الرئيسية / إضاءات / الهويّة الضّائعة للشّاعر الألماني راينرماريا ريلكه

الهويّة الضّائعة للشّاعر الألماني راينرماريا ريلكه



محمد محمد الخطابي *

(ثقافات )

ما فتئ الشاعر الألماني الذائع الصّيت راينر ماريا ريلكه ( 4 ديسمبر 1875 – 29 ديسمبر 1926) يملأ الدّنيا ويشغل الناس، ليس في بلده وحسب بل في مختلف البلدان الأوروبية وفي العالم الناطق باللغة الإسبانية على وجه الخصوص، والدليل على ذلك أنّه لم تخل سنة من السنوات العشر الأخيرة في إسبانيا وأمريكا اللاتينية من صدور كتب عنه، وترجمات عديدة له إلى لغة سيرفانتيس، كان آخرها الكتاب الصادر مؤخّرا تحت عنوان “الورود والنوافذ “عن منشورات ” ميراندولا” (بوينوس أيريس) من تقديم وترجمة عن اللغة الفرنسية كارلوس كامارا ، وميغيل أنخيل فرونتان . الكتاب الجديد عن ريلكه الصادر باللغتين الإسبانية والفرنسية في طبعة واحدة يضمّ بين دفّتيه في الواقع كتابين من الكتب الشعرية الثمانية لريلكة المكتوبة باللغة الفرنسية ، على أن تنشر الكتب الستة الباقية في تواريخ لاحقة .
هذا كما ترجم خلال السنوات الأخيرة إلى اللغة الإسبانية كذلك العديد من كتب ريلكه منها كتابه الذي يحمل عنوان: “يوميات” الذي نقله إلى هذه اللغة الكاتب الاسباني” إدواردو خيل بيرا” ، والذي كان قد صدر عن دار تكستوس(نصوص) بمدينة بلنسية الإسبانية تحت عنوان: “يوميات الشباب” .
للشّاعر ريلكه المعروف على الصعيد العالمي كواحد من أكبر الشعراء الألمان المعاصرين في القرن العشرين قصائد عديدة باللغة الفرنسية بالإضافة إلى شعره المكتوب بلغته الأمّ الألمانية ،حيث عاش في باريس زهاء عشر سنوات، وتعود أولى كتبه بلغة راسين لعام 1924. وعلى الرغم من كون اللغة الفرنسية ليست لغة ريلكه الأصلية فإنّ قصائده وأشعاره المكتوبة بهذه اللغة هي من النقاوة الخالصة ، والصفاء البلّوري، الشيء الذي يدعو للإعجاب حقّا. ويرى النقاد أنّ ريلكه قد ألفى في هذا اللغة القالب المناسب لوضع أفكاره، ورؤاه ، وتأمّلاته الفلسفية.

الهويّة الضائعة


من أين هذه الدوافع الخفيّة التي تدفع بالشاعر لتغيير مقامه ومكان مسكنه بين الفينة والأخرى، هذه السّفريات والرحلات الرومانسية الحالمة في مختلف البلدان الأوروبية هل هي فرار من نفسه؟ أم هي فرار من الحب المدوّي القاتل حيث كان في بعض الأحيان تنتاب الشاعر هواجس، وتعتريه مخاوف من حيث لا يدري، إنها تناوشات نفسية داخلية محتدمة تغوص في أعمق أعاميق روحه المكلومة ، أو تهوي به في قعر الهوّة السحيقة البعيدة الغور بحثاً عن شيء لا يعرفه، وعندما يفيق من هذه الشطحات خائفاً متوجّساً ملتاعاً كان ينخرط في بكاء مرير ثم ينفجر القصيد بتلك اللغة البركانية الحمميّة والحميمية الملتهبة التي تحرق شظاياها شغاف القلوب. وكان في أحيان أخرى يسمو بنفسه إلى أعلى مراتب الرفعة ليعانق الجمال بحماس متّقد ملتاع، ومع ذلك الفرار كان ريلكه شاعراً متعبّداً في محراب الخلق والإبداع، وبقدر ما كان الشاعر غنياً في عطاءاته، جانحاً في خيالاته الشعرية كان كذلك فقيراً معدماً لأنه كان واقعاً في الفجوة التي لا مخرج له منها، الفجوة الفاصلة بين الأنا والحياة كما تُعطى. كان يلتفت إلى الوراء فيرى أجمل سني عمره تنساب بدون رجعة، ضاعت منه طفولته، وضاع منه بيته، فتاه باحثاً عن نفسه، عن ماضيه، عن أناه، عن هويّته الضائعة، كلّ ذلك انعكس بجلاء في شعره وفي تصرفاته.

تحدّث بجلال أو أصمت

هذه ” الإبداعات الملتاعة “كان قد كتبها ريلكه في تواريخ متباعدة ابتداءً من 1898 حتى 1900. في هاتين السنتين اللتين كانتا حاسمتين في حياته، إذ هذه المرحلة بالذات هي التي طبعت حياته وأعماله في ما بعد وحدّدت نظرته للعالم، ورسمت معالم لعطاءاته المستقبليّة ،خلال هذه المرحلة عاش ريلكه تجربة اللقاء ثم الفراق، تجربة التواصل والانفصال والقطيعة في ما بعد مع خليلته” لو أندرياس سالومي” ثم بعد ذلك سيتعرف على” كلارا ويستوف ” التي سوف يتزوّجها ثم يسافر إلى روسيا ويبدأ نشاطاته الأدبية هناك، حيث وضع كتابه المهمّ الذي يحمل عنوان: ” كتاب الأخيلة ” ثم وضع “كتاب الساعات” وكان ريلكه يقول: “عن الأشياء العظيمة تحدث بجلال أو أصمت!” وهذه الفكرة رسمت في ما بعد خط تفكيره، سواء من حيث المضمون أو جمالية النصوص بعيداً عن التأثيرات التراثية والدينية التي ميّزت معظم كتابات معاصريه حيث أصبح الفنّ أو الإبداع عنده ليس شيئاً مُرضياً أو لطيفاً بقدر ما يتضمّن من معاناة وآلام، كما غدا الفنّ عنده فضحاً وتعرية لفظاعة الحياة مقابل البشر والانشراح اللذين تشيعهما بعض الأغراض الفنية والإبداعية في النفوس بحيث يغدو ما يشعر به المرء حسب تعبير ريلكه نفسه، كقيلولة، أو نشقة سعوط. وتحفل هذه اليوميات الإبداعية بالتأمّلات الفكرية الشاردة أو المجنّحة، و هي ليست وصفاً دقيقاً لما يتراءى له أو تسجيلاً لمعلومات يومية متواترة.

العزاء في الفنّ والإبداع

ومن كتاباته الإبداعية في هذه اليوميات تنفجر مأساة حياته، حيث يستشفّ منها قوة الملاحظة ، وعمق الرواية، ودقة التحليل، وهو في هذه الكتابات يبحث عن مخرج أو منفذ لمأساته ككائن بشري، وكشاعر فذّ وليس اقتناص اللحظات المرحة أو سويعات الحبور والانشراح. إنّ نزعة ريلكه الشعرية ليست نزعة تصوّفية أو تعبيرية بقدر ما هي محاولة لاستبطان واستغوار واستكناه أعماق النفس البشرية بدءاً بنفسه، وتلك كانت مأساته وهواجسه الانعزالية، انّه يسعى لإيجاد قيمة لنفسه للتغلّب على شعوره بالفشل والإحباط خاصة بعد أن هجرته خليلته فحاول أن يجد عزاءه في أن يشغل نفسه بما كان يشغل به أنفسهم مفكّرو زمانه في أواخر القرن المنصرم من فنون إبداعية مختلفة.
ونجد في إبداعات ريلكه الشعريّة غير قليل من الاعترافات ذات الطابع الكتماني أو السرّي في حياته، قراءات جمالية خلاّبة في درب الشعر والأدب، وتعليقات مقدّمة تحليلية حول الأعمال الفنية المنجزة في ذلك الوقت وخاصّة حضور سيدتين أساسيتين في حياته في تلك الفترة من عمره الأولي هي” باولا بيكر” والثانية هي ” كلارا ويستوف”، كان الشّاعر ريلكه يقول لباولا بيكر: “إنني واثق، ممّا أراه وأرجو أن أستمدّ منه القوّة لمواصلة الطريق، وأن أتعلّم منه حسن الاختيار لأيام كثيرة، فهنا أستطيع أن أجد العشرة المؤنسة، هنا أشعر أنه بإمكاني أن أصبح أو أن أكون مخلوقاً يشعر بتحوّل”.

فهم ما لا يفهم

يرى الناقد الاسباني” دييغو دونييل” أنّ قراءة الإبداعات الشعرية لدى ريلكه في هذه الكتابات ليست بالأمر الهيّن اليسير، فإن كان القارئ يسعى للحصول على متعة من جراء قراءتها فلينبذ هذه الفكرة من رأسه فوراً لأن قراءة هذه الإبداعات قد تغدو أحياناً أمراً متعباً وشاقاً للغاية، فهي لا تقوم على السّرد بقدر ما تقوم على التساؤل والمناوشة والتحاور ومحاولة فهم مالا يفهم، أو قول ما لا يقال!، على شاكلة شاعر الفلاسفة أو فيلسوف الشعراء أبي تمّام الطائي الذي كان يقال له : لماذا تقول ما لا يفهم ..؟، فكان يجيب : و لماذا لا تفهمون ما يقال ! . وفي هذه اليوميّات نجد ريلكه الحقيقي الخالي من الأصباغ والرتوش فقد سال مداد غزير حول تجربته الرّوسية وحول أهمية أعماله الأدبية وقيمتها والتي ثمّنها النقاد ورحّب بها القرّاء، على الرّغم من مبالغاته وشطحاته، ومع ذلك ما فتئ هؤلاء القرّاء يتهافتون على أعماله وإبداعاته ، ويذرف بعضهم الدموع لأنّ ريلكه أمكنه إنزال الشعر من برجه العاجي، وتحريره من النزعة الشعرية الغارقة في الرمزية والمشاعر العارمة الموغلة في السكون والحنين لمواجهة الوجود ومعالجة قضاياه الكبرى بما في ذلك الارتماء في أحضان الآلام والتسلّح والتجلّد بالشجاعة الكافية ومعانقتها ، وإشاعة الثقة في السعادة التي كان يعتقد معاصروه أنّ معينها قد نضب وجفّ. لقد وضع ريلكه الشعر في مكانه الأسمى، وبوَّأه المنزلة التي هو قمين بها في عصره، حيث أعطى للشعر بذلك قيمته ومكانته وجلاله وهيبته، هذا الشعر المشحون أبداً بالعواطف الجيّاشة، والمحفوف أبداً بالمخاطر والغرائبية. والفكر الخلاّق، والحركة الدّائمة الدّائبة. وهذه برمّتها عناصر تميّز إبداعات ريلكه الشعرية بشكل خاص.

حياة بوهيمية متقلّبة


لقد كانت مفخرة أو مأثرة ريلكه هي وقوعه فى حبّ العديد من أميرات ،ودوقات ،وماركيزات ،وبارونات الإمبراطورية النمساوية المجرية، ، وقد دعي إلى قصور وحصون وإقامات كل هؤلاء، ولم يكن ريلكه يقدّم لهنّ جميعا سوى باقات من شعره اللائي كنّ يسعدن بها غاية السعادة والسرور. كان ريلكه في فترة مّا من حياته شاعرا تائها ، شاردا ، بوهيميا متنقلا من مكان إلى آخر، من البندقية إلى كابري، ومنها إلى باريس ثم روما وإستوكهلم وفلورينسيا إلى سان بيتروسبورغ،وميونيخ ، وفى كل مكان كان الشاعر يترك آثارا وبصمات لحبّه وهيامه وصبابته. إن حياة ريلكه اتّخذت مسارا جديدا في عمره عندما قصّ خصلة من شعر رأسه الأحمر عام 1906 ، وربّى شاربه على الطريقة التتريّة ، وقد رافقه هذا الشارب حتّى مماته ، كان آنذاك في الواحدة والثلاثين ربيعا من عمره ، وكانت الشهرة قد طفقت تنقاد إليه، وتطرق وتدقّ أبوابه بقوّة.ويدأ المعجبون يلتقطون له الصور التذكارية !.
كان ريلكه قد ولد في براغ عام 1875 ، هجرته أمّه وهو في التاسعة من عمره وتركته لدى عمّه وذهبت لتعيش في فيينّا ،ولهذا السبب ظلت كراهيته لامّه ملازمة له حتى مماته ، انخرط فى سلك العسكرية ولكنّه سرعان ما هجرها لضعف بنيته ، ثم درس الفلسفة والحقوق في جامعة براغ ، إلاّ أنه اكتشف سريعا أنّ هوايته هي كتابة الأشعار ، وفى ميونيخ تعرّف على الكونتيسة “فرانشيسكا فون ريفونتلو” البارعة الحسن والجمال التي كانت غارقة في العزلة مثله كذلك ثم ّ سرعان ما هجرها ، بعد ذلك سلّم قلبه ل:” لو أندرياس سالومي” وهي روسية، هذه المرأة سبق أن علق بها العديد من المفكّرين والفلاسفة مثل فيردريك نيتشة ، وسيغموند فرويد ، ،وماهلر وسواهم وكانت تكبره بعشر سنوات ، كانت صلة ريلكه بهذه المرأة مادية بحتة ، ولكنه مع ذلك كتب أو نظم فيها وعنها قصائد حبّ عديدة .قال عنها في إحدى المناسبات:” إغلاقي عيوني، وسأستمرّ في رؤيتك ، أغلقي سمعي ، وسأستمرّ في الإصغاء إليك ،حتّى لو كنت بدون أرجل سأقتفي أثرك ، وبدون فم سأستمرّ في مناداتك والتوسّل إليك” . زار مصر ذات مرّة وجال وصال بين معابد الأقصر ، والكرنك، ووادي الملوك ، كما زار طليطلة ووصل حتى حاضرة المعتمد بن عبّاد مدينة إشبيليىة العامرة .وعندما كانت كلّ الكنائس تقرع نواقيسها في “وادي فالوا ” (فرنسا) أسلم ريلكه الرّوح في صبيحة ثاني يناير1926 .
_________________________________

*كاتب من المغرب يقيم في إسبانيا.

شاهد أيضاً

الكاتبة الفرنسية التي جعلت حياتها تجربة مثالية

*حسونة المصباحي نهاية الربيع الحالي، قامت دار”غاليمار” الفرنسية ضمن سلسلة ”البلياد” الشهيرة المخصصة لكبار الكتاب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *