيرة وعن العالم لماّ تُقل بعد، وإن الحاضر هو في حالة صيرورة. ولنستنج معه أنه ليست هناك خاتمة نهائية، بل هناك بداية جديدة دوماً.
ولنتذكر درس كونديرا: إمكانات الكائن لا متناهية، وقدرته على تحقيق ما يرغب في إنجازه لا تُحدّ.
يدفع هذان الدرسان المتلقي إلى إعادة قراءة قول الهاجس بحاسة سادسة؛ ترى ما لا يُرى وتسمع ما لا يُسمع، والنأي عن تحويل الرواية إلى تاريخ أو نبوة. لينظر إليها بوصفها استكشافاً لمناطق مجهولة، وارتياداً لأماكن لها الأقاصي.
وما هذا الشكل الكتابي الذي يمكنه أن يفحص هذه الخاتمة التي تتحول إلى بداية جديدة، ويمتحن هذا الحاضر، الذي هو في حالة صيرورة؟
نزعم، مع باختين، أنه النثر الروائي. ونضيف عندما يتحول هذا النثر إلى كتابة، أي رواية تحفر طريقها الخاص ضمن غابة الأدب الكثيفة، رواية لا تجعل من الكتابة أداة تدوين لما وقع، وتسجيل له وتقييد، بل تحوّلها إلى فضاءِ استكشافٍ لمجهول الوجود. فتكون بذلك بيضة عقر.
ولعل رواية “بيضة العقر” لمحمد الهجابي هي بيضة عقر؛ مغامرة كتابية تحفّها الكثيرُ من المخاطر، وقد تَعْرو معمارَها شوائب، لكنها تبقى، مع ذلك، محاولة أصيلة للإسهام في بناء الحرية؛ حرية الذات الكاتبة المتفردة المتعددة في استكشاف مجهول الكتابة، أي مجهول الحياة..
القنيطرة في 08. 05. 15

شاهد أيضاً

نعوم تشومسكي : إنها فرصتنا لخلق عالم مختلف،أو لن يتحقق ذلك

ثقافات –  ترجمة  : سعيد بوخليط   تقديم : يتضمن هذا الحوار،وجهة نظر اللساني اللامع والفيلسوف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *